كيف يستقيم حوار… من طرف واحد!

حجم الخط
0

في مصر الآن نحن أمام مشهد سيريالي يفوق أي تخيل أو منطق، أمام مشهد عبثي الملامح باهت الالوان، أصبحنا نعيش حالة نادرة في غرابتها واكاد أجزم اننا لم نعش مثلها أو أنها لم تمر علينا بهذا الشكل في ماضينا، أصبحنا نواجه حالة تباين حاد ليس فقط في الآراء والمعتقدات ولكن في صميم مشاعرنا الانسانية، أصبحنا لا نفرح سوياً ولا نغضب سوياً لنفس الاسباب العامة، أتذكر إني عاصرت أزماناً كانت حالة وفاة واحدة في شارعنا تفرض حداداً ليس في شارعنا فقط بل تمتد إلى الشوارع المجاورة وتلغي أي مظاهر احتفالية كان مقررا لها مراعاة لحزن الآخرين، اليوم صار المشهد مختلفا وأصبحت مشاطرة الآخر مصائبه وآلامه رهناً بهويته وعقيدته السياسية، وناهيك عن المشاركة الفعلية في الأحزان او عدم الاكتراث بها الآن اصبح حول هذا الآخر وفي دائرة حياته من يفرح في آلامه وأحزانه.
من الطبيعي ان أي اختلاف في الرؤى (حاداً كان أو بسيطاً ) قد يسفر عن علاقات غير طبيعية لا تحمل عادة كل مظاهر الود والحميمية، لكن اختلافنا الآن أوصلنا لحالة من الكراهية الجماعية الذاتية والتي أرتفع مستواها لحد لم نعهد مثله على امتداد تاريخي طويل، اصبح بيننا من ينكر حقائق ثابتة وواضحة لأسباب كثيرة ليست لها علاقة محددة بالحقيقة نفسها، اصبحت حكايات القتل والضرب والاعتقال بل وهتك العرض لا يهتز لها جفن طالما اصابت هذا الآخر ووقعت في معسكر انصاره، حتى لو كان هذا الآخر مفردات تكوينه الاساسية هي الصديق والجار وبعضهم من اسرة واحدة، لكنه تحول في نظر البعض منذ أن صدر بحقه مؤخراً فرمان من الحاكم يضعه في قائمة شعب آخر.
العنف الذي صار سمةٌ وتعريفا لهذا العصر عناصره باتت معروفة ولكنهم يغضون الطرف عنها لأنها تخدم مصالحهم. أهم عناصر هذا العنف المستحدث هو الخطاب التحريضي الذي يبثه إعلامنا ليل نهار لخلق مساحة أكبر من الكراهية، وثانياً الأيادي الرسمية المنتشرة والتي تعبث بمصلحة الوطن لتثبت قدرتها التي تآكلت يوم 25 يناير وصارت محل شك، نحن أمام مشهد يفرض نفسه علينا فرضاً حتى نسلم به كأمر واقع. إن كنت لا تصدق اننا امام أمر بالفعل غريب فيكفي أن تعرف إن أبسط القواعد لحل هذا الخلاف هو الحوار ولكن حتى هذا الحوار في ظل ما حدث وما يحدث صار حالياً من رابع المستحيلات وقد يأتي لكن بعد أن نجد الخل الوفي.
كنت أود أن ابدأ عامنا الجديد بجرعة من التفاؤل لكن المشهد الحالي لم يعد ينفع معه إلا المصارحة… عموماً كل عام وانتم بخير.
حسن بيومي
كاتب وباحث مصري ـ نيويورك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية