سؤال يتردد على شفاه عشرات الملايين من العراقيين منذ حوالي احدى عشرة سنة وحتى هذه اللحظة، ولم تستطع الحكومة الاجابة عليه، وهي التي تمسك بيدها زمام الامور، ولا الكتل السياسية المنضوية في العملية السياسية ولا حتى البرلمان. لم يسمع المواطن لحد الان جوابا مطمئنا شافيا ولم يلاحظ بالافق المنظور اي استراتيجية لبناء عراق المستقبل. وهو ايضا أي المواطن بات غير مستعد لتقديم المزيد من التضحيات، ويزداد قلقه على مصير اولاده ومستقبل الاجيال القادمة. هذه هي الحقيقة التي لا تريد الحكومة ان يعرفها احد وهي ليست على استعداد لان تفضح نفسها وتعترف بأنها لا تزال حكومة ازمات ولا تقوى على فتح الملفات الاستراتيجية الكبرى، رغم مضي اكثر من عقد من الزمان على وجودها، بل لا تستطيع الاجابة حتى على سؤال بسيط يتعلق بالغد القريب وما هو مسار خططها لانقاذ الوطن؟ فهل تريد بناء دولة دينية او مدنية، وهل تبغي نزع فتيل الطائفية حقا وحقيقة، أم تسير في اتجاه تعميقها، وهل هي صادقة في تشييد عراق واحد موحد؟ لا الدستور يعطينا الجواب الشافي ولا تعاطي الحكومة مع الاحداث يطمئن المواطن بقرب الفرج. لو قارنا التجارب العالمية للدول الديمقراطية وحتى الديكتاتورية لتمكنا من قراءة اتجاه الحكومات وما تريد تحقيقه في المستقبل القريب وربما البعيد ايضا، اذ تحاول كل حكومة تحسين ادائها من خلال تغييرات مستمرة في دساتيرها وقوانينها تفرضها الظروف الموضوعية لكل شعب، والعمل على مواكبة حركته لتحقيق مطالب اجتماعية او اقتصادية محددة. ان على اي سلطة سياسية ان تعكس رغبات شعبها في جميع الميادين، وضرورة ترجمتها قانونيا بين فترة واخرى، من خلال تغيير بعض مواد الدستور. فالاغلبية لها حق مكفول والاجماع الوطني هو مصدر السلطات لذلك نرى كل بلد له تجربته الخاصة به ولا تشبه اطلاقا تجربة غيره، حتى لو كان حليفا استراييجيا او اقتصاديا. فالنظام السياسي للولايات المتحدة الامريكية على الرغم من كونه فيدراليا لكن له خصوصيته مقارنة بالنظام الفيدرالي الالماني او السويسري او البلجيكي. والنظام الملكي البريطاني لا يشبه النظام الملكي الاسباني او الهولندي. والنظام الرئاسي الفرنسي لهو خصوصيته مقارنة بالنظام الرئاسي الايطالي او الروسي وهكذا دواليك. ينبغي ان نعلم بأننا لا نعيش في الاخرة، ففي هذه الدنيا نتطور ونتعلم كل يوم من خلال التجارب العملية واليومية ولا يوجد بلد في العالم يقول ان دستوره قرآن منزل من السماء او كتاب مقدس لا يمس او قانون غير قابل للاجتهاد. هذا هو شأن الدول الديمقراطية لانها تدرك وتعلم بأن الكمال لله. لنضرب مثلا قد عايشناه قبل فترة ليست بالبعيدة في فرنسا، اثر ازمات سياسية ودستورية حصلت ابان عهدي الرئيسين الفرنسيين السابقين فرانسوا ميتران وجاك شيراك، فقبل فوز الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران عام 1981 كان قد وعد الشعب الفرنسي ابان حملته الانتخابية بأنه سوف يسمح للاجانب الذين يحملون بطاقة اقامة شرعية بالمشاركة في الانتخابات البلدية. لكنه لم يستطع تنفيذ هذا الوعد طيلة فترة حكمه التي استمرت اربعة عشر عاما لولاتين متتابعتين. لانه شعر بأن تنفيذ ذلك الوعد سيفتح مجالا لتدخلات اجنبية مغربية او جزائرية في سياسة فرنسا الداخلية، من خلال الجاليات الكبيرة التي قد يستخدمها الحكام المغاربة كأدوات ضغط على السياسة الفرنسية. من جهة اخرى فقد وفى الرئيس الجديد بعهده حول منح الكثير من الاجانب المقيمين بصورة غير شرعية الاقامة الرسمية في فترة ولايته الاولى، وسهل اجراءات منح الجنسية الفرنسية للقاطنين والعاملين فيها. عندما تعيش الحكومة مع الشعب وهمها خدمته وتلبية رغباته لتحسين ظروفهم من جميع النواحي لاسيما التشريعية، لانها هي التي تنظم حياة المواطنين بعيدا عن الاهواء والتأويلات الشخصية ولا تخضع للاجتهادات او عامل الصدفة. فعلى سبيل المثال خاض الفرنسيون خلال الثلاثين سنة الماضية تجربة التعايش بين رئيس منتخب من حزب ما ورئيس وزراء من حزب معارض في الانتخابات التشريعية، ما اضطر الطرفان الى التعايش وخلق توازن لا يخلو من توترات افقد الطرفين حرية الحركة، وحدث تداخل في الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه. فعندما فاز الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ممثلا عن الحزب الاشتراكي اضطر بعد حوالي اربع سنوات من انقضاء ولايته الاولى الى التعايش مع رئيس الوزراء جاك شيراك، اثر فوز الديغوليين بالانتخابات البرلمانية. وعندما فاز جاك شيراك ممثل الديغوليين في الانتخابات الرئاسية عام 1995 اضطر هو الاخر الى التعايش مع رئيس الوزراء الاشتراكي لونيل جوسبان اثر فوز الاشتراكيين في الانتخابات البرلمانية، بعد انقضاء ثلاثة اعوام من الولاية الاولى للرئيس الجديد جاك شيراك. هنا وقف الفقهاء والمشرعون الفرنسيون امام عقبات يجب ايجاد حلول لها كي يتمكن الحزب الفائز بالانتخابات من تطبيق برنامجه بحرية، من دون معوقات من منافسيه، فوجدوا عقبة رئيسية واحدة يجب العمل على حلها ضمن قانون ملزم للاحزاب السياسية. تتلخص في حل المشكلة التشريعية التي تقضي بأن تكون فترة رئاسة الجمهورية لسبع سنوات، في حين تمتد الانتخابات البرلمانية لخمس سنوات. مما يخلق فجوة زمنية بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بما لا يضمن للرئيس المنتخب الاغلبية المريحة لتطبيق برنامجه الانتخابي الذي وعد الشعب به. وجد المشرعون أنه لا يمكن ضمان فوز الاغلبية النيابية لصالح حزب الرئيس المنتخب طيلة ولايته لسبع سنوات، فبعد ثلاث او اربع سنوات يمكن ان يغير الشعب الفرنسي رأيه في الاغلبية النيابية، كما حدث واسلفنا مع ميتران وشيراك. لسد هذه الفجوة يجب تنسيق وتواؤم انتخابات الفترة الرئاسية والبرلمانية، لذا رأى الفقهاء أنه يجب الا تكون الفترة الفاصلة بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سوى اسابيع قليلة. لا يمكن التوفيق بين الرئاستين من دون توحيد المدة الزمنية للولاية الرئاسية والبرلمانية، فأما ان تكون دورة البرلمان لمدة سبع سنوات او تكون دورة الفترة الرئاسية لمدة خمس سنوات، وهكذا اتفق المشرعون على تخفيض الفترة الرئاسية الى خمس سنوات على ان تكون لدورتين كحد اعلى. أما اليوم فان الانتخابات الرئاسية والبرلمانية متقاربة جدا، مما يضمن للرئيس ان يكون رئيس وزرائه من حزبه او تكتله ليتمكن من تطبيق برنامجه الذي انتخب لتطبيقه. فمن غير المعقول ان يغير الشعب الفرنسي رأيه في اختيار اغلبية لتكتل ما للرئاسة واختيار اغلبية لتكتل معارض للبرلمان في فترة زمنية قصيرة جدا. وهكذا الشعوب لا تستحي ان تصحح مسارها اذا ما شعرت بضرورة ذلك. نحن في العراق نرى ونسمع بأن الجميع ينتقد الدستور