‘ ‘ ‘
هذه الاقتباسات تأتي في توقيت مشوق. فبعد بضعة ايام سيصل الى هنا فيليب غوردون، مستشار الرئيس اوباما للشرق الاوسط برئاسة وفد لخوض حوار مع اسرائيل على المفاوضات مع ايران قبيل التسوية النهائية. وعندما سيصل فانه سيجد القدس ذات نزعة عملية، واقعية وشبه لطيفة ستحاول الاقناع (وعند الحاجة الطلب) بسلسلة من المقاييس المتصلبة للتسوية الدائمة مع ايران.
‘قم يجب بالطبع ان تخلق تماما. لا توجد اي حاجة الى منشأة نووية تحت ارضية. حقول اجهزة الطرد المركزي في نتناز يجب ان تفكك. كل هذه الاجهزة يجب أن تتوقف عن العمل حتى آخرها. المفاعل في اراك بالطبع الا يبنى والا يدخل الى اي حيز عمل في كل سيناريو’. يقول المصدر السياسي. ولكن الامريكيين، كما سُئل، يعترفون منذ الان مبدئيا بحق الايرانيين في التخصيب. والرئيس اوباما قال في منتدى سبان انه يفهم بان الايرانيين سيخصبون اليورانيوم حتى في التسوية الدائمة.
فيرد المصدر السياسي على ذلك فيقول: ‘ثمة بيننا وبينهم فجوات كبيرة جدا في هذا الموضوع. هذا غير مقبول بالنسبة لنا. فلماذا يحتاج الايرانيون الى تخصيب اليورانيوم؟ نحن نفهم بان الامريكيين يتحدثون، ربما عن التوقف التدريجي لتخصيب اليورانيوم يستغرق سنوات. ولكن لماذا يحتاجون للتخصيب على الاطلاق؟ نحن لا نطلب فقط وقفا للتخصيب، بل ونريد أن نرى توقفا للبرنامج البالستي الايراني الذي لا يتحدثون عنه كثيرا، وشل القدرة في مجال مجموعة السلاح والقدرة الايرانية على تركيب منشأة نووية. توجد هنا جملة كاملة’.
هدف القدس مزدوج: ان تعرض مقاييس متصلبة جدا قبيل التسوية النهاية مع ايران، وبالاساس منع انهيار نظام العقوبات الحالي. احباط الاندفاع الغربي والاسيوي نحو صفقات كبرى، استئناف خطوط الطيران الاجنبي والتسكع مع صناعة النفط الجائعة في طهران. ليس فقط تسكع بل اكثر من ذلك لان الروس يتحدثون علنا تقريبا عن صفقة نفط عظمى مع ايران تنهي العزلة الاقتصادية لطهران.
اذا لم ينجح نتنياهو في زج اصبع في السد فانه سيتحطم واذا ما تحطم فلن يضطر الايرانيون او يرغبوا في الوصول الى تسوية نهائية على برنامجهم النووي. فهم سيتمكنون من البقاء اينما يريدون: على الحافة.
دولة حافة نووية مع ما يكفي من اليورانيوم المخصب واجهزة الطرد المركزي من الجيل الثاني تهرع نحو القنبلة النووية ما أن تصدر الاشارة من الزعيم الروحاني.
‘ ‘ ‘
في هذه الاثناء تتوقع ايران انتصارا كبيرا آخر. هذه المرة في سوريا. فقد كادت طهران تنجح في تضليل الاسرة الدولية حين دعين الى مؤتمر جنيف في موضوع سوريا. واستغرق الامريكيون والاوروبيون يومان لاقناع الامين العام بان كي مون بانهم خدعوه. وتصرف الامين العام في هذا الموضوع مثلما يتصرف بشكل عام: بشكل شبه ساذج.
الشرط الاساس للمشاركة في المؤتم كان الموافقة على الوثيقة التي صاغتها القوى العظمى قبل بضعة اشهر. وهي تتضمن بناء حكومة جديدة في سوريا. بان كي مون، ادعى بانه تحدث المرة تلو الاخرى مع وزير الخارجية الايراني ظريف الذي وعده بان طهران توافق على الشرط في وثيقة جنيف.
