منذ اعوام وانا احاول رصد ظاهرة هي اشبه بجملة معترضة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي من تجلياتها ما كتبه مثقفون من اليهود عن هذا الصراع، بعد ان اعلنوا العصيان المعرفي على الدوغما الايديولوجية، بحيث اتهمتهم الدوائر الصهيونية المتطرفة بالعقوق، بل أصدر الحاخامات فتاوى بحرمانهم من الدفن في ارض الميعاد كما فعل عوفاديا يوسف مع بورغ قبل ان تطرأ تحولات دراماتيكية على موقف هذا الاخير، والحقيقة ان هذه الظاهرة اشكالية بامتياز وهي ايضا مركّبة بحيث يلحق التعامل الأفقي معها ضررا يطال الاثنين معا …
الكاتب والمكتوب عنه، خصوصا وان بعض المواقف السياسية والاخلاقية لهؤلاء كانت باهظة التكلفة، بدءا من تجربة فيليسيا لانجر في كتابها ‘رأيت بأم عيني’ الذي كُرّس بالصورة لرصد الانتهاكات والتنكيل مرورا بشلومو رايخ صاحب المقولة الشهيرة وهي ان اسرائيل تقفز من نصر الى نصر نحو هزيمتها، وليس انتهاء بيوري افنيري واسرائيل شاحاك وآخرين. ما استوقفني مؤخرا في هذا السياق موقفان احدهما صدر عن ألن غريش الذي كان يرأس تحرير اللوموند ديبلوماتيك، والآخر ما كتبه أفي شلايم دفاعا وتبرئة ثقافية واخلاقية للراحل ادوارد سعيد، واختار في هذا السياق من كتاب الن غريش بعنوان ‘علام نطلق اسم فلسطين’ فصلا مكرسا لنقض اطروحة برنارد ليفي، الذي اقترن اسمه في الاعوام الاخيرة بالحراك العربي، حيث ظهر في بعض الاحيان كما لو انه المنظّر الفلسفي لديناميات ومفاعيل هذا الحراك. عنوان هذا الفصل يتخطى المقاربة، وحتى المقارنة ليذهب الى ما هو أبعد وما هو أقرب الى السخرية المشحونة بأداء نقدي كاشف ان لم نقل انه فاضح.
يشهد الن غريش منذ السطر الاول بأن برنارد ليفي ليس فيكتور هوغو، ليس فقط لاختلاف الزمنين وساحتي الصراع، بل لأن مفهوم هوغو عن الحياد مختلف تماما عن مفهوم ليفي، وما كتبه هوغو هو تأملات عن الانقلاب الذي قام به نابليون الثالث للاستيلاء على الحكم وقد تضمّنها كتاب بعنوان ‘نابليون الصغير’ فإذا كان هوغو يقول بأن احداث 1851 في فرنسا تشعر الكاتب بأن الطبيعة البشرية كلها تنتفض في داخله، واخيرا فإن الانسان الساخط لا يكذب، فما الذي كتبه برنارد ليفي بعد ذلك بأكثر من قرن ونصف وبالتحديد في يناير عام 2009 اثناء اجتياح اسرائيل لغزة ؟ وما قاله نشر في مجلة ‘لوبوان’ الفرنسية تحت عنوان تحرير فلسطين من حماس. ويرى الن غريش ان هذا النص يمكن اعتباره نموذجيا قدر تعلقه بكافة الحجج التي يتذرع بها من يرفضون تطبيق المبادىء العامة، ولكي يعطي غريش بعدا تاريخيا ذا دلالة لموقف ليفي يستشهد بما كتبه هنريش فون الخبير الالماني في علم السياسة عام 1898 يقول : يستحيل القانون الدولي الى مجرد عبارات اذا ما اردنا تطبيقه على الشعوب الهمجية، فمن اجل معاقبة قبيلة زنجية يجب احراق قراها، وما كتبه ليفي لا يخرج عن هذا السياق، لأن تطبيق مبادىء حقوق الانسان حكر على البيض، فقد كتب ليفي بالحرف الواحد : لست خبيرا عسكريا لذا سأحجم عن ابداء رأيي في ان القصف الاسرائيلي كان بامكانه ان يكون ادق استهدافا او اقل حدّة، ثم يضيف : ما من حكومة في العالم غير اسرائيل كانت لتسمح لنفسها بان ترى الاف القنابل تمطر مدنها طوال تلك السنوات. واللافت في هذه المسألة بل مثار العجب هو طول صبر اسرائيل وليس وحشية القصف. هنا يعيدنا غريش الى ما قاله البير كامو عن القتلى الطيبين والقتلى الاشرار او الضحايا المشبوهين والجلادين ذوي الامتيازات، ولأن برنار ليفي ليس فيكتور هوجو بأي مقياس فهو يستطرد واصفا المدينة المدمرة التي زارها بأنها مدينة مهزومة، وهنا يسأله الن غريش ما الذي كان سيصف به بلدة اسبانية مثل جورنيكا التي خلّدها بيكاسو الى الأبد ؟ يقول ليفي ايضا ان ما قيل مرارا عن حصار غزة ليس صحيحا ويعتمد على احصاءات نشرتها ‘نيويورك تايمز’ عن عدد الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء وكل لوازم الحياة التي عبرت الى غزة، ثم يصل الى ذروة الافتراق لا عن هوغو فقط بل عن المنطق وكل ما له صلة بمنظومة القيم الانسانية حين يقول ان المستوطنات الاسرائيلية كانت تستقبل الجرحى الفلسطينيين وتعالجهم.
هكذا يقدم ليفي عنوانا بديلا للصراع العربي الاسرائيلي بحيث يصبح فلسطينيا فقط، وتحرير فلسطين تبعا لهذه المتتالية السوريالية يجب ان يكون من الفلسطينيين انفسهم بحيث ينوبون عن اسرائيل في ابادة بعضهم.
* * * * *
الموقف الاخير الذي يستوقفنا في سياق ما نسميه الجملة السياسية والاخلاقية المعترضة في كتاب الصراع، صدر عن آفي شلايم صاحب كتاب ‘الجدار الحديدي’ الذي اثار سجالا واسعا لدى صدوره قبل زمن لأنه صوّر اسرائيل كما لو انها تقيم داخل ثكنة، وقد تضيق الثكنة لتصبح خوذة، قدّم آفي شلايم في كتابه ‘اسرائيل وفلسطين’ فصلا عن ادوارد سعيد انصف فيه الرجل كمثقف وعازف واخلاقي، وقال انه ليس فقط ناطقا باسم عدالة قضية شعب بل باسم العدالة كلّها، لكن هذا الفصل من الكتاب ينتمي الى نمط من الكتابة التي تفرض على القارىء العودة الى السطر الاول وكأنها دائرية، وبدت لي محاولة انصاف البروفسور سعيد ردا على مقالة نشر في الديلي تلغراف عام 2003 بعنوان ‘افترائي مشحون بالكراهية والتحريض هو ادوارد سعيد استاذ الارهاب’. والشعور بالعداء لادوارد سعيد بدأ يتضح بعد ظهور كتابه ‘الاستشراق’ الذي اثار ردود افعال واسعة ومضادة كان ابرزها ما كتبه برنارد لويس الذي بدت اطروحته كما لو انها مترسبة من الاستشراق الكولونيالي بحيث افسد ذلك البيان المبشر بنهاية الاستشراق الذي اصدره جاك بيرك قبل رحيله، بحيث يصبح الاستشراق محررا من الاستراتيجيات الكلاسيكية التي كانت توظفه من اجل التمدد الامبراطوري، ومن الناحية المنطقية المجردة لا بد من اعادة تعريف الارهاب كي نفهم ما الذي تعنيه ‘الديلي تلغراف’ باستاذه او فيلسوفه او رائده؟
يقول آفي شلايم ان ادوارد سعيد زار فلسطين لأول مرة بعد عام 1947 وهجرة اسرته من القدس عام 1992 ورأى عن كثب ما كان يقرأ عنه او يسمع به من سطوة الاحتلال وتسلطه وقضم المستوطنات التي تنمو سرطانيا للأرض، ومن وجهة نظر الذين سموه استاذ الارهاب كان عليه ان يبارك المشهد الذي صدمه، وان يعتذر للاحتلال عما تبقى خارج الاستيطان، والسؤال هنا ايهما استاذ الارهاب، المنحاز للضحية بل الضحية ذاتها ام من يسوّغ للجلاد مشروعه ؟
* * * * * *
ان المشترك بين موقفي الن غريش وآفي شلايم هو تلك العبارات التي استشهد بها غريش عن الخبير الالماني هنريش فون الذي قال عام 1898 ان المبادىء والحقوق تتيح له ابادة قبيلة زنجية برمتها واحراق قراها، فهذه العبارة امثولة في العنصرية وثقافة الموت والكراهية، وشعار ليفي حول تحرير فلسطين من الفلسطينيين او اي طرف منهم يستلهم هذه الامثولة تماما كما استلهمها بعلم او بدون علم من سمى ادوارد سعيد استاذ الارهاب، فأية حفلة تنكرية هذه التي يراد فيها للضحية ان تعتذر للجلاد وتوزع الاقنعة على الكائنات بحيث يتخفى الذئب تحت قناع الحمل، ويلصق قناع الثعلب على وجه طفل ذبيح !!!
هامش : صدر كتاب الان غريش عن المركز العربي للابحاث وترجمته داليا سعودي، وصدر كتاب آفي شلايم عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وترجمه د. حسين ياغي وبسمة ياغي وقدمه د. محمد شاهين .