عندما يشتد الخطب وعندما يكون مصير البلد على كف عفريت وعندما يرى العراقيون أنهم امام حرب داخلية ستكون نتائجها كارثية، هنا يدرك العقلاء بأن المتحاربين سيخرجون منها ضعفاء منهاري القوى نادمين على ما مضى، ولن يكون من بينهم منتصر يفرح بنصره. في مثل هذه اللحظات يأتي دور المثقفين والحكماء والمخلصين ليقولوا كلمة الحق والانصاف من دون مواربة او لف او دوران، وضمن هذا السياق أطل علينا عبر احدى القنوات الفضائية الامين العام للحركة الاشتراكية العربية الاستاذ عبد الاله النصراوي، وتحدث للمشاهدين عن رؤيته لمسقبل البلاد، أثر أزمة الانبار التي تتفاقم يوما بعد يوم. في وقت ترفع الحكومة رايات الحرب للقضاء على تنظيمي ‘داعش’ و’القاعدة’، من دون الاخذ في نظر الاعتبار حقوق اغلبية سكان الانبار الذين رفعوا ويرفعون مطالب مشروعة منذ اكثر من سنة، من دون ان تلتفت الحكومة لتلبية بعضها وتمارس معهم سياسة التسويف. يقول رسول الله، ‘خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر’، ويقول ايضا ‘على العالم ان يظهر علمه وقت الفتن وإلا فانه يبوء بلعنة من الله والملائكة والناس اجمعين’. لقد وضع الامين العام للحركة الاشتراكية العربية النقاط على الحروف، كما عهدناه، بصراحته وشجاعته وقت المحن عندما طلب من الحكومة التمييز بين اهل الانبار وعشائرها من جهة، وداعش والقاعدة من جهة اخرى، مؤكدا أن العراقيين ضد الارهاب والارهابيين، ومحذرا من ضرب مدن الانبار بطريقة عشوائية لا تفرق بين متظاهر يطالب بحقوقه المشروعة ورجال من ‘داعش’ و’القاعدة’ من غير العراقيين الذين وفدوا وفرضوا انفسهم في اماكن معينة في صحراء الانبار. واضاف النصراوي انه من الظلم الا تفرق الحكومة بين المعتصم او المتظاهر الذي يطالب بحقوق ضمنها له الدستور، وبين مجموعة صغيرة من الارهابيين الذين يملكون اجندة خارجية وعالمية. ما احوج العراق في هذه الظروف الى ان يتخلى السياسيون عن ايديولوجيات احزابهم واصطفافاتها السياسية مع هذا الفريق او ذاك، من اجل انقاذ الوطن، كما فعل عبد الاله النصراوي، لانه من حيث المبدأ يجب ان تعمل الاحزاب السياسية في خدمة الوطن والمواطن، لا ان يكون الوطن والمواطن مطية لخدمة تلك الاحزاب، كما نرى ذلك جليا لدى بعض الاحزاب التي تداري مصالحها قبل مداراة مصلحة المواطن، وتتغنى بالوطن قولا، من دون ان تقدم له شيئا على ارض الواقع. فعلى سبيل المثال يقولون ليل نهار بحرمة الدم العراقي لكنهم لا يترجمون هذا الشعار الى واقعهم وافعالهم، اذ يتعين عليهم تقويم وانتقاد الحكومة ومعارضة استخدامها القوة المسلحة ضد شعبها، لان الانسان كرمه الله تعالى وسخر له كل شيء ليعيش بسعادة ورفاه ‘ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا’. وقال رسول الله ‘حرمة المؤمن خير من حرمة الكعبة’. من جهة اخرى فان من ضمن اهم الاسباب التي دعتنا لمعارضة النظام الديكتاتوري السابق هو توغله في دماء العراقيين وانتهاكه حرماتهم، عندما قام بحروب خارجية وداخلية سفكت فيها الكثير من الدماء واستخدم الجيش ضد العراقيين عربا واكرادا، ورفض الحوار مع القوى السياسية الاخرى ايا كانت توجهاتها العقائدية. نحذر اليوم اصحاب الشأن من ان نعود الى الوراء ونحرف اهداف الجيش العراقي الذي ينبغي ان يبقى مدافعا عن الوطن وكل ابنائه، من دون تمييز. والا يكون سيفا مسلطا على رقاب الشعب من قبل هذا الحاكم او ذاك. لا يمكن بأي حال من الاحوال استخدام الجيش حتى في الحروب الخارجية ما لم يحصل اجماع وطني ضمن حكومة وحدة وطنية او بتفويض يكون بالاجماع من قبل نواب الشعب، لان الدخول في الحرب أمر في غاية الخطورة، إن علم توقيت نشوبها فلا يعلم احد وقت انتهائها. من المؤكد ايضا أن الحروب الداخلية اخطر بكثير من الحروب الخارجية، لانها تنذر بتقسيم البلد وتولد احقادا طائفية وظغائن قومية وعداوات بين المواطنين، لا يعلم مداها وخطورتها وامدها الا الله. نحن الان على مفترق طرق وقد كان متوقعا ان نصل الى ما وصلنا اليه اليوم، فتأسيس عراق المكونات كان البذرة الاولى التي باعدت بين سكان المنطقة الغربية والجنوبية، وهي التي خلقت وتخلق التشنجات الطائفية، واوصلنا بالتالي الى القتل على الهوية في بغداد وديالى وكركوك والموصل وغيرها. ان قواعد اللعبة الديمقراطية بنيت على اسس ركيكة، والدستور يمكن ان تفسره اي كتلة او تنظيم حسب مصالحها، لذا نرى الخلافات محتدمة ولا تكاد تنتهي بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان، وبين مطالب اهالي الانبار الدستورية والحكومة المركزية، فالجميع يحتكمون الى الدستور وطلاسم الدستور بحاجة الى تفسير وتوضيح لمعظم مواده وفقراته المبهمة. ان التجييش الطائفي من اي من الفريقين سيكون مأساويا وستكون له تداعيات خطيرة على وحدة العراق ومستقبله، وسيفتح الباب على مصراعيه لتدخلات اقليمية ودولية لن تكون من صالح هذا البلد. صحيح انه لم يعد لنا مزيد من الوقت لنتحاور وندعو الى المصالحة والمصارحة ولم الشمل، لكن من واجب رئيس الحكومة ان يفكر الف مرة قبل الاقدام على اجتياح الرمادي او الفلوجة، وان التاريخ لن يرحم مثل هذه الخطيئة ولا يمكن للشعب العراقي ان يسامح في سفك دماء العراقيين. واخيرا فان السياسي الناجح هو من يرى ويستنبط نتائج الامور وعواقبها قبل حدوثها، ان مصير ووحدة هذا البلد اليوم في الميزان يا أصحاب القرار والسيادة والفخامة ألا هل بلغت اللهم فاشهد.