الشباب الفلسطيني والاستدامة في مكافحة الفساد

حجم الخط
0

من اهم معايير تقييم المشاريع او البرامج او الاعمال وبغض النظر عن انواعها، هو الاستدامة، او مدى تواصل تأثير العمل بعد الانتهاء منه، او تواصل التأثير او التأثر بدون الحاجة الى تدخل او دعم جديدين، وهذه الايام الجميع يتحدث عن مبدأ الاستدامة في التنمية والتعليم والتدريب وفي الاستثمار بأنواعة، سواء اكان استثمارا في البنية التحتية او في التعليم او في القوى البشرية، وحين الحديث عن الاستثمار في البشر، فان الاستثمار المستدام في البشر يعني الاستثمار في الشباب، وما لذلك من تواصل آثار هذا الاستثمار، وفي مختلف الصعد، ومنها مكافحة الفساد بأنواعه، من الفساد الاداري، والفساد المالي، مرورا بفساد الاغذية والادوية، الى الفساد المتعلق بتلويث البيئة من مياة وهواء واراض وما الى ذلك.
ومعروف ان المجتمع الفلسطيني وبعكس مجتمعات اخرى في اوروبا او في اليابان مثلا، هو مجتمع فتي، اي مجتمع شاب، وحسب الاحصائيات الفلسطينية الحديثة، فان نسبة الاشخاص في فلسطين من الاعمار 15 سنة واقل تبلغ حوالي 40′ من السكان، بينما تبلغ نسبة الاشخاص بين اعمار 15 الى 29 عاما حوالي 30’، اي حوالى مليون و300 الف شاب وشابة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يعني ان الاستثمار في هذه النسبة الهائلة من الشباب في بلادنا يعتبر الاستثمار الاهم، سواء من حيث الاستدامة، او التأثير في مختلف مجالات الحياة المختلفة، وحين الحديث عن الاستثمار في الشباب في مجال مكافحة الفساد، فانه يمكن تصور التأثير الايجابي المتواصل لذلك، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم والتربية والقيم والممارسة العادية في الحياة.
وتنبع اهمية توعية وتدريب وتثقيف وبناء الشباب الفلسطيني في مجال مكافحة الفساد، بالاضافة الى النسبة الهائلة منهم في بلادنا، الى الاوضاع الخاصة التي نمر بها، من ازمات وصعوبات اقتصادية، ومن عدم وضوح الطريق او المسارات السياسية، ومن الازدياد المتواصل في اعداد العاطلين عن العمل، وبالاخص الشباب والخريجين منهم، وفي ازدياد نسبة الفقر والحاجة، وفي تصاعد التآكل في شبه العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فان بناء جيل من الشباب من خلال ترسيخ مفهوم مكافحة الفساد وبأنواعه ومن خلال التطبيق العملي لذلك، سوف يؤدي ولو على المدى المتوسط او البعيد الى تحقيق ما يتطلع له الشباب والمجتمع من بناء دولة او مجتمع على اسس النزاهة والوضوح والمحاسبة العدالة.
والاستثمار المستدام في الشباب في مجال مكافحة الفساد يعني اتباع الاساليب الصحيحة لذلك، من الناحية النظرية ومن خلال الممارسة العملية، وسواء اكان ذلك من قبل الجهات الرسمية الفاعلة في مجال مكافحة الفساد في بلادنا، مثل هيئة مكافحة الفساد، او من قبل الهيئات الاهلية مثل مؤسسة امان مثلا، وهذا يعني التوعية والتثقيف والتدريب وبأسلوب واضح وبسيط يظهر الايجابيات لمكافحة الفساد، بدءا من التجمعات المحلية والمدارس والجامعات والاطر المختلفة، وهذا يعني تبيان سلبيات الفساد وتداعياته والمعاناة التي يسببها من خلال الامثلة، وهذا يعني اظهار التداعيات القانونية والاجتماعية والسلوكية والتنموية وحتى على الاقتصاد للممارسات الفاسدة، ومن خلال الامثلة، ولتكن الامثلة من واقعنا ومن بلادنا، ونحن نعرف انه في الفترة الماضية كان هناك كشف وملاحقة قضايا فساد، او اشخاص فاسدين، واخذ ذلك حيزا اعلاميا، وبغض النظر عن حجمها او نوعها او نوعية الاشخاص الذين قاموا بها، ولماذ لا يتم استثمار مثل هذه القضايا في مجال بناء مفاهيم مكافحة الفساد عند الشباب الفلسطيني، ولماذا لا يتم استخدامها ومن خلال الاعلام وبأسلوب موضوعي، بعيد عن الاثارة للوصول الى الشباب، الذي سوف يعتمد عليه بناء وتنمية هذا المجتمع، بعيدا عن مفاهيم وممارسات الواسطة والمحسوبية والرياء والدجل والرشوة وما الى ذلك.
ورغم ان فلسطين لا يتم ادراجها ولاسباب خاصة في تقرير منظمة الشفافية الدولية السنوي حول مستويات الفساد في العالم، الا ان الواقع العربي المحيط بنا يشير الى ان الثقافة او الممارسة العربية في الفساد ما زالت مستشرية، وحسب تقرير عام 2013 لمنظمة الشفافية الدولية، حول ‘مؤشر الفساد’ في العالم، حيث تم ذلك بناء على معايير عدة، منها النزاهة واستغلال السلطة والرشوة والواسطة، حيث شملت الدراسة او الاستفتاء 177 دولة، وقد احتلت مصر المرتبة 114 ضمن 177 دولة، بينما احتلت الاردن المرتبة 66، اما اسرائيل فقد احتلت المرتبة 36، والجدير بالذكر ان الدنمارك احتلت المرتبة الاولى، بينما احتلت الصومال المرتبة الادنى في اللائحة.
والاستثمار المستدام في الشباب الفلسطيني لمكافحة الفساد يعني ازدياد الوعي بضرورة الابلاغ عن الفساد، سواء اكان من قبل الافراد او من الهيئات، وعلى الافراد او على المؤسسات، وان تم ذلك، فان هذا يعني ان المواطـــن، وبالاخص الشاب الفلسطيني، الذي في اعتقادي هو حجر الزاوية في هذه العملية، المطلوب توفير الحماية المعنوية والمادية له، والمطلوب ارساء ثقافة اهمية العمل في الابلاغ عن الفساد كثقافة راسخة في مجتمع مثل مجتمعنا، الذي بأغلبيته الشابة، هو الاساس للوصول الى ما نطمح له من رؤية، من بناء مجتمع فلسطيني خال من الفساد.
وكان واضحا من خلال استفتاء نشره حديثا جهاز الاحصاء الفلسطيني، ان الواسطة والمحسوبية هما من اكثر انواع الفساد تفشيا في مجتمعنا الفلسطيني، وهذا يعني ان الواسطة والمحسوبية تتم على حساب الكفاءة والاستحقاق والشخص المناسب في الموقع المناسب، ولتغيير هذه الثقافة، وبالاخص عند الشباب، سواء في القطاع العام او حتى قطاع المجتمع المدني والاهلي او الخاص، فان ذلك يتطلب وقتا وعملا وجهدا والاهم هو ترسيخ الاقتداء بمن يملك المنصب الاعلى والمسؤولية الاكبر والقدرة الاقوى، ويتطلب بث الوعي، ويتطلب تطبيق القانون وعلى الجميع، وفي العلن وبالنزاهة والشفافية، وبالتالي ازالة الانطباع عند الناس ان من تتم محاسبتهم او ملاحقتهم او محاكمتهم هم الضعفاء او الفقراء، او الذين لا يوجد لهم حماية او دعم او سند.
ولا يجادل احد بأهمية دور الشاب الفلسطيني، كمستهلك، في مكافحة الاغذية والادوية الفاسدة وفي مكافحة ممارسات تلويث البيئة من مياه وارض بالنفايات الصلبة، او بالمياة العادمة او بالمواد الكيميائية، وكذلك دوره في مكافحة فساد ارتفاع الاسعار والتلاعب بها، وغير ذلك من اشكال الفساد وانواعه، وكذلك دوره في الحد من ممارسات اعتدنا عليها او نتبجح بها، ومنها مثلا فساد السياقة في الشوارع، لان من لا يحترم قوانين السير سوف يؤذي الاخرين، ومعروف ان من تداعيات الفساد هو الايذاء او الحاق الضرر بالاخرين او بممتلكاتهم، وبغض النظر عن نوعه او مدى هذا الضرر.
والفساد متنوع وسوف يبقى، وهو من اهم معيقات التقدم والتنمية، وبدون شك ان الاستثمار في العدد الهائل من الشباب مجال مكافحة الفساد في بلادنا، سواء من حيث بث الوعي او الاجراءات على الارض، وان تم ذلك بالاسلوب والممارسة الصحيحة، سوف يؤتي ثماره، ان لم يكن الان فبعد سنوات، وبالاضافة الى العمل على ازالة الخوف عند المواطن او الشاب للابلاغ عن الفساد، فالعمل مطلوب كذلك من اجل تطبيق القانون وبسرعة، والابتعاد ولو تدريجيا عن الواسطة التي ما زالت تستشري في اجسادنا ونمارسها في حياتنا، وهذا كلة يتطلب زيادة التواصل مع الشباب الفلسطيني الذي هو الاساس لنجاح مستدام لعملية مكافحة الفساد في بلادنا.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية