التعليم’في’العالم’القروي’العميق

حجم الخط
1

عندما نطرح مشكلة التعليم يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى مشاكل مثل ضعف المردود، اختلاف المخرجات مع متطلبات سوق الشغل، إدخال وسائل الاتصال الحديثة والمعلوميات إلى الفصول الدراسية.
لكن المقصود من هذا المقال هو التعريف بمشاكل أو معضلات قلما سمع عنها الكثيرون والتي تتعلق ليس بالمناطق القروية ولكن ابعد من ذلك المناطق النائية من هذا الوطن.
تتعدد أسماء المغرب النائي منهم من يسميه بالمغرب العميق أو المغرب غير النافع أو المغرب المهمش أو المغرب الآخر . ولكل اسم مضمون وإحالات على طبيعة هذا المسمى فهو المغرب العميق لأنه أعمق داخل التضاريس الوعرة من جبال أو صحارى قليلة الطرق صعبة الولوج ان لم نقل مستحيلة.
وهو المغرب غير النافع وهذا الاسم من تركات الاستعمار الذي لم يجد فيه ما يشبع نهمه من أراض سهلية خصبة أو معادن نفيسة أو مياه عذبة.
لا يوجد مغرب واحد بل هناك مغارب متعددة كل مغرب بمشاكله وقضاياه. مغرب أبناؤه يحصلون على أقسام مكيفة نظيفة ونقل مدرسي مريح وطاولات جيدة وأجهزة معلوماتية لتوضيح الدروس.
مغرب تلاميذه يدرسون في أقسام مكتظة أكثر من 40 متعلما في القسم الواحد. طاولات محفورة مليئة بكتابات بدون معنى أو شتائم ورسوم جنسية. محيط المدرسة بدون حماية مرتع خصب لباعة المخدرات والمتربصين بالتلميذات.
أما مدارس المغرب العميق وهو أكثر الأجزاء تضررا من العالم القروي فمدارسه لم تبن بعد أو مازالت مجرد أرقام إحصائية لمخططات مستقبلية.
يختار المسؤولون والذين عادة ما يكونون في عجلة من أمرهم أو يكونون في حالة دهشة وتذمر وتعب عند وصولهم لهذه المناطق البعيدة يختارون أسوأ الأماكن في القرية أو المدشر، بعيدا عن القرية، قرب المقبرة أو احد الأجراف أو الأودية، يضعون بسرعة ألواحا أو حيطان خشبية أو قصديرية مسبقة’الصنع يقفلون الباب الخشبي ثم يرحلون .
بعد مدة تأتي الطاولات التي لا تجد من ينقلها إلى القرية فيتطوع بعض الساكنة لنقلها بالبغال والحمير.
المرحلة الثالثة هو إرسال المعلم: هذا الأخير بعد أن يتخرج من مدرسة تكوين المعلمين تعطيه النيابة ورقة قرار التعيين مكتوب عليها اسم المدرسة والجماعة القروية التي سيعمل بها.
للوصول للمدرسة حافلة تنقله غالبا إلى مدينة صغيرة ثم نقل قروي شاحنة أو عربة’تنقله إلى قرية ثم سيرا على الأقدام لكيلومترات إلى مركزية المدرسة حيث سيلتقي المدير الذي سيعطيه علبة طباشير ويخبره بالقسم الذي سيتولى تدريسه. هذا النوع من الأقسام لم يسمع عنه قط غالب أطفال المغرب الذين يعيشون بضواحي العاصمة أو الدار البيضاء الذين لم يدرسوا إلا في قسم واحد بأستاذ واحد .
أقسام العالم القروي العميق تجمع عدة مستويات في حجرة دراسية واحدة وفي نفس الوقت لنفس المعلم. كأن يدرس المعلم المستوى الثالث والرابع والخامس والسادس إبتدائي في نفس الحجرة حيث يضطر المعلم لتقسيم الوقت والتركيز على هذه الأقسام والاشتغال على أهم ما في الدرس. حينها يصبح تحقيق 50 أو 60 ‘ من الدرس هدفا صعب المنال.
قسوة المناخ وتضاريس العالم القروي العميق لم تكن يوما في حسبان مخططي ومنفذي برامج تعميم التعليم. هذه الحجرات الدراسية التي بنيت على عجل غير مُعدة لتحمل البرد شتاء أو الحر صيفا أو حتى معدلات الرطوبة التي تأكل وتعفن الألواح الخشبية.
يتحول القسم إلى ثلاجة تُجمد الأصابع الصغيرة للأطفال وتجعل إخراج الأيدي أو مسك الأقلام قضية حياة أو موت. وتحول وضع الأقدام على أرضية القسم الحجري كصعقها بالتيار الكهربائي من شدة البرودة.
أما في الصيف فتتحول الحجرة إلى فرن ساخن وعادة ما تدخل الحيوانات الخطيرة كالعقارب القاتلة أو الأفاعي إلى هذه الحجرات لكون أغلب أو كل المدارس تبنى وسط الأحراش والغابات بدون تهيئة لمحيطها أو حتى بناء سور يفصلها عن المحيط.
من أهم الفروق بين الإنسان والحيوان هو مسألة قضاء الحاجة الطبيعية فكل إنسان لا يستطيع العيش بكرامة كاملة إن حرم ولو ليوم واحد من المرحاض أو المرافق الصحية. لكن في اغلب مدارس العالم القروي العميق وجود المراحيض من الكماليات أو الرفاهية البعيدة. كأغلب المدارس لا وجود للمراحيض وكأن تلاميذها ومعلميها روبوتات أو صخور لا حياة فيها.
يرفع التلميذ، أو التلميذة، إصبعا مستأذنا من معلمه أو معلمته الخروج إلى المرحاض الذي غالبا ما يقصد منه الذهاب لقضاء الحاجة وراء الشجيرات أو الصخور بعيدا عن أعين الفضوليين.
ضعف البنية المدرسية، سوء التخطيط التربوي، الفقر والتهميش، كل هذه المشاكل والمعضلات تؤثر سلبا على التحصيل الدراسي لتلاميذ المغرب القروي العميق الذين لهم نفس حقوق أمثالهم ونفس كرامتهم ونفس أحلامهم . في انتظار اليوم الذي تتغير وضعيتهم فيه إلى الأحسن.
د.عبد الحميد أبو زرة
المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية