جون ماري جوستاف لوكليزيو: الكتابة عن المهمشين
جون ـ كزافيي ريدون ترجمة وتقديم:إدريس الخضراويجون ماري جوستاف لوكليزيو: الكتابة عن المهمشينمنذ أن كتب جان ماري لوكليزيو ((J.M.Le Cl‚zio روايته: المحضر ((Le Procٹs-verbal التي نال بها جائزة غونودو سنة 1963، وهو يلفت الأنظار إليه باعتباره كاتبا طليعيا، يصدر عن تجربة بالغة الحيوية والقدرة علي التجدد. تتميز الكتابة عنده بالتباس خصب يتولد من التحام التخييل بفضاءات متنوعة ومميزة، وأساطير ومحكيات يستمدها الكاتب من أسفاره وترحالاته عبر العالم. وقد أشار النقاد في معرض تناولهم للتجربة السردية لـ لوكليزيو، إلي صعوبة وضعه ضمن تيار أو مذهب معين في الكتابة. فهو يبدو كما لو أنه يختط لنفسه مسارا مميزا، قد يغري ببساطته، لكنه سرعان ما يتكشف للقارئ عن عمق عصي علي السبر. ولأن لوكليزيو يستدمج في نصوصه أكثر من تقنية: من الروبورتاج إلي المعاينة الشخصية، والتحليل الإثنوغرافي، فإن تجربته تبدو كما لو أنها شهادة علي ما يتهدد الإنسان من انسحاق ونسيان في عالم تغلب عليه الرؤية الأحادية التي لا تدرك سوي نفسها. لهذا نجد نصوص لوكليزيو تتصدي باقتدار مدهش لتيمات متنوعة كـ الجنون والطفولة والترحال والغربة وتجربة الاقتلاع من الجذور التي يتعرض لها المهاجرون في مناطق مختلفة من العالم. والحق أن لوكليزيو اكتسب شهرة واسعة من خلال طريقته اللماحة في التعامل مع هذه التيمات الصعبة، حيث تكشف النصوص عن بيانية تكسبها تألقا جليا وقوة تكلمية ((Force illocutoire من هذا المنطلق يأخذ الأدب عند لوكليزيو روحا مقاومة وجدالية، فهو لا يكف عن التصدي للوعي الثقافي والسياسي المسكون بالهيمنة، ساعيا إلي تأزيم الحداثة التي تعمل علي تسريبه، كاشفا محدودية رؤيتها وأنساقها التقويمية. ومن أعماله التي حظيت باستقبال واسع في أوساط القراء ،يمكن أن نذكر: كتاب الهروب، السمكة الذهبية، الحجر الصحي، الحُمٌي، الصحراء، العمالقة، الباحث عن الذهب، الربيع وفصول أخري.. بالإضافة إلي كتاب: الحلم المكسيكي…وهذه الدراسة التي نقدم ترجمتها، والتي أنجزها الناقد جون كزافيي ريدون (Jean-Xavier Ridon) وهو أستاذ بجامعة نوثينكهام، إنما تكتسي أهميتها من كونها تضيء جوانب مختلفة من تجربة لوكليزيو المميزة، وهي تكتب معاناة المهمشين والمنسيين في عالم يدعي الحداثة ويعد بأحلام لا وجود لها. ولوكليزيو لا يلامس هذه الحداثة في المدن التي ينسحق الإنسان وسط ضجيجها، وإنما يكتشفها في المغايرة والتميز والاختلاف، وفي أصوات الحضارات القادمة من بعيد والتي تجهد الحداثة في إقبارها وإسكاتها. لذلك نجده في نصوصه لا يتورع عن دعوتنا مليا إلي التفكير في السبل التي تتيح لنا، ليس فقط، استعادة هذه الحضارات وإنما كذلك الإنصات لما فيها من أصالة وجمال وعمق. هكذا تغدو الرواية عند لوكليزيو شكلا من البحث الذي يستقصي دون هوادة ذاكرة منسية. والكاتب حين يشخصها يجعلنا نتذوق معه من جديد سحر الأمكنة التي احتضنت جزءا من تاريخه الشخصي. وجدير بالذكر أن لوكليزيو كاتب يجسد في أعماله العلاقة الوطيدة بين الأدب والحياة، وكأننا به لا يتصور الأجناس الأدبية إلا بوصفها مقولة للتصنيف فقط، حيث النصوص، ومهما اختلفت أجناسها، يمكن أن تقرأ في المقام الأول باعتبارها سيرة للذات في رحلتها الصعبة بحثا عما تريد أن تكونه. إنه مثل الرسام الذي أبدع عبر مسار طويل كثيرا من اللوحات التي تعرض لوجوه وأمكنة ومناظر مختلفة: رمال وجبال وأودية ومدن، ليكتشف في الأخير أنه لم يرسم في الواقع سوي صورته. ذلك هو جون ماري لوكليزيو.. الكاتب المتعدد الذي يستولد من الهامش جمالا يفضح قبح الحضارة الغربية ومركزيتها. نص الترجمةتحتفي كتب الروائي جون ماري لوكليزيو بكثير من الأصوات التي تخالها مقصية من دائرة الحــداثة. في هـذه الكتب نكتشف مؤشرات عديدة تضيء ذلك الاختلال في مفهوم الهوية الجماعية الذي يجعل من الفرد الشاب والمنتج نموذجا كونيا للوجود والتحقق. يستثمر لوكليزيو هذا الجزء المهمش من تاريخنا حيث الهويات التي تمثل أقلية مدعوة لأن تصمت. فمنذ حضارة الهنود الحمر التي نقل إلينا كلامها الأخير في كتابه: la relation de michoan حتــي هـــذه الشخصيات المتخيلة كـ ليلي في روايته الأخيرة السمكة الذهبية Poion d’o والمنتمية إلي هذه الشريـحة من المهاجرين ،فإن الكتابة عند لوكليزيو تتطلع إلي تمزيق هذه المظاهر من الصمت. وبعيدا عن اعتبار اهتمام لوكليزيو بالمهمشين، نوعا من التوجه إلي التعبير عن المظاهر الأكثر إثارة للعطف في الحياة الاجتماعية، فإن حضور هذه الكائنات يعني بالنسبة له بحثا عن التميز وحاجة ملحة للانفتاح. واستنادا إلي هذا الجنوح إلي اللقاء بالآخر، والإنصات إلي مختلف أشكال التفاعل والتواصل ، ينبغي أن نفكر في الخطوة التي يقدم عليها لوكليزيو. ولذلك نجد منذ البداية في أعماله، هذا الإلحاح علي العبور، حيث تذهب نظرة الكاتب باتجاه موضع آخر. ذلك الموضع الذي يمكن تحديده باعتباره فضاء جغرافيا. غير أن الكاتب يطرح من خلال ذلك كله، سؤاله حول وضعه بالنسبة للعالم. تلك هي مختلف أشكال الحراك التي تحفل بها أعمال (لوكليزيو). ولا شك أنه بمجرد ما نتمكن من إضاءتها، سنتيح لأنفسنا فهما أعمق لوضع هؤلاء المهمشين في أعمال الكاتب. بداية، من السهل أن نؤكد أننا بإزاء أعمال (لوكليزيو) نعيش سفرا متعددا. فشخصيات إبداعه مأخوذة في شرك حراك جغرافي ينقلها عبر أمكنة مختلفة: أمريكا، أفريقيا، جزيرة موريس ثم فرنسا، بالإضافة إلي فضاءات أخري تنحدر من صلب المتخيل، وتؤدي دورا أساسيا في تشكيل أعماله. وهذه الأشكال من الترحال يمكن أن تكون ناجمة عن إحساس بضرورة ترك هذا الفضاء المعروف لدي الجميع. بهذا المعني فالترحال عند (لوكليزيو) قبل أن يكون فضاء للاكتشاف، فإنه يتأسس علي مبدأ التحرر. يغدو فعل الذهاب أكثر أهمية من الوصول إلي المقصد، تماما كما لو أن الأهمية إنما تكمن بعمق في هذا التنقل وليس في الإقامة في مكان محدد ومعروف. ذلك هو حال هذه الشخصية الغريبة التي يظل اسمها غامضا ومبهما: الشاب هوجان، الذي يبدو في كتاب الهروب ((Le livre des fuites مأخوذا في شرك حراك دائم ومستمر. لقد عبر عن أسباب ذهابه : علي هذا الشكل قرر أن يهرب، غادر بيته صباحا وسار باتجاه شوارع المدينة، حتي وصل إلي ساحة واسعة توجد بها أشجار . إننا هاهنا بعيدون عن السفر كفعل اكتشاف أو تنزه يتقصد مكانا محددا. ذلك أن السبب الوحيد الذي يحدو بالشاب هوجان إلي الذهاب إنما يكمن في هذا الاقتناع الأولي بالذهاب والانطلاق. ولذا نتعقب ظله وهو يتسلل عبر أمكنة متفرقة من العالم. من طوكيو إلي موسكو مرورا بنيويورك. إن ما يبثه إلينا (لوكليزيو) من خلال كل ذلك ،هو هذا الشكل من الهيام والسفر من غير وجهة. ولكنه بالرغم من ذلك ليس بلا دلالة أو معني. والحال أن هذا الهيام يأتي ليخلخل المعايير الموضعية التي نؤسس عليها هوياتنا. وفي كتاب الهروب يغدو مستحيلا التعرف علي مسقط رأس الشاب هوجان. فهذا المكان المثبت في أوراق تعريفنا، يفترض أنه الفضاء الموضوعي لانتمائنا، بيد أن ما يبلوره هذا الهيام ويحققه هو فضاء اللاإنتماء. ذلك الفضاء الذي يشكل خطرا علي كل سلطة كليانية وعلي كل هوية منغلقة وثابتة. فهذا أو تلك اللذان لا يعرف مكان انتسابهما، لا يمكن أن يكونا إلا مهمشين. وهذا الوضع ينطبق علي المشردين (المهاجرين) والأجانب، الذين يموضعون دائما خارج القانون. وبالنسبة لـ لوكلوزيو فنزوح هؤلاء الرحل الذين يؤسسون وجودهم علي مبدأ الحراك، يتسم بكثير من المعني، والدلالة علي الحرية. إنه الوضع الأكثر مثالية للانفلات، بالمقارنة مع هذه الخطابات الآمرة التي تحف بنا من كل جانب. وهو يدعونا إلي أن نتحرر منها في كتابه: العمالقة (Les G‚ants)، عندما يقول : لقد صار الإنسان الموضوع الأوحد للدراسة من قبل الإنسان. تحرروا، كفٌوا عن أن تكونوا موضوعا للدراسة،. فلا أحد يملك هذا الامتياز .إن الترحال بهذا المعني هو حلم بفضاء يمكن أن نتخلص فيه من تحديدات الآخرين وننفلت منهم. لهذا السبب نجد أحيانا كثيرة في هذه النصوص، شخصيات عجائبية، وقد نجد أطفالا لا نعرف عنهم شيئا، كالطفل في كتاب مجهول فوق الأرض والطفل بوجو في كتاب العمالقة أو زبيدة في قصة الزمن لا يمر”، حيث يقول لنا الراوي : لم يسبق لي أبدا أن حدست من أين أتت. كانت قد أخفت كل ملامحها منذ البداية. وكل شيء فيها كان يظهر لي غريبا “. هؤلاء الأطفال يعطون انطباعا بأنهم لا يبرحون أمكنتهم، لكنهم رغم ذلك يشكلون جزءا من بعد الحركة، ذلك البعد الذي عوض أن يكون وثيق الصلة بمفهوم التنقل الجغرافي، فإنه ينبثق من غيابهم الأصلي. وعلي غرار الشاب هوجان، فنحن لا نعرف من أين قدموا. إنهم في حركة دائبة ومستمرة، تحسبهم قد انطلقوا من زمن مبكر. وحيث إنهم لا يرتبطون بمكان مرجعي محدد فهم كما لو أنهم لم يأتوا من أي مكان. جامدون هؤلاء الأطفال، لكن نظراتهم تحمل تحليلا مفصلا لقضايا مدننا الحديثة. علي هذا الشكل يقضي بوجو الأخرس أيامه في موقف السيارات يراقب أقرانه. إن حضوره يجسد موقف مقاومة لهيمنة وسلطة هذه الخطابات التجارية والإشهارية التي تحاصره من كل جانب. تلك الخطابات التي يعتبرها لوكليزيو إحدي مميزات سادة الكلام. يؤدي بوجو دور الأنثروبولوجي عند البدائيين. والحق ليس البدائيون سوي نحن.إن الطفولة المترحلة تمثل بالنسبة لـ لوكلوزيو فضاء أكثر تميزا. فمن خلال المسافة التي تتيحها له، يستطيع أن يبلور تصورا نقديا حول عالمنا. وهذه الشخصيات توجد علي هامش مدننا. فهي لا تشغل فضاء مركزيا يجعلها محط نظر الكل، لكنها تقيم بمنازل مهجورة، وبأمكنة لا يستقر بها أحد. يصعب هنا أن لا نتذكر آدم بولو في المحضر” ،وهي الرواية الأولي التي كتبها لوكليزيو. لقد لجأ إلي فيلا غير مأهولة مؤقتا بإحدي ضواحي مدينة نيس الفرنسية. في هذا النص تتشكل ملامح أول شخصية عند لوكليزيو، وهي تحاول الانفلات من هذا العالم. وشيئا فشيئا تدنو هذه الشخصية من الجنون بوصفه فضاء آخر للتهميش. فبعد صيف من الترحال يجد آدم بولو نفسه في مستشفي المجانين. لقد جرٌب الترحال الإرادي، والآن يوجد في فضاء آخر، حيث يمكنه أن يلتقي ذلك الآخر في ثقافتنا. أقصد الجنون باعتباره الآخر الذي ظل خطاب التحليل النفسي بشروحاته وتحليلاته يلقي عليه ظلالا من الصمت لزمن طويل. إن الترحال هنا يحمل المعني ونقيضه. فإذا كان يمثل الفضاء الأمثل لنمط من الاختلاف ينبثق من الداخل. اختلاف عن ذلك الآخر الذي يسكن فضاءاتنا المعتادة والمألوفة، فإنه أيضا أي الترحال، يمكن أن يقود إلي الضياع وإلي كل أشكال الجنون. إن تنقل شخصيات لوكليزيو عبر أمكنة مختلفة، ليس دائما، نتيجة لقرار يتخذونه بضرورة الهروب والانعتاق من هذا العالم الحميمي والمألوف لديهم.. وغالبا نجد الكاتب لوكليزيو يقوم بابتداع شخوص مرغمة علي الابتعاد عن أرضها الأصلية. فهي ضحية للقوي التاريخية الاقتصادية أو السياسية الحاكمة. ويمثل اغتراب إستر نموذجا في هذا السياق. ولأنها أي إستر، يهودية، فهي مرغمة علي تغيير هويتها، ومن ثم الهروب من فرنسا إلي إيطاليا، من تقدم زحف الجيوش الألمانية، إبان الحرب العالمية الثانية. في هــذه الظــروف ستلتقــي نجمـة وهي شابة فلسطينية، وجدت هي الأخري نفسها مرغمة علي ترك أرضها بعد أن سجنتها إسرائيل بمخيم نور الشمس. إن فعل المنفي بالنسبة لنجمة ينعكس في تجربة ( إستر). ورغم أنهما ينتميان إلي أمتين مختلفتين إلا أن قدرهما يبدو متشابها. وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص الذين يعيشون تجربة المنفي، فإن الحركة التي تحدد وجودهم، يعيشونها كنوع من البين والبعاد عن الفضاء الذي يحدد هويتهم. إنه فضاء ألم وحرقة. ليس التنقل مبدأ للحرية، ولكنه تعبير عن ذلك القدر المحتوم الذي يتجاوز مستطاع الشخصيات عند لوكليزيو. وها هي ليلي التي تتكفل بمهمة السرد في رواية : السمكة الذهبية تستهل القصة بالحديث عن ذلك الاختطاف الأولي الذي تعرضت له منذ زمن مبكر. فتم إبعادها عن ثقافتها الأصلية التي تغذت عليها في جنوب المغرب. تقول ليلي: جئت من الجنوب. من بعيد، وربما من أرض لم توجد بعد. كان عمري سبع سنوات حينما تعرضت للاختطاف. وبالنسبة لي لا شيء كان موجودا من قبل، سوي هذا الطريق المغبر، والطائر الأسود، والحقيبة التي كنت أحملها . هذه الظروف ستجبر ليلي علي اللقاء بهذا السيل من المهاجرين الذين غادروا أوطانهم من أجل أن يعيشوا قدرهم في أوروبا وأمريكا. إن هامشيتها ليست النموذج الأكثر دلالة عن هذا الانفصال عن مسقط الرأس، ولكنها تعبير عن اللامساواة التي حملتها إلي فضاء يرفضها ويستبعدها. يتعلق الأمر بالنسبة لليلي بإيجاد استراتيجيات مقاومة يمكن أن يعتمد عليها ذلك المهاجر غير المتوفر علي أوراق الإقامة، المنذور لأن يعبر الحدود بطريقة غير قانونية، وأن يشتغل في الظل ويجري استغلاله بطريقة بشعة. إن ليلي هي جزء من هؤلاء المهمشين الذين يحفٌون بنا. فنحن لا نعرف عنهم سوي هذه الحقائق والوقائع التي ترغب وسائل الإعلام في تزويدنا بها. ولأن جان ماري لوكليزيو يبلور تخييله، بناء علي وجهات نظر هؤلاء المهاجرين، فإنه يسلط كثيرا من الضوء علي هذا الفضاء الاستبعادي الذي يتواجدون فيه. بحيث يجعله قريبا من قرائه وفي متناولهم. إن ما يكتسي أهمية قصوي ها هنا، ليس هو الترحال الذي تعيشه هذه الشخصيات، وإنما هذا الموقف من خطاب قانوني وأمني يجهد في وضع تحديد معين لـ اللاشرعية والمخالفة. وهذا الموقف من جانب لوكليزيو، المنحاز لهؤلاء المهمشين والمبعدين هو في جانب مهم منه، ينم عن خيار سياسي يتغيا من خلاله التنديد بهذه الأوضاع الإنسانية غير المقبولة، كما يطمح إلي تأسيس حوار حول هذه الوضعية، بحيث ينتشلها من الصمت الذي يحيط بها. وليس عبثا أن يكون كتاب المعذبون في الأرض 2 لـ فرانس فانون، هو المفضل عند ليلي. ففي هذا الكتاب الرائد، يتخذ فانون موقفا من النزعة الاستعمارية ومن الاحتلال الفرنسي للجزائر. هذا الاحتجاج الصارخ واللامشروط علي هذا الشكل من الاستغلال غير المقبول، يعطي لليلي دفعة قوية، ويسندها في كفاحها ونضالها من أجل أن تجترح لنفسها موقعا يلائمها في هذا العالم الذي يرفضها ويقصيها.تغدو قضية الأرض الأصلية بالنسبة لهؤلاء المهاجرين، أساسية ومركزية. فالأمر لا يتعلق بالتخلص من هذا العالم، ولكنه يتصل بمكان دال علي هوية ضائعة ومسلوبة. تلك الهوية التي يرجو هؤلاء الناس معانقتها والعودة إليها. غير أن مسألة الأصل ليست محددة بدقة. إنها فضاء يطفح بغياب ينبغي ملؤه. ولذا فالبحث عن الأصل، يبدو شديد الصلة بذلك الحلم بفضاء يمكن أن تحقق فيه الشخصيات هويتها وتطمئن إليه. وبعد أن سافرت ليلي إلي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ستعود إلي مسقط رأسها، الذي لا تعرف عنه شيئا. لم أعرف أبدا لماذا كنت هنا، أتابع حركة الناس دون أن أفهم شيئا. فأنا لا أبحث عن ذكريات ولا أتطلع إلي رعشة الحنين أو العودة إلي مسقط الرأس مع أني لا أمتلكه . إن ما تكتشفه ليلي ليس فضاء للانتماء يسمح لها بنسج خيوط هوية محددة، ولكنه فضاء تعلق وود وحب. لأن الانتماء يفترض دائما وجود رابطة محددة، ونمط من التملك بين طرفين. أن تنتمي لفضاء ما، لا يعني فقط أن تخضع له ولكن أيضا أن تكون جزءا منه. في حين إن التعلق بفضاء ما، يظل مسألة وجدانية. وهذا ما ينجم عنه شكل من التفاوت أو الاختلال في هذه العلاقة، ومن ثم يظل التعلق غير نهائي. إنه فضاء لهوية متغيرة ومتبدلة. وبالنسبة لليلي فإن هذا يعني لها أن تظل لا مبالية بهذا الفضاء، غير أنها تعترف به كجزء لا يتجزأ من تاريخها. إنه الحبل الذي تتمسك به من أجل بلورة قصة وجودها. تلك هي النقطة الأشد غموضا من حياتها، لكنها عرفت كيف تستثمرها في تشييد هويتها.تمثل الهوية بوصفها موقعا للغياب في نصوص لوكليزيو مبدأ للسرد. ففي رواية السمكة الذهبية تلتقي ليلي بـ (الحاج مفوب ) الذي نفي بعيدا عن بلده السينغال، وسيروي لها قصته. لكن ليلي وهي تنصت إليه ستجد نفسها شيئا فشيئا قريبة من هذه الحكاية، تملكتها إلي الحد الذي اعتبرتها فيه حكايتها الخاصة. يخيل إليها أنها أصبحت الحفيدة التي فقدها . ربما أنا التي صرت مماثلة لها. من كثرة ما كنت أجلس قرب جدها أصغي إليه، وهو يحكي لها ما عاشه هناك علي ضفة النهر . لا يتسم المكان الأصلي، باعتباره فضاء للغياب، بالثبات. إنه يصير موقعا لكلام يتطلب منا أن نتقاسمه. ولذا فإنه هو الآخر يتموضع داخل بعد الحركة ذاتها. وبهذا المعني فإن الأصل يصبح هو الآخر مبدأ للترحال والتنقل. وما يسعي لوكليزيو لتحديده هنا، هو حالة ما هو هامشي، بوصفه موقعا لهوية متنقلة، تجد في السرد أداة أساسية للتعريف بها وتسليط الضوء عليها. من هذا المنظور ينبغي أن يُقرأ عشق لوكليزيو للحضارات القديمة في أمريكا الوسطي، التي دُمرت وأُبيدت. فهذه الحضارات تمثل موقعا حقيقيا للغياب، لأنها اكتسحت من قبل الغزاة الإسبان، الذين لم يكن يهمهم سوي البحث عن الذهب. فلم يكترثوا إلا قليلا بما يمكن أن يتعلموه منها. وفي كتاب : الحلم المكسيكي” يكتب لوكليزيو فيقول: الصمت هائل ومرعب، لقد التهم عالم الهنود ما بين (1492 ـ 1550)، وزج به في الظل . إن وضعية التهميش التي تعيشها هذه الحضارات، التي تم إسكاتها، تتسم بالمطلقية. فقد ظلت مفصولة عنٌا لقرون طويلة من النسيان، ولحسن الحظ فإن أفرادا مثل: (بيرباردينو دوساحاكون)، ورغم أنهم ساهموا في هذا التدمير الذي طال هذه الحضارات. فإنهم ألحوا علي ضرورة الحفاظ علي كلام يشهد علي رؤية للعالم مغايرة لرؤية الغربيين. بل إن ساحاكون قد تحول إلي مؤول لما تبقي من آثار ثقافية مكسيكية وهو يحرر كتابه التاريخ العام لإسبانيا الجديدة . عن هذا العمل يقول لوكليزيو : في الحلم بالأصل، هناك دائما الرعب والحب والرأفة، وببحثه عن الجذور يكتشف ساحاكون، أصوله الخاصة. وهذا ما يشده إلي هذا العالم المؤثث بالأساطير، وبالجلال المنسي . ومن بين الكتب التي تشهد علي هذا نذكر أيضا: (la relation de michoan,les proph‚ties du chilam balam,le codex florentinus) وهذه الأعمال تحتل بالنسبة إلينا موقعا امتيازيا. إنها تؤشر علي كلام أصلي يأتينا علي شكل محكيات. كما أنها تعيد الاعتبار لشيء لم يعد موجودا، لكنه لا يزال يتحدث إلينا عبر الأساطير والمعتقدات، ومن ثم فهو جزء من متخيلنا. يقول لنا لوكليزيو: إن علينا أن نؤسس شكلا للحوار مع هذا العالم الذي ضاع. وبالنسبة له لا يتوقف ذلك فقط علي ربط الجسور بتاريخ ما، وإنما بالتمسك بكل ما يربطنا بهذه الحضارات. وبهذا المعني، يتبين أن لوكليزيو يحاور من خلال ما تبقي من الحضارات الأمريكو ـ هندية القديمة، جذوره وأصوله الخاصة. لكن ماذا عساها تكون جذور لوكليزيو ؟ ألا تشكل جزءا من إمكانية، بل ضرورة إبداع هذه المحكيات ؟ يبلور لوكليزيو محكيات تتأسس علي مواقع من تاريخه الخاص. وأفكر هنا تحديدا بـ : الباحث عن الذهب و سفر إلي رودريغيز و الحجر الصحي ، التي تدور وقائعها حول جزيرة موريس، حيث تم في القرن الثامن عشر نفي الأسرة التي ينحدر منها لوكليزيو. وفي كل عمل من هذه الأعمال الثلاثة نصادف تشخيصا لفكرة البحث والتنقيب عن هوية، عن فضاء يعد أصلانيا. وفي رواية: الحجر الصحي (La Quarantaine) سيقرر البطل ليون أرشومبو العودة إلي جزيرة موريس، بعد أن أمضي شبابه في فرنسا. وستبدو له هذه الجزيرة كفردوس مفقود. إن ما سيكتشفه ليس سوي الوضع غير المقبول للمهاجرين الهنود المتوجهين إلي هذه الجزيرة. ولأنهم أتوا للعمل لجني قصب السكر، فإنهم صاروا كما لو أنهم عبيدا. إن حلم ليون بالأصل، يمتزج بتاريخ هذه الشعوب المهجرة التي يتقاسم معها القدر علي أرض هذه الجزيرة، حيث وضعوا في محجر صحي بعدما تم اكتشاف حالة للكوليرا علي متن السفينة التي كانت تقلهم إلي جزيرة موريس.مرة أخري يظهر الأصل متسما بالحركة واللاثبات، ليس فقط في الحلم الذي يراود ليون، وإنما أيضا في التاريخ المنسي لهؤلاء البشر الذين جري نقلهم، ذلك التاريخ الذي يلاقي فيه، مرة أخري، ذاكرته. وهذه الذاكرة المنسية هي ما يجهد لوكليزيو في أن يجعلنا نعيشها في روايته، حيث يقوم بخلقها من جديد اعتمادا علي أبحاثه التي يجريها حول هذا المكان الذي ارتبط به عبر تاريخه الخاص والحميمي. وفي حوار أجرته معـــــــه (Le nouvel observateur).ہہہ(3) تساءل الصحافي عما إذا كانت تجربة لوكليزيو مع هنود باناما الحمر، هي التي قادته باتجاه جذوره الخاصة ؟ فردٌ لوكليزيو قائلا : أشعر أنني في لا تناغم تام مع جذوري وأصولي. فأسرتي تفتتت وتجزأت. ولم أعد أعرف ما إذا كنت بروتانيا أو من شمال فرنسا أو من جزيرة موريس . لعل ما يقوله لوكليزيو هنا، وفي نصوصه كلها، مفاده أن لا أصل يوجد لذاته. وإنما يوجد الأصل في إطار المتخيل، ومن خلال هذه الروابط الجديدة التي نقيمها مع خطابات منسية، وموجودات هامشية. والهوية لا يمكن التعبير عنها بشكل أحادي ونهائي، لأنها هي الأخري تخضع لمسار من التغير تبعا لأنماط الارتباط التي تكتشفها.ولأن لوكليزيو رحال وكثير التنقل، فإنه يبدو كما لو أنه لم يشغل المكان نفسه. فمن المكسيك إلي المغرب، مرورا عبر مدينة نيس، يبدو لوكليزيو وهو يعيش وضعية قطيعة. تلك الوضعية التي امتدحها جيل دولوز ((Gilles Deleuzes وهو يحيل علي حياة لوكليزيو قبل أن يتحدث لنا عن أسفاره الثابتة. ہہہهكذا رغم المكانة التي نعطيها لـ لوكليزيو في عملية الإنتاج الأدبي بفرنسا، إلا أن وضعية القطيعة هذه تموضعه علي هامش الفضاء الثقافي بفرنسا. أن تكون في الهامش لا يعني أنك منفصل عن هذا الفضاء. وإنما تتصل به انطلاقا من مبدأ الارتباط. فهذه الوضعية الهامشية هي التي تجعل لوكليزيو يحقق في نصوصه السردية ذلك الاقتراب من قضايا وأسئلة هؤلاء المهمشين في الفضاء الفرنسي. غير أن هذا الاقتراب يصعب التعبير عنه بمفهوم الهوية، وإنما انطلاقا مما يوفره مفهوم التفاوت. المراجع : 1-Jean-Xavier ridon :Ecrire les marginalit‚s, in magazine li‚raire,N362 fevrier1998,page,39. 2 – Frantz fanon: les damnes de la terre ;‚ditions Gallimard. 3 – Le nouvel observateur ,n1721,du 30 octobre, au 5 novembre , جون ماري جوستاف لوكليزيو: الكتابة عن المهمشين, 54-55. 4- ab‚c‚daire de Gilles deleuze avec Claire Parnet ,video ‚ditions Montparnasee1996. cee citation se trouve a la lere5 comme voyage. 0