إنها لازمة قديمة.. قديمة مثل العالم، كما يقول التعبير الفرنسي، ففي المجال العام كلمات يحدث تداولها جملة من ردود الفعل غير محمودة العواقب، ومن الأحسن تجنبها متى أردنا المحافظة على قوانين ‘السليم سياسيّا’، كما يقول التعبير الفرنسي أيضا.
ويمكن تفسير المراد بـ’السليم سياسيّا’ على أساس مخطط واسع الانتشار في المجتمع الفرنسي يهدف إلى إخضاع الناس لتوجه إيديولوجي يرشدهم إلى سواء سبيل مجهّز مسيّر. وآخر ما يرغب فيه واضعو مخططات من هذا النوع ترك الفرد يساءل الحقائق ويراجعها، لعل سبل تفكير ونقد وتمحيص لا قبل له بها تنكشف له ولكثيرين بها.
‘ترك الفرد يسائل الحقائق ويراجعها’، قلنا.. فلنقف قليلا عند فكرة المراجعة والرجوع، لنقف عند ما يفيده جذر ‘ر ج ع’ العربي من دعوات للتأمل والعودة إلى الحقائق، لفحصها فحصا جديدا يمكّن من تسليط أضواء عليها، غير تلك التي كانت تنيرها سلفا.
أجل لنعد إلى موضوع الرجوع والعودة، ولنكثّف مساعينا لإحداث ما سنسمّيه دورية لغوية، ينشط فيها أفرادها بحثا عن أصول الكلمات وجذورها، كما تؤدي قوات الأمن دورياتها فلنسمها قوات الأمن اللغوية حيث تقوم هذه وتلك بالعودة المنتظمة إلى المواقع الموكول إليها مراقبتها. وهنا سأعتمد على بيت شعري اكتشفته في دراساتي العربية أيام الطفولة، فأثار انتباهي ثم نُقش’في ذهني مثل النقش على الحجر، بيت معروف على فكرة، وأنا سأركز في الواقع على شطر بيت بل إن أردنا الدقة جزء من شطر بيت. فهاكم البيت أولا:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي
أما الشطر الذي جلب انتباهي بتميّز فهو ‘رجعت لنفسي’، وصاحبة الكلام والقصيدة معروفان، صاحبة الكلام، اللغة العربية، والقصيدة، قصيدة اللغة العربية للشاعر المصري حافظ إبراهيم. ولئن كانت صاحبة الكلام والقصيدة وصاحب القصيدة أيضا باتوا في حكم مشاهير الأدب العربي، فإن مغزى شطر البيت وأبعاده، شأنهما شأن أبيات وأشطر معروفة كثيرة، ذهبوا، إن لم نقل أدراج الرياح، فإلى طبقات مدفونة من الذاكرة تلفّها غياهب النسيان لفّا.
في تعبير ‘رجعت لنفسي’، تشكو اللغة العربية مما سيتبيّن، من قراءة القصيدة، أنه وضعها الذي جرّها إليه مستخدموها جرّا: وضع مأسوي مصدره في نهاية المطاف، المآلات الطبيعية التي تؤول إليها كل لغة عندما تختفي معاني الكلمات تحت غطاء لم يعد معه في المقدور ـ لكثافته ـ النفوذ إلى قعرها، وإن أمكن، فليس من دون معاناة قد يؤدي بمنقّبي المعنى، الأساتذة والنقّاد والكتاب مثلا، وأيضا الصحافيين، إلى عدم الوقوع في حسن الظنّ العام.
من هذه الكلمات التي أدعوك في هذا المقال، عزيزي القارئ، إلى مراجعتها على منوال مراجعة اللغة لنفسها، كما قال الشاعر، كلمة مستشرق.
فكلمة مستشرق جديرة بعناية أهل اللغة من نقاد وكتاب ومدافعي الكلمات عن الغزوات المستمرة التي تتعرض لها الدلالات المعنوية. إن كلمة مستشرق من أبين النماذج الشاهدة على تقصير التاريخ في حق إشعاع كلمة اعتبرها من أجمل كلمات اللغة العربية.
أجل، فقد ارتبطت كلمة مستشرق بسياق تاريخي لن نجانب الصواب إن قلنا إنه شحنها بدلالات كان بالإمكان فصلها منها تماما، لو احتفظت للكلمة ببعدها المعنوي الأصيل الذي يفيد جانبا أساسيا من طلب المعرفة: الانتهال من ثقافات الشرق والتوسل بأطرافها الفاعلة للغوص في قعرها.
غير أن السياق المعرفي هذا ما لبث أن ناء تدريجيا تحت نيّر وجه من وجوه تاريخنا الدولي المتمثل في الاستيلاء على أراضي الغير ـ وإن لفترة مرحلية ـ بذريعة تنوير الشعوب، وإدخالها في حظيرة التقدّم الحضاري.. فما بات يدخل تحت تصنيف الاستعمار ـ بوجوه متنوعة تتوزع بين احتلال وحماية وتوطين ـ انسحب على مفهوم لم يرتبط أصلا بإيديولوجيا ولا منطق تفكير ولا عقلية، فصير إلى إلحاق مدلول سلبي بالكلمة – إن لم نقل سيّئ – ظلمها ظلما. هنا بدأ التداول بكلمة مستشرق في حقل أخلاقي محفوف بالأفكار النمطية والقوالب الجاهزة، فزجّت في مجال السجال التنظيري زجّا، ودخلت ساحة النقاش العام الذي لا يخلو من توجيه، لتصل إلى مستوى الاحتجاز الفكري الذي أنزل استخدامها اليوم إلى منطقة المحظورات، وهي منطقة جعلت منها من الآن فصاعدا تعبيرا يعدّ من خبر كان في أحسن الأحوال، وتقصيرا في حق أهلها في أسوئها.
وهكذا وضعنا جانبا كلمة مستشرق، كلمة تأتيك بمفتاح الدخول إلى عالم لم ولن ينتهي من كشف أسرار وخبايا لم ولن تنضب، ناهيك عن مدلولها الشعري السحري الذي يفـــوح عطر الهجــــرة إلى مواطــن غير معهودة ومقاصد يعزّ التحليل عن استفراغها.
ذهبت كلمة مستشرق في مهبّ الريح وتلاشى معها محيطها البديع الخلاّق، فجاءت كلمة مستعرب لتختصر المعنى في شيء غامض يسمّيه البعض تعاطيا للغة العربية، كما لو لم يكن التعاطي للغة الضاد شقّا مركزيا من اهتمامات المستشرق، ففقدنا إيحاءات الاستشراق قلبا وقالبا، ليحل محلها هذا المستحدث اللغوي الغريب، ‘المستعرب’، الذي بدأنا ننظر بسببه ـ وبغير وجه حق – إلى مستشرق تاريخنا الفكري العريق بعين الاستغراب.
‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي