علاقات المعسكر الغربي بالعالم الإسلامي تزداد تأزماً
د. بشير موسي نافع علاقات المعسكر الغربي بالعالم الإسلامي تزداد تأزماً خلال أسبوع واحد من نهاية كانون الثاني/ يناير وبداية شباط/ فبراير، تصاعدت تعبيرات الافتراق الغربي ـ الإسلامي كما لم تتصاعد منذ أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر 2001. وقد اتسعت هذه التعبيرات لتشمل كل جوانب الاجتماع الإنساني والعلاقات بين الدول والأمم: السياسية والثقافية والديبلوماسية والاقتصادية.حركة المقاومة الإسلامية حماس تحقق انتصاراً حاسماً في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، مستندة إلي برنامج سياسي محدد ومفهوم. وبالرغم من محاولات التفسير والاعتذار المتعددة، فقد كان واضحاً ان الفلسطينيين في الضفة والقطاع اختاروا حماس وهم يدركون عواقب اختيارهم. هذا هو أكثر الشعوب تسييساً في العالم، شعب يتمتع بمستويات تعليم مرتفعة وخبرة لا تباريها خبرة في الشأنين الإقليمي والعالمي. وقد ذهب الفلسطينيون إلي طريق حماس ببصيرة ووعي وسابق تصميم. ولكن رد الفعل الغربي علي الاختيار الديمقراطي الفلسطيني كان بائساً، ضيق الأفق، ومـتأزماً. بدلاً من ان تقوم الدول الغربية الرئيسية علي جانبي الأطلسي بمراجعة السياسات التي دفعت الفلسطينيين إلي هذا الطريق، تصاعدت تصريحات التنديد والتهديد في لندن وباريس وبرلين وبروكسل وواشنطن. قبل عام كامل علي انتصار حماس الانتخابي، ذهب الفلسطينيون للتصويت في انتخابات رئاسية حرة، واضعين ثقتهم في الرئيس محمود عباس. وكما ان الفلسطينيين يعرفون معني منح حماس الأكثرية البرلمانية، فقد كانوا يعرفون معني تصويتهم لمحمود عباس. الرئيس أبو مازن هو واحد من أكثر القيادات الوطنية وضوحاً وثباتاً، ومنذ مطلع التسعينات علي الأقل وهو يعلن معارضته للكفاح المسلح والتزامه القاطع بالتفاوض والسعي إلي التوصل لمساومة تاريخية مع الدولة العبرية. ولكن المديح المتكرر الذي كالته واشنطن ولندن وبروكسل لأبي مازن لم ينعكس علي الواقع السياسي وعلي مستقبل القضية الفلسطينية. وسواء علي مستوي الاستقلال الوطني، سيادة الفلسطينيين علي وطنهم وأرضهم، وحريتهم ومعاشهم، ازدادت الأوضاع سوءا.ربما كان الفساد الذي ضرب أطنابه في أوساط السلطة الفلسطينية أحد العوامل التي أدت إلي هزيمة فتح الانتخابية، ولكن أحداً لا يجب ان يخطيء الدافع الرئيس وراء الانقلاب السياسي الفلسطيني الكبير. لقد أوصل الفلسطينيون إلي حافة الإبادة الجماعية، بينما الهم الأولي للقوي الغربية تقديم قدر من المساعدات يمنع الأوضاع من الانفجار. باختيارهم لحماس، يعبر الفلسطينيون عن رفضهم المداهنة علي فقدان أرضهم وشروط وجودهم الوطني. ولكن العواصم الغربية لا ترغب في رؤية الأمور علي حقيقتها، وليس ثمة من دليل علي استعدادها لمقابلة الفلسطينيين في منتصف الطريق. ولن يمر وقت طويل قبل ان يشهد الفلسطينيون الحكومات الغربية الرئيسية تتعهد عملية تجويع منظمة لهم، بهدف إجبار حماس علي التخلي عن البرنامج الذي انتخبها الشعب علي أساسه، أو إسقاط الحكومة التي تقودها.وفي الوقت نفسه أخذت أصداء الانتهاك الذي قامت به صحيفة دنماركية لحرمة النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) في التفاعل عبر العالم الإسلامي كله. لقد مضت عدة شهور علي نشر الرسوم الدنماركية المسيئة، بذلت خلالها جهود واسعة لمحاصرة الموضوع، سواء من منظمات الجالية الإسلامية في الدانمارك أو من الحكومات العربية والإسلامية أو من الجامعة العربية. ولكن لا هيئة تحرير الصحيفة ولا الحكومة الدنماركية أخذت ردود الفعل الإسلامية مأخذ الجد. رفضت الصحيقة الدنماركية الاعتذار، كما رفضت الحكومة استقبال السفراء العرب والمسلمين في كوبنهاغن والاستماع لشكواهم. باسم حرية الرأي (التي يعرف كل رؤساء التحرير الغربيين أنها ليست بلا حدود ولا ضوابط، لاسيما فيما يتعلق بالمسألة اليهودية) وجهت إهانة بالغة ومتعمدة ومدروسة لمشاعر المسلمين في العالم، وتواطأت الصحافة والحكومات معاً علي الاستهانة بحرمات المسلمين ومقدساتهم. وما ان بدأت ردود الفعل الشعبية في العواصم العربية والإسلامية في التبلور، حتي سارعت صحف ومؤسسات إعلامية غربية أخري إلي التضامن مع الصحيفة الدنماركية بإعادة نشر الرسوم السفيهة والمهينة. بل وتبرعت المستشارة الألمانية بالدعوة إلي مساندة الدنمارك والتضامن معها.وكما هو الأمر دائماً عندما يستشعر المسلمون إهانة متعمدة لرسولهم، انتفض العالم الإسلامي بالغضب. في الخليج والسعودية، أحرقت البضائع الدنماركية في المخازن، ومن القاهرة إلي أنقرة وإسلام آباد وجاكرتا، سارت مظاهرات الاحتجاج. في دمشق وبيروت، أشعلت النار في مباني السفارات والقنصليات الدنماركية والنرويجية. وفي غزة دمرت المراكز الثقافية التابعة للدول التي شاركت صحافتها في الحملة علي النبي الكريم. وإلي جانب بيان الدعوة للاحتجاج الذي أصدره اتحاد علماء المسلمين، فقد سارعت عدة دول عربية إلي استدعاء سفرائها من العاصمة الدنماركية. وبالرغم من ان حكومات أوروبية، مثل الحكومتين البريطانية والفرنسية، شجبت الإهانات التي وجهت للمقدسات الإسلامية وعملت علي وضع مسافة بينها وبين الصحف والمؤسسات الإعلامية التي شاركت في الحملة ضد الإسلام والمسلمين، فمن المؤكد ان حلقات هذه القضية من الافتراق الغربي ـ الإسلامي لم تصل إلي نهايتها بعد.قبل سنوات خمس، أثارت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عاصفة هائلة من النقاش والجدل. كان السؤال الأهم في الجانب الأمريكي: لماذا يكرهوننا إلي هذا الحد؟ أما الجانب العربي ـ الإسلامي فقد عبر عن نفسه بعدد متداخل من التعبيرات التي شملت الإحساس بالذنب، والرغبة في الاعتذار، والتسويغ، والشماتة. ولكن أغلب من شارك في ذلك الجدل والنقاش، من أكاديميين ومراقبين ورجال دين وسياسة وإعلاميين، اتفق علي ان العالم الإسلامي يعيش أزمة متفاقمة مع ذاته والعالم. يتمحور هذا الرأي، الذي كان أبرز المعبرين عنه المؤرخ الأمريكي المعروف برنارد لويس، حول مقولة الشعور الإسلامي الجمعي بالتخلف والهزيمة وفقدان الموقع والدور العالميين، الشعور الذي يحاول المسلمون نكرانه وتجاهله بتحميل الغرب (القوي، المسيطر) مسؤوليته، وتحويله بالتالي إلي عنف أهوج ضد القوي الغربية وإحداث قطيعة مع العالم الحديث. وقد تبلورت أقصي صور الرد علي هذه الأزمة الإسلامية في الدعوة إلي إيقاع هزيمة بالغة بالمسلمين، هزيمة تفرض عليهم الاعتراف بحقيقة الوضع الذي يعيشونه وبمسؤوليتهم عن هذا الوضع، تماماً كما أدت هزيمة الحرب العالمية الثانية إلي إحداث تغيير جوهري وشامل في الوعي الجمعي الألماني والياباني، وإلي تغيير في رؤية الألمان واليابانيين لأنفسهم وعلاقاتهم بالعالم. ولا يخفي ان المقصود بالعالم هنا هو بالتحديد الكتلة الأطلسية الغربية، أو المعسكر الرأسمالي الليبرالي.ثمة أزمة إسلامية بلا شك، وهي أزمة تعود في جذورها إلي نهايات القرن الثامن عشر عندما اكتشف المسلمون فجأة أنهم لم يعودوا قادرين علي الدفاع عن بلادهم أمام القوي الإمبريالية الغربية الصاعدة. ومنذ تلك اللحظة الحاسمة والمسلمون يعيشون جدالاً بالغ الحيوية ومحاولة لا تتوقف لتبصر أحوال الذات والعالم، وقراءة دلالات التجربة الإسلامية التاريخية. وليس صحيحاً أن وعي المسلمين بالتراجع وفقدان الموقع والدور قد أدي إلي الشلل الفكري والحضاري والقطيعة مع العالم، ومع العالم الغربي الحديث علي وجه الخصوص. الحقيقة ان أمة لم تتفاعل مع الحداثة الغربية كما تفاعل العرب والمسلمون، ثقافة، وصناعة، واستهلاكاً، وتعليماً، ونمط حياة وحكم. لم يقع التفاعل مع الغرب الحديث بدون قدر كبير من الجدل والتدافع، ولكن الناظر إلي أنماط التعليم والفن والأدب ومؤسسات الدولة والقضاء والتسوق في أي مدينة عربية أو إسلامية لا يجد فرقاً جوهرياً واحداً عن نمط حياة ومؤسسات المدينة الأوروبية الغربية. ثمة فروق من نوع آخر، وقلق لم يهدأ في المجتمعات العربية والإسلامية، ولكن الاعتقاد بأن العالم يجب ان يكون صوراً متكررة ومتطابقة من الاجتماع الغربي هو اعتقاد ساذج وسطحي، تكذبه كل لحظة ويوم تجارب التطور والنمو والتحديث المختلفة في أنحاء المعمورة. العلاقة المتفاقمة بين الغرب من جهة (والغرب هنا للتعميم لا التخصيص) والعالمين العربي والإسلامي من جهة أخري ينبغي ان تبحث من منظار مختلف، من منظار أزمة الغرب نفسه وعجزه عن الاعتراف بشروط العيش المشترك مع شعوب وأمم ما عادت تقبل بالسكوت عن إهدار حقوقها وإطاحة مصالحها وإهانة رموزها.ولم تتضح أزمة الغرب في فلسطين وما يتعلق بالتصرف الدنماركي البذيء وحسب. قبل سنوات قليلة قامت الولايات المتحدة بغزو غير مبرر وغير قانوني للعراق. وسرعان ما فوجئت إدارة الاحتلال بمقاومة العراقيين واندفاع الآلاف من الشبان العرب للمشاركة في المقاومة دفاعاً عن العراق، وكأن أحداً في العالم الغربي لم يسمع بروابط العروبة والإسلام التي تتجاوز الحدود وهويات الدول الحديثة. وبدلاً من الاعتراف بالخطأ الفادح الذي أسس لغزو العراق والاعتذار للشعب العراقي عن الدمار الذي أصاب بلاده، أطلق خطاب دعائي للربط بين العراق والإرهاب وتصوير الموت العراقي اليومي في إطار من تحول ديمقراطي مزعوم. في إيران، وبعد ثماني سنوات طوال من أوهام السقوط الإصلاحي، فوجئت القوي الغربية بفوز شاب بالغ التواضع، والتشدد فيما يتعلق بمصالح بلاده وحقوقها بمقعد الرئاسة. وبدلاً من الاعتراف بإرادة الشعب الإيراني، وبالعمل علي التوصل إلي تفاهم عادل ومنطقي يستجيب لطموحات الإيرانيين في اكتساب المعرفة النووية السلمية ويؤمن مصالح العالم والإقليم في الوقت نفسه، تدفع الدول الغربية الملف النووي الإيراني إلي الانفجار والحرب المدمرة. وبالرغم من التعقيد الذي يحيط بالمسألة اللبنانية ـ السورية، فإن أحداً في سورية والعالم العربي لا يشك في ان هدف المجموعة الغربية هو استغلال مسألة اغتيال الرئيس الحريري لإهانة سورية وتحطيم نظامها السياسي وتمزيق وحدة الشعب السوري.في أغلب مواقع الخلاف والصدام، تستند المطالب العربية الإسلامية إلي منطق قوي وحقوق لا جدال فيها، بل وتعكس عقلانية تفاوضية تساومية. منذ سنوات طوال قبل الفلسطينيون بأدني مما تقره لهم الشرعية الدولية. وما يطالب به المتظاهرون في شوارع المدن العربية والإسلامية ليس أكثر من اعتذار واضح وصادق عن الإهانة التي وجهت للنبي الكريم. في العراق، كل ما يسعي إليه المقاومون العراقيون هو جدولة انسحاب القوي التي احتلت بلادهم بلا وجه حق. أما الإيرانيون فقد قدموا ما يكفي من الأدلة علي ترحيبهم بمراقبة دائمة لأبحاثهم النووية، التي تكفلها لهم كل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالنشاط النووي. ولكن القوي الغربية لا تقبل بأقل من الاستسلام الكامل لمطالبها وشروطها. فمن هو إذن الذي يعيش أزمة في علاقته بالآخر؟ 9