بغداد… نيويورك وألم التشبيه

حجم الخط
1

كثيراً ما شُبهَت بغداد في القرن الثالث الهجري بنيويورك المعاصرة، من قبل مستشرقين على وجه الخصوص. على أن الإعجاب بالتشبيه قد يعكس أزمتين: الأولى معروفة، وهي حاجة المغلوب في زمن انحطاطه الحضاري إلى نقطة مرجعية ما، إلى تاريخ أفضل يحفظ له ما تبقى من ماء وجهه. والثانية إشكالية بحق: أن الجهل بالتاريخ العربي في عصوره الذهبية ليس جهلاً معرفياً فقط، بل هو جهل تخييلي؛ أي إن صورة مجتمع متفجر في الفكر والإبداع رغم واقع النزاع السياسي والاستبداد أحياناً كثيرة، متعدد الأعراق والمعتقدات، منفتح على مستوى الحرية الشخصية إلى حد كبير بمعايير زمانه، إلى كل ما يضج به كتاب الأغاني للأصفهاني (أصفهاني المولد بغدادي المنشأ) من إيقاع حياتي صاخب سمح للفلسفة والجدل وعلم الكلام والترجمة والعلوم والآداب والصناعات بالازدهار، إلى جانب الموسيقى والغناء واللهو والشراب والجنس، هي صورة لشدة غيابها في المخيلة تحتاج تشبيهاً لكي تُدرك، تشبيها لها بمدينة كوزموبوليتانية معاصرة تحمل الكثير من صفات بغداد في قرون الازدهار، في الجانبين المعرفي والاجتماعي تحديداً، رغم الاختلاف الواضح المتعلق بتطور مفهوم الدولة وتبعاتها كالتداول المنظم للسلطة – إلى حد لا يمكن محاكمة أي حقبة ماضية على أساسه احتراما لحركة التاريخ.
في ‘تاريخ بغداد’ للخطيب البغدادي خبران يستفزان الخيال: ‘(…) سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: قالَ لي مُحَمد بن إدريس: يا يونس دخلت بغداد؟ قلت: لا.
قَالَ: يا يونس ما رأيتَ الدنيا، ولا رأيتَ الناس’.
‘(…) حَدثَنَا عَبْدُ الواحد بْن غياث، قَالَ: أرسل إلي سعيد بن سلم، ببغداد فأتيته، فقال: حَدثَنِي يزيد بن مزيد، أنه كان يسامر الرشيد، فقال له: يا أعرابي، هل لك في هذه السكة دار؟ قَالَ: قلت: لا.
قَالَ : اتخذ فيها دارا فإنها سكة الدنيا’.
من يقدر أن يتخيل مركزاً للدنيا والناس، كان ينطق بالعربية، وكانت العربية حينها تنطق بالتعدد والفكر والانفتاح. من يقدر الآن أن يتصورها، خاصة بعد الإساءات المتتالية في حق صورتها في الخيال، من طريق جملة المسلسلات ‘التاريخية’ بطيئة الإيقاع، سيئة النص والإخراج، المصرة على التركيز على الجانب السياسي أبداً، وعلى احترام قيم المجتمع العربي الإسلامي ‘المحافظ’ في الوقت المعاصر، المستسلمة لنفس الخوف السلطوي على المخيلة من الحقيقة، الخائنة للزخم الذي في كتب الأدب والتاريخ، خيانة تدفع بالخيال للفظها سريعاً ليبقى يحاول تكوين الصورة من الكلمات: ‘يا يونس ما رأيتَ الدنيا، ولا رأيتَ الناس’.
قبل عام من بداية القرن الثالث الهجري، توفي أبو نواس، لو أنه عاش اليوم، لما احتملته بغداد أو أخواتها، بل لما احتملته اللغة العربية، بقدر ما تحتمل نيويورك ‘إباحيات’ كثيرة وتميز بين وظائفها حسب السياق. لو عاد اليوم، لرأى مدناً عربية كاملة ما تزال تحرم نصوصه، ولرأى في نيويورك ما كان يراه في بغداد. سيسهل على من يقرأ هذي السطور التداعي الساذج السريع؛ فيقول إن أمريكا هي التي دمرت بغداد. لا: بغداد قد دُمرت من قبل أن تصبح نيويورك سكة الدنيا. دمرها، كما دمر برجي نيويورك ومن قصفوا بغداد: من لم يقرؤوا الجاحظ، سيد القرن الثالث الهجري، كما لم يقرؤوا الكِندي أو همنغواي أو فوكنر أو مارك توين.
‘دَع عنكَ لومي فإن اللوم إغراءُ / وداوني بالتي كانت هي الداءُ’. الداء والدواء هو ما كان في دنيا عربية سمحت باحتمال علني لما في البيتين اللذين يليان البيت الشهير: ‘صفراءُ لا تنزِلُ الأحزانُ ساحتَها/ لو مسها حَجرٌ مستهُ سراءُ … من كف ذاتِ حِرٍ في زي ذي ذَكرٍ/ لها مُحِبان: لوطي وزناءُ’
لقد ربط إخوان الصفا بين عشق الغلمان وبين الحضارات الشغوفة بالعلوم والأدب والصنائع والرياضيات، وهو ربط يستحضر العلاقة التي حاول فوكو كشف أسرار وجودها في ‘تاريخ الجنسانية’. ولا يحتاج الأمر ثقافة كبيرة لإدراك التشابه بين النظرة والممارسة العربية الكلاسيكية والإغريقية لتفاصيل كهذه، وهو تشابه وضحه خالد الرويغب في كتابه عن تاريخ المثلية في الإسلام. المهم هو المشترك الأكبر من ذلك: أعني حرية الفكر وإنتاجه فعلاً في موازاة (أو وصولاً إلى) حرية اجتماعية كبيرة، وهو حال نيويورك اليوم. لم يكن مجون أبي نواس محض مجون بعيد عن الإبداع، بل كان ممارسة لأقصى ما في الجسد والحياة بطاقة هائلة من غير غياب للفكر. في موازاة ذلك في القرن الثالث، كان الجاحظ يمارس أقصى ما يمكن لفرد واحد أن يفعله بطاقاته الذهنية، كما كان الكندي يمارس ذلك لتبدأ فلسفة إغريقية – عربية جديدة أفضت بعد قرون إلى ابن رشد في الأندلس. هذا ما كانت تسمح به بغداد، سكة الدنيا، وهو ما تسمح به نيويورك اليوم: الحد الأعلى من الحرية الفردية من غير غياب لقانون اجتماعي ما، ومن غير غياب للحد الأعلى الممكن من البحث والتفكير، في مساحة فيها من التعدد ما يجعلها تضج بالمناظرات حول المعتقدات المختلفة، بلا قداسات كثيرة وبلا خوف مرضي يقتل الإبداع. ويكفي لتكوين الصورة الموازية لنيويورك في هذا الجانب نموذج حنين بن إسحاق، الطبيب المترجم المسيحي الذي درس الطب في بغداد وكان يتحرك بين ثقافات ثلاث: عربية وفارسية وبيزنطية، في رده على ابن المنجم، صديقه الذي نصحه بالإسلام محتجا له بآية قرآنية. كان رد حنين عليه رداً يكشف عن حقيقة دنيا الأفكار في زمن بغداد، إذ يكشف عن إدراك عميق لأزمة المفهوم والمنطق كمدخل للحوار: ‘وعجبتُ أيضاً من القول الذي زعمتَ أنه برهان علي. وأنت تعلم أن البرهان لا يكون على أحد إلا من إقراره. وأنا، فلم أقر لك ذلك قط، أن الكتاب الذي جاء به صاحبك حق. ولا شيء مما وصفته فيه على ما حُكي. فكيف يجوز لك أن تحتج علي بما لم أقر به عندك؟’؛ ‘ولكن هذا (…) يدلني على أنك لم تقرأ كتاب البرهان (لأرسطو)، وإن كنت قد قرأته، فلم تستقصِ فهمه لنفسك’.
كثيرة هي النصوص التي سخرت من الجهل وادعاء المعرفة، وتكفي كمثال سخرية الجاحظ في التربيع والتدوير ممن ‘كان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإبانة عنها على قدر غباوته عنها’؛ ممن ‘يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها’؛ وممن ‘لا ينطق عن فكر ويثق بأول خاطر’. ربما بحثاً عن جهل أقل، كان اللجوء العلــمي والفكري والفني هو إلى بغداد قبل أي مكان آخر، لتصب فيها طاقات بشر جاؤوا من كل مكان. الجاحظ لم يولد ببغداد وقد لا يكون ذا أصل عربي أصلاً، كما لم يولد إدوارد سعيد في نيويورك ولم يكن أمريكياً في الأصل.
إن نيويورك تعني في مخيلة معظم الناس اليوم انفتاحاً وتعدداً وضجيجاً أكثر مما تعنيه علماً وفكراً. على أن العلاقة التي تستحق التفكير هي تلك التي بين الانفتاح الفكري ومقابله الاجتماعي الذي لا ينفصل عن أسئلة المعرفة والذائقة والسياسة والجمال. في الزمن العربي الحاضر هناك ما يوهم بالـ’انفتاح’ والـ’تعدد’؛ إذ هناك مؤديات نصف عاريات وابتذال لا ينتهي على الفضائيات، وهناك في المقابل قنوات دينية تجتر نفس الأفكار المهينة للعقل والإنسان، ولا بد أن هناك علاقة ما بين الظاهرتين: بــين نمــــط أيديولــــوجي سائد مغلق في التفكير، وبين فهم مبتذل للحرية والانفتاح محصور في الجانب البدائي من الجنس، وهـــي علاقة تبدو واضحة ولو صعب الكشف عنها وشرحها. من وجهة نظـــري لا يختلف أكثر ‘الفن’ ارتكازاً إلى الغرائزية وانعداماً للذائقة عن أكثر التدين تعصباً ولو بدا الأول ‘منفتحاً’ والآخر ‘منغلقاً’، فكلاهما، فكريا، ابتذال قادنا إلى الموقع الذي نستحقه بجدارة من السلم الحضاري. كلاهما ينطلق من حرص مسبق على عفة الدماغ، وإذا كان الفــهم السائد يطلــق على الحالة الأولى أحكاماً أخلاقية سلبية كالـ’انحلال’ بسبب الإباحية، فإني لا أرى انحلالاً وقلة أخـــلاق أكبر من غياب التفكير، الغياب الحاضر في الحالتين، وإن أوهم بعكــــس ذلك ســتر الأجساد أو تعريها. وحسب هذا المنطق تكون عندي خمارة البلد التي في شعر أبي نواس أكثر أخلاقية من كثير من دروس الدين المعاصرة، كما تكون عندي حلقة درس في جامع ببغداد القديمة أكثر تحرراً بكثير من حفلة لنصف مطربة نصف عارية في الوقت المعاصر.
لقد ذكر العروي أن ‘تجربة المجتمع الإسلامي في مجال حرية الفرد أوسع بكثير مما يشير نظام الدولة الإسلامي’، على أن الأمثلة التي ساقها لا تكفي لتكوين الصورة في الخيال، ولا تربط بين الجانبين الفكري والاجتماعي لتوضيح ما قاد إلى هذا الاتساع. لقد عرفت بغداد القديمة مجالس اللهو والطرب والحانات والجواري والغلمان والقيان، لكن حتى الجارية لم تكن نموذجاً للغباء أو الانغلاق الفكري، وهناك الكثير حول هذه التفاصيل في أعمال فاطمة المرنيسي مثلاً. في مجتمعات أقل كبتاً من حيث حرية الفكر والجسد يقل اختزال الجمال بالجنس، والمعرفة بوجه واحد من الدين. ويبدو أن أفكارنا المغلوطة عن معنى الانفتاح والانغلاق سببها غياب ما جعل بغداد مركز الدنيا، وهي مساحة الفكر واحترام المعرفة، التي في نيويورك اليوم لا في بغداد.
أما المضحك فهو الدفاع المفلس ضد هذه الحقيقة باختزال أمريكا بالاستعمار والانحلال الأخلاقي، وكأننا ما استعمرنا بلاداً يوماً ولا عرفنا انحلالاً، وكأننا لسنا اليوم أقل أخلاقاً لأننا أقل تفكيراً، حد أن معظم صفات الأخلاق اختزلت بممارسات الجسد، جسد المرأة تحديداً. لقد فُك ارتباط الجنس (باستثناء الاعتداء) بالأخلاق في حضارات أدركت سخافة المسألة، وأصبحت قادرة على التمييز بين ما هو محض غريزي وبين ما له قيمة معرفية أو فنية أو حتى أخلاقية. في مكتبات نيويورك وأخواتها هناك قسم للأدب الإيروسي، وغاياته معروفة، وبين سواه من الأدب، والأمر نفسه ينطبق على غير الأدب مما يعرض للمجتمع. هناك ثقافة ترفيهية بل مبتذلة أحياناً لمن يرغب، وهناك ملاذات دينية لمن يرغب، وهناك في المقابل أفكار لا تنقصها حرية لكي يُذهب بها إلى أقصاها. هناك من يعارض السلطة السياسية بلا رعب وأثمان باهظة، وهناك من يعارض الفكر الديني وهناك من يسخر ويضحك ويستمتع ويلهو بلا رعب أيضاً. هناك، لا هنا، من يفهم فكرة الجاحظ في مطلع ‘مفاخرة الجواري والغلمان’ عن كون السخافة صنفاً من أصناف العلوم لا بد منه كما لا بد من الجد والجزالة، وهناك من يفهم الحاجة إلى سخرية أبي نواس من اللطم على الأطلال كما في هذا المقال: ‘قل لمن يبكي على رسمٍ دَرَسْ/ واقفاً، ما ضر لو كانَ جَلسْ؟’ هناك باختصار ما يكفي من الحرية لكي تكون نيويورك هي بغداد الجديدة. قد يحمل التشبيه الكثير من المثالية والانتقاء الرومانسي لأفضل ما في المدينتين، لكن احتماله لشيء كثير من الحقيقة مؤلم عند من تُتعِبه حاجته (رغم قرب بغداد الشديد من جلده ولسانه والوريد) إلى ساعات طويلة بالطائرة لكي يرى الدنيا والناس، بل لكي يرى أفضل ما في نفسه التي يغربها عنه الكبت، والجهل، والخوف، والحنين الأبدي إلى أقاصي الأشياء: إلى ما ليس أقل استفزازاً واستنزافاً للعقل من عبقرية الجاحظ، وللروح من صلاة الحلاج، وللجسد من كأس أبي نواس، وللخيال مما يحاكي الصورة القديمة لبغداد: يا يونس ما رأيتَ الدنيا، ولا رأيتَ الناس.

‘ كاتبة أردنية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية