بعد أكثر من عام على الاعتصام في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وما تبعه من اعتصامات في خمس محافظات أخرى، قامت وحدات من الجيش العراقي بأوامر من رئيس الحكومة نوري المالكي بفضه ونقض خيامه وإخلاء ساحاته، من دون مقاومة. وهكذا انتهى عام من الجهد والشقاء والسجال السياسي والتهديدات، بالعودة بخفي حنين، من دون أن يحقق المعتصمون أقل القليل من مطالبهم، ومن دون أن يحظوا بأي سند من خارج محافظاتهم غير المساومات البرلمانية على حسابهم. والمحزن في الأمر، هذه الهشاشة الساطعة في حيثياته، إن من حيث هيكله أو قيادته أو مادته، حيث تبخر في طرفة عين وتشظى إلى ولاءات متعددة متقاتلة، والأخطر دلالة هو الفراغ المتخلف، حيث احتلت أجزاء كبيرة من الرمادي والفلوجة على الخصوص قوات تنظيم القاعدة التي دمرت قوات المالكي قواعدها في الصحراء الغربية، مما ألجأ أبناء العشائر إلى مقاتلتهم، فيما قامت قوات من عشائر أخرى بالتعرض للجيش في مقدمة لفرض الإقليم الغربي وعلى أساس طائفي بحت وفي حرب أهلية دفع العراقيون عشرات آلاف الضحايا لدرئها. ظل الاعتصام منذ بدايته يراوح مكانه، وكشف عن عجز هيكلي وقصور في الرؤية وضعف تكتيكي واستراتيجي على السواء، وتذبذب في المواقف وفي انعدام لروح المبادرة. فقد بدأ بمطالب سياسية تتعلق بإطلاق سراح السجينات وإلغاء المادة الرابعة – إرهاب التي تتخذ حجة لاعتقال أبناء المحافظة، وإنهاء التهميش على أساس طائفي. ومفردة التهميش بحد ذاتها توحي بالإقصاء عن العملية السياسية الطائفية والتقسيمية، وان إنهاءه يعني الاندماج فيها، وواضح أن مبدأ المساواة حق طبيعي محجوب عن مواطني غرب العراق، والمطالبة به تحمل دلالة وطنية وتستدعي التعاطف والتضامن والدعم من خارج المحافظات المعتصمة، لكن ذلك لم يكن مطلب المعتصمين. إلى ذلك، لم يتقدم المعتصمون بأية مطاليب ذات صفة اجتماعية عامة كالخدمات المنعدمة في كل أرجاء البلد، أو توفير فرص العمل أو دعم السلع الاستهلاكية وبطاقات التموين على الخصوص، أو توفير الأمان، وهو الهاجس اليومي لكل العراقيين، وبهذا حصروا مطاليبهم بمنطقتهم. ومن الواقعي ألا تحرك هذه المطالب مواطني الجنوب الذين لا يعانون من التهميش أو اعتقال النساء، في ظل غياب القوى والتنظيمات الوطنية القادرة على التعبئة. أما قيادة الاعتصام فلم توكل إلى أشخاص محددين ذوي صفات واضحة، والبارز فيها غياب الشباب عن مركز القرار، فيما ظل أغلب المتحدثين رجال دين يدعمهم شيوخ العشائر، والواضح أن هؤلاء الشيوخ هم أصحاب التأثير والقرار الأول والأخير، كما أثبت القتال العشائري المتناقض الأهداف ما أن فض الاعتصام. ومن نافل القول ان رجال الدين فئات ليس لهم توصيف غير التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنفوذ المعنوي، ولا يمكن لدورهم أن يكون فعالاً إلا بتبني خطاب الفئات المدنية والدفاع العملي عن الصالح العام، ثم أن الضرر في الخطاب الديني هو أنه لا يمكن من حيث الجوهر إلا أن يكون مذهبياً،. على هذا عجز اعتصام المحافظات الست عن التأثير في غيرها. أما الذي كان يقدم المادة البشرية للاعتصام فهم رجال العشائر، وهناك تبسيط كبير في معالجة هذا الشأن، فمن ناحية أولى، تشكل العشيرة تنظيماً سابقاً للدولة، يقوم على النسب والعصبية، وقد حجمه الإسلام منذ أيامه الأولى، وفي العصر الحديث ألغت ثورة الرابع عشر من تموز/يوليو عام 1958 قانون العشائر وعاملت أبناءها كمواطنين عاديين، وعاقبت الثأر وغسل العار على أنها جرائم عادية. وكما يعلم الجميع، فإن المبدأ العشائري يقوم على مقولة ‘ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً’ والأخ في العشيرة على التحديد هو المظلوم، والعشيرة الأخرى هي الظالم. لكن العشيرة العربية غرب العراق تقوم على اقتصاد الرعي أو الزراعة المحدودة، خاصة على الشريط الضيق المحاذي للصحراء على امتداد أعالي الفرات، وهذا الوضع تغير مع الدولة الحديثة، حيث تكونت إلى جانب الفلاحين الرعاة طبقة وسطى متعلمة وطبقة عاملة ناشئة، ثم فئة الطلاب العريضة غير ذات الانتماء الطبقي لكنها ذات نزوع ثوري راديكالي، إضافة إلى أن الشيخ حامل شهادة الدكتوراه أو رتبة الفريق الركن ورث الشيخ الأمي في رئاسة القبيلة أو العشيرة والوفاء بكرمه والتزاماته. ولأن المواطن المنتمي لعشيرة هو عضو في مجتمع مدني حديث، فإن التزاماته نحو عشيرته يحدها وضعه كموظف مسؤول لا يستطيع ترك وظيفته للوفاء بالتزام عشائري (يشبه هذا وضع الجنوبي في مواكب العزاء الحسينية)، ثم عمله خارج منطقة نفوذ عشيرته ( وهذه المنطقة انتفت عملياً مع التقدم المدني)، وهذا ينطبق على العامل والطالب وغيرهما. بقي أن بروز العشيرة بهذه القوة بعد زوال نفوذها هو تفتت الدولة الحامية إثر الغزو، وانكفاء المواطنين إلى خط الدفاع الذاتي الذي توفره العشيرة، التي أعاد الاعتبار لها صدام حسين في محاولاته العقيمة لبناء جبهة داخلية استناداً إلى عقليته العشائرية ذات الأصول الرعوية الفلاحية. هذا يعني أن الوازع العشائري هو سياق آني محكوم بظرف طارئ خارج السياق التاريخي وعاجز من حيث المبدأ عن القيام بمهام مدنية وسياسية بهذا الحجم، إلا على صعيد الإسناد والتعبئة في ظروف يطغى عليها العامل الوجداني. لكن هذا العامل الوجداني المتعصب الذي لم يعد قادراً على الوفاء بنبل العشيرة القديم، ظل قادراً على مبدأ الغنيمة المتجذر في الروح القبلية، الذي أذكاه انهيار الدولة المدنية، وهذا يفسر تذبذب قبائل غرب العراق بين احتضان فصائل مقاومة الغزو، وتشكيل قوات الصحوة، والانخراط في العملية السياسية، ودعم الاعتصام، ثم القتال ضد القاعدة، ومع المالكي وضده. طوال عام كامل ظل المعتصمون بعيدين عن اللهجة الطائفية، واستمروا في دعوة مواطنيهم في محافظات الجنوب والفرات الأوسط لمؤازرتهم، غير أن جهودهم لم تتعد اجتماعات رؤساء العشائر وتبادل المجاملات وإلقاء الكلمات العمومية عن المواطنة ورفض الطائفية والتقسيم، من دون إجراء عملي ملموس. لقد كان من الممكن التحرك لإقامة أي نوع من التعاون الملزم مع التيار الصدري حتى على المستوى التكتيكي، خاصة مع تأكيد رئيسه مقتدى الصدر على حقوق المعتصمين وإدانته للمالكي وتحذيره من التقسيم، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. وعلى المستوى الإقليمي، لم ينجح مواطنو خمس محافظات في جلب اهتمام الإعلام ووضع قضيتهم في الصدارة من الاهتمام إلى جانب نشاطات أشـــد تأثيراً وجدوى في سوريا ومصر واليمن وتونس، إضافة لفلسطين ولبنان. من جانب آخر تملأ فئة تصف نفســها باليسار صفحات مواقعها على الشبكة الالكترونية بمناقشة أفكار القرن الثامن عشر، أو تأليه هذا الكاتب أو ذاك الشاعر، أو تبني خطاب المحتل في نصح هذا المذهب أو تحذير ذاك، بينما يطلق دعاة الديمقــــراطية الدعوات (لغيرهم) من أجل عملية ديمقراطية بدل المحاصصة الطائفــــية، وبناء عراق آخر غير العراق القسري الذي أنشأه البريطانيون، فيما بلــــدهم يغوص في دمه ويحترق بناره. فمن يلوم المعتصمين على تواضع أدواتهم؟ لقد أدى فض اعتصام الرمادي إلى سيطرة القاعدة على أجزاء مهمة من هذه المدينة ومن مدينة الفلوجة، مما وفر الفرصة للنظام لقصف المدينتين والتهديد باجتياحهما، فانقسمت العشائر إلى مقاتلين لطرد القاعدة من أحياء مدنهم وهم بذلك يخدمون المالكي، ومن مقاتلين يهددون الجيش بمقاومته. أما الخطير في الأمر فعلاً فهو ما أعلنته محافظة واسط من فتح مراكز تطوع لقتال القاعدة، أي الحرب الأهلية بين المذهبين بالخط العريض. يزيد الأمر سوءا دعوات كتاب عراقيين للمقاومة المسلحة بالشروط والقيادات الحالية، والأسوأ دعم هيئة علماء المسلمين لجيش عشائر الأنبار المناهض للحكومة من أجل تحرير العراق. عندما انقلب الجيش على سلطة الاخوان المسلمين المنتخبة في مصر، انطلقت المظاهرات ولا تزال بصورة سلمية، ومهما زاد الانقلابيون من اضطهاد المناهضين وتقتيلهم واعتقالهم، فهم مصرون على سلميتهم ورفض منطق الانقلاب لأنهم واعون أن المطالبة بالديمقراطية تكون بطرق ديمقراطية، وهم يكسبون الآلاف من المتعاطفين حتى من المعارضين للاخوان وحكمهم. أما في الانبار، فقد هدد البعض بالمسير إلى العاصمة وتمكن العقلاء من كبحهم أكثر من مرة، وقد تحدث البعض بالرفض القاطع للطائفية، فيما تحدث الآخر عن المظلومية المذهبية بنفس منطق خصومهم في العملية السياسية، وها أن الاعتصام يتمخض عن تشرذم المعتصمين وانفتاح الطريق للحرب الأهلية، وتزويد الولايات المتحدة المالكي بطائرات من دون طيار وسمتيات أباتشي، ودعم مجلس الأمن لعملياته المسلحة ضد الإرهاب (كالعادة) وهي مقدمات الولاية الثالثة له بعد كل ما فعله بالعراق وشعبه من تدمير. لكن الشعب العراقي يصر إصراراً غريباً على رفض الاقتتال الطائفي، وهو لذلك جدير بالاعجاب والفخر، والفرد العراقي يعبر بكل تلقائية عن مصادرة حقوقه كمواطن لا كفرد في هذه العشيرة أو هذا المذهب، ونحن نراه يشكو على شاشات الفضائيات بتساؤل: ألست عراقياً؟ لكن هذا وحده ليس كافياً لأن الخطر يحيق بالبلد من كل جانب والأعداء يتكالبون عليه. لم ينته الأمر ولم يقتتل العراقيون، غير أن العشيرة والمذهب لن يحررا البلد، ويجب الاعتراف بأن دعاة الإقليم قد اكتسبوا قوة وتأثيراً، لن يتجاوزها غير الاعتصام من أجل نسف العملية السياسية برمتها، أي في مختلف المدن العراقية وباشتراك جميع المذاهب والاثنيات، والفرصة سانحة لتصعيد الاعتصام السلمي نفسه، وتفعيل جهود الشباب قادة مظاهرات العامين الماضيين في العاصمة والمدن الرئيسية، والاستعانة بالطبقة الوسطى والتقنيين والعمال والطلاب، والخروج بمطاليب اجتماعية سياسية اقتصادية تنسف العملية السياسية من أصلها، حينها سيواجهها النظام بأسلحته ذاتها، وسيكون أي نوع من الرد هو رد الشعب العراقي بأجمعه على أعدائه وجلاديه.