من رئيس الجمهورية الى رئيس الوزراء الى البرلمان الى زعماء الكتل والاحزاب، اضافة الى ذلك فان الدستور كتب وشرع في عهد الاحتلال الامريكي ومضى عليه حوالي احدى عشرة سنة. مع كل الأسف لم تمس لحد الان مواده التي أسست بدعة الطائفية وقسمت العراق الى مكونات. لم يجرأ احد على وضع يده على الجرح النازف منذ اكثر من عشر سنوات. ولم يستطع احد حتى هذه اللحظة ان يعيد العراق من خلال تغيير دستوره الى دولة مواطنة لا تفرق بين شيعي وسني وعربي وكردي وتركماني ومسلم ومسيحي. فالكل سواسية امام القانون والكل يتمتع بحقوق وعليه واجبات والمقصر ينبغي ان يحاسب بغض النظر عن هويته الدينية او المذهبية او القومية او العرقية. لا يمكن ان يثق الشعب بالحكومة ما لم تقترح تشريعات تنزع الالغام التي ملأت الدستور وتفك الغاز طلاسمه وما اكثرها. علما بأن هناك استحقاقات كثيرة وكبيرة تتعلق ايضا بالاحزاب والتنظيمات السياسية، فلا يعقل ان تستمر الامور الفوضوية في قضية تأسيس الاحزاب وتمويلها ومرجعياتها من دون قانون. وضرورة سن تشريعات صارمة لمعاقبة الفساد الاداري والمالي الممارس في اعلى المستويات، اضافة الى السرقة الرسمية والغش والرشوة. فالعراق اليوم لا يتمتع بقوانين رصينة عادلة انما تتحكم به عادات وتقاليد واجتهادات. فكل موظف يجتهد في قضية ما من دون مرجع او سند قانوني واضح يعتمد عليه. وكل شخص يفسر القانون وفق ما يشتهي وحسب قربه وبعده من مركز القرار، فالمحسوبية والمنسوبية تصول وتجول في العراق الجديد. مرة اخرى أي عراق نريد بناء اسسه واركانه كي يكون الشعب على بينة من أمره؟ هل نريد عراقا ديمقراطيا مدنيا يخدم مواطنيه من دون تمييز، أم عراقا ثيوقراطيا دينيا طائفيا، وأي هوية نختار لعراقنا؟ لان دستورنا الحالي الغى هويته وتحتمل بنوده تفسيرات كثيرة. ليس من المعقول والمنطقي ان تغيب الهوية العربية للعراق اذا ما علمنا بأن اكثر من 80 بالمئة من سكانه عرب. من المفترض ان يكون للمشرعين ومفسري الدستور والبرلمانيين والحكومة الشجاعة للتصريح بمبتغاهم، وان يقولوا لنا أي هوية يختارون لبلدنا، فالشعب يريد ان يعرف هل العراق فارسي ام امريكي ام بلد البدون؟ حتى كلمة اغلبية يفسرها سياسيو العراق الجدد تفسيرات لا مثيل لها في العالم اجمع. انهم بكل بساطة يتلاعبون بالالفاظ فيقولون شيئا ويفعلون عكسه. لا يمكن ان نتحدث الان في العراق عن اغلبية سياسية، رغم معسول الكلام الذي نسمعه من رئيس الوزراء وغيره، لان طبيعة تأسيس الاحزاب المنضوية في العملية السياسية طائفية، فأي تشكيل لاغلبية نيابية ستكون بالتأكيد اغلبية مذهبية، عندها سيتجه العراق حتما الى مزيد من التخندق الطائفي المذهبي العرقي. لا يمكن اذن الحديث عن تشكيل اغلبية سياسية في العراق، من دون ان تغير تلك الاحزاب والتكتلات الحاكمة تركيبتها وتنأى بنفسها عن الطائفية السياسية والدينية، وتغير نظامها الداخلي لتتواءم مع مبدأ مدنية الدولة. وتكون منفتحة على جميع المواطنين بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية، ولا تنحاز لجانب دون اخر. هناك الكثير من الاستحقاقات التشريعية التي يجب الولوج في أتونها باسرع وقت ممكن كي تضع البلاد اقدامها على الطريق الصحيح. عندها فقط سيتقبل العراقيون التضحية والصبر لانهم يعلمون بان الضوء سياتي لا محالة في نهاية النفق مهما كان طويلا ومظلما.