شريط’ يما’ أول شريط سينمائي للممثل والمخرج رشيد الوالي. شارك في مهرجان ‘السينما والهجرة’في دورته العاشرة بأكادير ما بين 5و9 نوفمبر 2013. وقد حاز ‘رشيد الوالي’ على جائزة أحسن ممثل. ويمكن اعتباره من أفلام سينما الطريق، التي تطرح التيه والبحث عن الذات كوسيلة للتعبير.
إلى أي حد توفق ‘رشيد الوالي’ في نقل هذا التيه بواسطة الصورة؟ وهل فعلا كانت الطريق في الفيلم أداة قوية للتعبير عن دواخله؟ أم أن الكتابة الإبداعية تحتاج إلى أساليب فنية متمكنة تعمل على تصوير الأسئلة الداخلية والنبش فيها وطرحها سينمائيا؟
يستهل الشريط بإخراج إشهار معين ويركز المخرج على البطل الذي كان يلعب دور دونكيشوت. اللقطة لم تكن موفقة. طلب إعادتها،لأنه السيناريست، الذي يلعب دوره ‘رشيد الوالي’ لكن المخرج رفض طلبه بحجة التزامه بمواعيد أخرى. تبرز هنا شخصية البطل’رشيد الوالي’ الملقب ببوجمعة وينادي عليه أصحابه ببوص. شخصية حسب الكتابة الدرامية، تحب الإتقان في عملها لكنها تشعر بالملل من العمل بتلك الشركة الخاصة بالإعلانات. لا يجد ذاته الباحثة عن شيء ما. مدير الشركة ثرثار، فاقد لإحدى عينيه ولم يبرر هذا خلال الشريط. شخصية بوجمعة ستحمل هوس وبحث دونكيشوت عن شيء ما. محافظ في لباسه، لا يتوفر على علاقات كثيرة. يعيش ببيت بمفرده. حاول المخرج هنا أن يجعل الفضاء الحميمي لبوجمعة يتكلم عنه. بيت فارغ من روح الجمال والدفء. سيرن هاتف بوجمعة المرمي فوق سريره، ستقترب الكاميرا من الهاتف، سنرى اسم والده. سيتردد في الرد. لم نفهم لماذا؟ وأخيرا، سيتصل بوالده، وهنا سنسمع زعيقا وسبا وشتما .. ولماذا ترك قريته وعائلته ورحل إلى مدينة أخرى. ولا يرغب حتى في الحضور إلى عرس أخته..يرمي الهاتف. يتحدث عبر الانترنت بين الفينة والأخرى مع امرأة توجد بكورسيكا ولا يعرف عنها شيئا سوى بطاقة تحمل عينا كدليل على مكان تواجدها بكورسيكا.
من أجل سرد حكايته، سيستعمل المخرج الطريق كوسيلة للتعبير عن التيه والبحث. والطريق في السينما، لغة البحث عن الذات. وهنا استعملها أيضا كمرآة للمجتمع وما يحمله من تناقضات. في طريقه إلى بيت عائلته، سيقف أمام رسام في الشارع، لكن الكاميرا ستذهب بنا إلى دبلوماته العالقة قرب لوحاته. سيمر دون كلام فقط نظرات متبادلة وسيركب سيارته. الصمت في السينما لغة جد معبرة ويجب أن تستعمل في مكانها. خلال رحلته، سنكتشف معه مشاكل القرى وبعدها عن كل المرافق الحيوية. سيحمل أطفالا صغارا عائدين من المدرسة البعيدة عن بيوتهم في سيارته. عندما اقترب من البيت، وجد أمامه أحمق يركب على دراجة مكسرة ويحاول تحريكها. ما الجدوى من وجود شخصية هذا الأحمق؟ السرد خطي، هي فقط أحداث تمر أمامنا وننتظر الحبكة الدرامية التي ستغير مجرى الأحداث. في بيت والده، سنكتشف جزءا آخر من شخصية بوجمعة الهاربة من تسلط والده في البيت. ويتحكم في كل شيء حتى أنه قرر تزويج ابنته الصغرى لأحد ‘المعتوهين’ بالقرية بعد وفاة زوجته. وأعطى لنفسه الحق أن يتزوج على زوجته الأولى بفتاة أصغر منه بكثير بحجة أنها يتيمة.
رشيد الوالي، يريد أن يقول كل شيء. لدرجة أن الحبكة تفككت وتفرغت من محتواها. حتى الآن الأم غائبة. والمرأة غائبة في السرد. هن نساء حاضرات غائبات من خلال السيناريو. ستتحول الكاميرا إلى غرفة الأم، امرأة منعزلة، صامتة، سيقترب منها ابنها بوجمعة، حوار بالأمازيغية، نفهم من خلاله أنها غير راضية على سلوك والده لكنها لا تستطيع أن ترفع صوتها وتفضل الصمت والانعزال. علاقة الأخت الصغرى بأخيها بوجمعة،غير محبكة. شخصيتها تنقصها الإدارة الجيدة لأنه من غير المقبول، أن يكون الرضى والاستسلام على تلك المأساة التي ستصيبها بوجه باسم وضاحك. لم يكن اختيار الشخصية موفقا. سيقع احتدام وصراع مع والده على تصرفاته، صفع الأب بوجمعة. سيقرر بعدها الرحيل تاركا وراءه مشاكل معلقة. خلال تواجده ببيت والده، سنلاحظ تواجد شاب مرفوض من بيئته نظرا لسلوكه الشاذ. إشارة أخرى إلى نوع آخر من المشاكل الاجتماعية المسكوت عنها. خلال رحلته الأولى من البيضاء إلى قريته بالشمال، استعرض لنا المخرج الكثير من الآفات الاجتماعية والاقتصادية.. الفكرة الأساسية للشريط تاهت بين كل هذه المشاكل؟ هل هو مشكل المرأة الصامتة؟ أم مشكل المدارس البعيدة عن القرى؟ أم هو مشكل عدم الاعتراف بالآخر؟ أين هو العنوان من كل هذه الأحداث؟
يمتطي الطريق من جديد، مازال باحثا وتائها. صدفة أخرى لكنها مفتعلة ولن تخدم الشريط بالشكل الجيد. اقتحمت في السيناريو اقتحاما. سيدتين واقفتين أمام سيارتهما المعطلة. ‘ليلى وأختها غيثة’ سيطلب منهما مساعدتهما بالركوب معه. سنكتشف أن السيدة الأولى مغربية تعيش في أوروبا والأخرى أختها من ذوي الاحتياجات الخاصة. لماذا هذا الاختيار بالذات؟ لأنه من المعروف في الكتابة السينمائية، أنها تعتمد على التدقيق والتركيز على كل الأحداث الدقيقة والصغيرة الشيء الذي يعطينا عملا سينمائيا قويا. الصدفة هنا أضفت على الشريط العشوائية وعدم التركيز، لم تنتج بشكل طبيعي عن العمل الدرامي. سيعرف أنهما ذاهبتان إلى كورسيكا عبر الباخرة ودون مقدمات، سيقرر الذهاب معهما للبحث عن صاحبة العين التي كان يتواصل معها عبر الانترنيت. قرار مفاجئ ولا يتماشى مع شخصية بوجمعة. رحلة أخرى إلى كورسيكا سنرى مشاكل من نوع آخر لمغاربة بدون تسوية وضعيتهم القانونية. سيتعرض لمشاكل كثيرة حالت دون وصوله إلى صاحبة العين. دور ‘سعاد حميدو’ غير مبرر هو حشو فقط لاسم معروف. هناك أدوار صغيرة تعطي إضافة للعمل ككل لكن دور السيدة العنيفة ‘لسعاد حميدو’ التي ستضرب بوجمعة وتتركه في مكان بعيد، غير مفهوم وغير ضروري. يستيقظ في بيت غرباء يهتمون به حتى يتعافى، لكن لابد من تواجد مفاجأة أخرى حسب السرد الدرامي للشريط. طلبت منه السيدة التي استضافته أن يمكث بالبيت قليلا لأنه يشبه ابنها المتوفي. سيتصل فيما بعد بليلى من أجل مساعدته في الوصول إلى صاحبة العين. سيحصل اصطدام آخر بين زوج ليلى العنيف وبوجمعة عندما رآهما معا. سنعرف أنها رفضت البقاء معه. صاحبة العين تزوجت بعدما تأخر بوجمعة ولم تستطع أن تقول لا لأول طارق. وسينتهي الشريط بالنهاية السعيدة، وهي زواج بوحمعة من ليلى التي تختلف عن كل النساء التي عرفهن لأنها استطاعت أن تقول لا وترفع صوتها احتجاجا.
شريط كثير الاتجاهات والصدف والتيمات، هل الموضوع هو المرأة؟ الأم ؟ أم الأخت؟ أم الحبيبة؟ كلهن نساء لكن يختلفن في البيئة والفكر والسلوك. ولايمكن المقارنة بينهن مع وجود الفارق. ضاعت تيمة المرأة ومشاكلها مع الواقع المغربي في الطريق الذي استعمله المخرج كوسيلة للحكي. حاول أن يلامس أغلب المواضيع الاجتماعية الحساسة دون التعمق فيها. شخصية بوجمعة كما هي مكتوبة في السيناريو، شخصية تحب الإتقان في عملها لكنها، محافظة، تحمل آلة كاتبة معها طول الوقت لكن في المقابل نجده يتواصل مع امرأة كورسيكا بواسطة الانترنيت. ما هذه الازدواجية في سلوكه؟ يرفض تسلط والده وتحكمه في مصير أخواته وأمه لكنه غير قادر على تغيير شيء. يبحث عن المرأة القادرة على قول لا، لكن المقارنة غير جائزة. لان مقارنة امرأة عاشت في ريف المغرب ولا تتكلم غير الأمازيغية مع امرأة عاشت في أوروبا وتعلمت وسافرت..لا يمكن المقارنة بين امرأة عاشت بين التقاليد والعادات لا تسمح لها برفع صوتها وأخرى أتت من أوروبا؟ حتى صاحبة العين التي رضخت لرغبة والدها في الزواج، لم نعرف شيئا عنها فقط تتحدث اللغة الهولندية وتفكر بطريقة تقليدية. السيناريو مفكك، عبارة عن مواضيع مختلفة ومتباينة لامسها المخرج دون التعمق والدراسة. الشخصيات كانت باهتة لا تعبر عن المواقف بالشكل المطلوب ومنها من لم يضف شيئا للعمل. حاول رشيد الوالي أن يكون السيناريست والمخرج والبطل.و المنتج…وهذا ما أفقد الشريط قوته وجاء ضعيفا على مستوى البناء الدرامي. لأن الإبداع يحتاج إلى التركيز والتأمل والصبر. وهذا مشكل من بين مشاكل السينما المغربية التي تفقدها أحيانا المتعة والفرجة.
‘ ناقدة من المغرب