وما ان يحصل الايرانيون على الدعوة حتى يعلنوا عن موافقتهم بشكل علني. بان هو كوري بربطة عنق، بعيد جدا عن البازار الفارسي للشرق الاوسط. وكان حجر شطرنج بائس جدا في لعبة اكبر منه بعدة ارقام. فما ان دعيت طهران حتى صمتت. وكلما صمتت تبين ان الوعود كانت مكتوبة على الجليد.
وبالتوازي اعلنت المعارضة السورية بانها ستقاطع المؤتمر اذا جاء الايرانيون بهذه الشروط. فغضبت امريكا من الامين العام الذي وقف عند سذاجته، وأوشك على ان يفجر بنفسه المؤتمر قبل ان يبدأ. واجبرته على أن يقوم بعمل مهين على نحو خاص: ان يسحب دعوته. وحتى مقربو الامين العام اعترفوا بانه ادار كل الموضوع بشكل سيء على نحو خاص.
ولكن بالنسبة للايرانيين، عدم الدعوة هي قرصة ناموسة صغيرة. وكان رد طهران ‘انتم الخاسرون’. فعلى اي حال زعماء ايران يسيطرون في دمشق، وبدونهم لا يوجد نظام سوري. وبتكليف منهم أعلن هذا الاسبوع الاسد بان ليس لديه اي نية لترك كرسيه.
الامر الجميل، بالنسبة للايرانيين (مثلما هو للروس ايضا) هو ان الان بات الغرب فجأة يرى النور. فبعد ان ضعفت المعارضة السورية وذابت، بعد الصعود المخيف لكتائب النصرة وباقي المنظمات المتطرفة في سوريا، لم يعد يبدو الاسد خيارا سيئا جدا. حتى قبل سنة كانت امريكا ستأتي الى كل مؤتمر كهذا مع طلب مركزي واحد: الامر الاول هو الالقاء بالاسد.
اما اليوم، بعد بضع عشرات آخرين من القتلى والصور الفظيعة، تقيم امريكا خطا معتدلا اكثر بكثير. فهي تريد أن ترى ‘تسوية’ في سوريا حتى وان كانت لا تزال بان ليس للاسد شرعية.
‘لا يوجد اي سبيل، أي سبيل، يكون فيه شخص قاد افعالا وحشية بحق شعبه ان يحصل مرة اخرى على الشرعية للحكم’، قال جون كيري في بداية المحادثات. ولكن لو قمع الاسد الثوار تماما، لعله كان هناك بعض التنفس للصعداء. وهذا بالطبع لغير الاقتباس.
لقد اصبح الاسد أهون الشرور. قد يكون شرا’ كبيرا، ان لم يكن مجرما ضد الانسانية، ولكن امكانية دولة طالبان سورية تهدد الغرب اكثر.
الصور الفظيعة والتقارير عن الجرائم، تلك الصور التي تمولها قطر ونشرت هذا الاسبوع لم تعد تتسلل عبر الجلد القاسي الذي طوره الغرب بالنسبة لسوريا.
فالفظائع هناك اصبحت عادية، والخطاب اصبح واقعيا، باردا وواعيا جدا. في ضوء القيادة العاجزة والهزيلة للثوار، فان فرضية العمل هي ان من الصعب رؤية حل في سوريا يشطب النظام السوري الحالي. هذا انتصار كبير للايرانيين وهم لا يحتاجون الى الدعوة للمؤتمر كي يستنفدوه.
هذه حرب باردة تجري على مستويين متوازيين ومتداخلين: السعودية ضد ايران، روسيا ضد الولايات المتحدة. سوريا هي ميدان القتال والطرفان، وربما الاربعة، تعبوا. وهم سيقاتلون حتى آخر قطرة دم. للسوريين.
معاريف’ 24/1/2014