عالية الفارسي: ارسم خارج إطار المدرسيّة والقوالب المسبقة
فنانة عُمانية تعشق الطبيعة واللون الأزرقعالية الفارسي: ارسم خارج إطار المدرسيّة والقوالب المسبقةعُمان القدس العربي ـ من أنور بدر: ربما تتميز سلطنة عُمان عن باقي الإمارات العربية بالجغرافيا والتضاريس، بالعمق التاريخي والاجتماعي، لكنها تمتاز فوق كل ذلك بأنها ربما تكون الأولي من حيث الإنتاج الفني والثقافي، وكانت زيارة واحدة للجمعية العُمانية للفنون التشكيلية كافية لتضعنا أمام ثروة من الإنتاج الفني لا تقل أهمية عن الثروة النفطية، خاصة وأنها تسهم علي المدي البعيد في إعادة تشكيل وعي الفرد والمجتمع بذاته وبثقافته. من ضمن البروشورات والمطبوعات التي حصلت عليها من الجمعية، بروشور ضخم لأحد معارض الفنانين الشباب في السلطنة، وقد لفت انتباهي وجود 50 مشاركاً في هذا المعرض بينهم 16 فناناً و34 فنانة، أي أكثر من النصف، واعتقد أنها نسبة حضور متميزة للأنثي في الحركة التشكيلية العُمانية قلّ نظيرها علي مستوي الوطن العربي، إن لم يكن في العالم. وقد شكلت هاجساً لحوارات لاحقة لي مع الفنانات والفنانين العُمانيين الذين التقيتهم. في إطار انشغالي علي الحركة التشكيلية في عُمان، لفت انتباهي حضور هاديء وجميل ومتميز للفنانة عالية الفارسي عضو الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، ومشاركة في كل معرضها المحلية منذ عام 1993، كما أنها موظفة في وزارة التراث والثقافة ولها العديد من المشاركات العربية والدولية. وكان لـ لقدس العربي هذا الحوار: لنتحدث بداية عن الحضور الفني للمرأة في الحركة التشكيلية العُمانية؟ ربما يكون هذا الحضور متميزاً عن باقي دول وإمارات الخليج، لكنه في عُمان لا يبدو شيئاً جديداً، بل هو جزء مكمل لباقي أجزاء اللوحة، فالمرأة العُمانية موجودة في مختلف مجالات الحياة، وفي كل الأنشطة الثقافية والفنية. ربما يكون ذلك بتأثير البنية المجتمعية المنفتحة، وربما يكون لتشجيع الأهل دور في ذلك، وربما لأن مجالات الشباب أوسع في الحياة العامة، لذلك تتجه المرأة نحو هذه الاتجاهات الإبداعية، بالنسبة لي كان لكل العوامل السابقة حضور في تجربتي، إضافة لتشجيع زوجي المستمر لي، بل ومشاركته في هذه التجربة من خلال ملاحظاته الذكية ورؤيته الحساسة. دعينا نعود إلي بداياتك الشخصية، اهتمامك بالرسم؟ كأغلب الأطفال كنت أرسم منذ صغري، لكن أول من أبدي إعجابه برسوماتي الصغيرة كانت مدرّسة العلوم حين طلبت إلينا أن نرسم سفينة، وما زلت أذكر تشجيعها الجميل حتي هذه اللحظة، ثم كان الدور الآخر لمدرّسة الرسم، التي لفتت انتباهي إلي أهمية وجمالية رسوماتي. أما في المرحلة الإعدادية فكان الفضل الأول لوالدي الذي شجعني كثيراً، وأحضر لي مجموعة كبيرة من الألوان والكنـفس كي أمارس هوايتي في الرسم. لماذا لم تتابعي دراسة الرسم رغم هذا التشجيع؟ في تلك المرحلة لم أفكر في الموضوع أكثر من كونه هواية، كانت تسرقني من كتبي ودفاتري التي امتلأت رسوماً أثناء القراءة. بعد الدراسة الثانوية توظفت، ثم أكملت دراستي المسائية في الجامعة قسم إدارة أعمال، وسافرت إلي الخارج سنة دراسية للحصول علي الماجستير في إدارة الأعمال. بينما اكتفيت من الرسم بدورات وورش عمل في الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية، وتابعت ورشة في إيران، وكنت أتابع كل المعارض تقريباً. أول معرض شاركت به؟ أول مرة عرضت لوحاتي كانت في المدرسة، لكن أول معرض اختصاصي شاركت فيه كان عام 1993 في الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية وأقيم في فندق الإنتركونتننتال . من خلال هذه الأعمال التي نراها، نلاحظ طغيان اللونين الأزرق والأصفر بتدرجاتهما؟ هذا صحيح فأنا اعتبر الأزرق لوني المفضل ليس في الرسم فقط، ولكن في حياتي… ثيابي.. أشيائي الخاصة، وهو لون البحر والسماء، وعندما جربت هذا اللون في الرسم اكتشفت كم هو هاديء ومريح، وكم يحظي بقبول من الجمهور العُماني. أما اللون الأصفر أو البرتقالي فأنا استخدمه كثيراً في رسم البيوت والقري العُمانية، القلاع والحصون، وهو لون الغروب، وأنا لا أميل لاستخدام الألوان كما هي في الطبيعة، خاصة الألوان الباهتة، بل استخدم غالباً ألوانا فاقعة، وهي تمنحني أيضاً ذلك الإحساس بالارتياح. كما لاحظت أن هذه الألوان تحظي بإقبال شديد من قبل السياح الأجانب في عُمان. أي الفنانين ترك أثره في تجربة عالية الفارسي؟ طبعاً عماتي رابحة محمود ونادرة محمود اللواتي تفتحت علي ألوانهما الجميلة وتجاربهما المتميزة، لكنني عموماً لا أقلد أحداً، قد استوحي من بعض التجارب والقراءات إنما ضمن أسلوبيتي الخاصة. يمكن أن نلاحظ أنك لا تتبعين مدرسة بعـينها رغم الميل الظاهر للتعبيرية؟ ما زلت أبحث عن أسلوبي الخاص والذي لم يتبلور بعد، لذلك تجدني كثيرة التجريب، أسمع بعض الملاحظات واحترمها لكنني أرفض الانطواء ضمن أي مدرسة في الرسم، ولا أحب التعامل مع الفن ضمن منظومة قواعد مدرسية، أحب الانطلاق من لحظة إحساسي الأولي مع الشكل أو اللون حتي لو اعتبرها البعض خطأ. وأنا عندما يعجبني أسلوب معيّن في الرسم لا أتواني عن مجاراته دون تقليد، وأعترف أنّ عمتي رابحة كانت أول مدرسة استوحيت منها، لكنني لم أقلدها، فالتعبيرية لديّ أكثر وضوحاً، حاولت الاهتمام أكثر ببعض التفاصيل كالأزياء مثلاً، ربما لأنني لاحظت أنّ جمهورنا العماني لا يميل إلي التجريد كثيراً، لذلك كانت هذه التعبيرية بصفتها جسراً ما بين التجريد والواقعية. هل تمتلكين طقساً خاصاً للرسم؟ أنا لم أتبع الرسم كمدرسة، أخذته كهواية وكتنفيس، وعندما أكون متضايقة لأسباب كثيرة تتعلق بالوظيفة ـ الأسرة…. تخرج لديّ أفضل اللوحات، بينما عندما أدخل مرسمي وأنا مفعمة بالارتياح لا أجد دافع للتعبير عنه، قد أقرأ أو أسمع موسيقي، قد أدخل علي الانترنيت.. لكنني لا أرسم.أشعر ببعض التقصير في متابعة الحركة التشكيلية مؤخراً بسبب الانشغالات الخاصة بالوظيفة والمنزل والأسرة، لذلك كان مرسمي ضمن البيت، وكان الوقت المفضل لدي لممارسة الرسم بعد العاشرة ليلاً، حين ينام الجميع أدخل مرسمي وأتوحد مع ألواني ومشاعري بهدوء، فطقس الرسم الذي أمارسه مسائي أن جاز التعبير. هل تبدأين الرسم انطلاقاً من تصوّر مُسبق، أم أنك تستسلمين للحظة التفاعل مع اللوحة؟ غالباً ما أبدأ الرسم مع اللوحة دون تصور مُسبق، في حالات قليلة احمل تأثيراً خارجياً ومُسبقاً يحدوني للشغل بأسلوب معين أو مع ألوان معينة، لكنها تحمل بصمتي الخاصة، فأنا أحب المناظر كثيراً وعلاقتي بالطبيعة حميمية جداً، لذلك عندما أسافر ضمن عُمان أو خارجها، أخزن في ذاكرتي الكثير من المشاهد واللوحات التي أعيد الاشتغال عليها بطريقتي وأسلوبي المميزين… هل تلجأين للذاكرة البعيدة، أم تفضلين الذاكرة الحديثة والطازجة؟ أفضل الذاكرة الحديثة، وأعتبرها أغني وأكثر تنوعاً. لدينا في عمان تنوع هائل في البيئة والتضاريس، في القلاع والحصون الجميلة التي تجد طريقها لاحقاً إلي لوحاتي بأكثر من صيغة وشكل. متي تعتبرين أنّ اللوحة قد انتهت؟ بعض اللوحات أمضي معها شهورا، قد أتركها ثم أعود إليها ثانية، وفي لوحات أخري أشعر أنها أنجزت في ساعات فقط، دائماً أسأل زوجي وأتقبل ملاحظاته التي تنم عن حس وتذوّق عالي، وفي اللحظة التي أضع توقيعي علي اللوحة، تكون بالضرورة قد انتهت. ما هي مشاركاتك المحلية والخارجية؟ شاركت في كل المعارض السنوية للجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وفي معرض الفنانات التشكيليات، كما شاركت في معرض مشترك بين فنانين عمانيين ولبنانيين. أما مشاركاتي الخارجية فتوزعت في بيناليات القاهرة وبنغلادش وتايبية والشارقة، كما شاركت في المعرض الدوري الخامس لدول مجلس التعاون الخليجي في قطر، وفي الأسبوع الثقافي العماني في بلجيكا من قبل الوزارة، وكذلك معرض الفن العماني في تركيا. وضمن الأسبوع الثقافي الخليجي في تونس، وآخر مشاركة في فرانكفورت ـ ألمانيا الشهر المنصرم. 0