بعيدا عن المنافسة في مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية في دورته الثانية التي بدت قوية في ظل تقارب مستوى معظم الأفلام، فقد ظهر طابع عام يمكن ملاحظته في النسبة الأكبر من أفلام المسابقة، هو علاقة البشر في الأفلام بمساحاتهم الشخصية، سواء بالبحث عن هذه المساحات، أو الحفاظ عليها، أو علاقتها بمساحات من يعيشون في العالم المحيط، وهذا هو المدخل الذي سنحاول من خلاله التطرق لبعض أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان الأقصر.
الحق في مساحة مساوية
البداية من فيلم الافتتاح، وهو الفيلم المصري الوحيد بالمسابقة، ‘لا مؤاخذة’ ثالث الأفلام الروائية للمخرج والمؤلف عمرو سلامة، والذي استضاف المهرجان عرضه العالمي الأول، بعدما حصل أخيرا على موافقة الرقابة بالعرض، بعد أن كان الرقيب قد رفض السيناريو بحجة الإساءة لسمعة مصر وإشعال الفتنة الطائفية. الفيلم ينتهج قالب كوميدي ذو حس حداثي، بحبكة تقوم على سوء تفاهم: ماذا لو اضطر طفل مسيحي الإعداء أنه مسلم خوفا من تبعات إعلان ديانته الحقيقية في مدرسته؟
رفض الرقابة المبدئي، وشعارات الوحدة الوطنية، وصور القبلات المصطنعة بين القساوسة والشيوخ، كلها أمور لا تنفي وجود نوع من الظلم الطائفي في مصر، وهو ظلم ذو سمات طبقية أيضا، فعادة ما يتواجد بنسب أوضح في الطبقات الأكثر فقرا، بالرغم مما تروجه الحكايات القديمة عن نفس الطبقات، باعتبارها مكان التآخي والمحبة.
وهو الموقف الذي يتورط فيه الطفل هاني، عندما يتوفي والده، لتجبر الظروف المادية الأبن على الانتقال من مدرسته الدولية المتطورة إلى مدرسة حكومية فقيرة، يعاني فيها الأمرين حتى يقدم على كذبته الصغيرة.
أزمة هاني هي رغبته في الاحتفاظ بما تبقى من مساحته الشخصية، والتي تضائلت تلقائيا بانتقاله لعالم المدرسة الجديدة، بما جعله يخشى أن تتقلص مجددا بإعلان كونه ‘كوفتس’، حسب الوصف الشعبي المهين للأقباط. هاني لا يتعرض لاضطهاد ديني بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإلا اتخذ الفيلم بعدا حقوقيا مباشرا كان أزمة الفيلم السابق للمخرج، ولكن الكارثة هنا هي تسلل شعور لطفل يمتلك كل حقوق المواطنة، بأن إعلانه الانتماء لديانة الأقلية سيعني تلقائيا خسارته للمزيد من الحقوق.
الحس الفانتازي في السرد يبرر بعض الأخطاء البديهية الكفيلة بتقويض السيناريو بأكمله، وأولها أن كل مدرس في المدارس الحكومية يملك كشفا به أسماء التلاميذ الكاملة وديانتهم، بصورة تجعل أزمة الفيلم نفسها غير قابلة للحدوث، ولكن المخرج المؤلف يحل هذه الإشكالية بالتأكيد من البداية وعبر قالب السرد والحس الإخراجي، بأنك لا تشاهد فيلما واقعيا، ولكنه فيلم عن الواقع. ولنفس السبب يمكن اعتبار أضعف مناطق الفيلم هي المناطق التي اتخذ العمل فيها منحىً واقعيا، يكاد في بعض النقاط يمس حدود الميلودرامية. ولكن إجمالا يمكن اعتبار الفيلم أفضل أعمال مخرجه السينمائية حتى يومنا هذا.
المساحة في وطن يخنقها
مرحلة أبعد قليلا في البحث عن المساحة حملها الفيلم الجورجي الرائع ‘عنفون الشباب’ أو ‘In Bloom’ للمخرجين سيمون غروس ونانا إيكفتيمشفيلي، والذي يرصد سنوات المراهقة والتفتح لفتاتين تعيشان في بداية التسعينيات بجورجيا، وبالتحديد في وقت حرب أبخازيا التي حملت المجتمع الجورجي الذكوري الطبيعة، بالمزيد من قسوة الحياة على البشر عموما، وعلى الإناث خصوصا.
الصديقتان إيكا وناتيا فتاتين تجمعهما صداقة قوية، رغم اختلاف شخصية كل منهما، فأحدهما منطلقة للحياة جريئة تبحث عن مساحة للتواجد بعيدا عن المشكلات الدائمة داخل منزلها، والثانية هادئة متحفظة تعيش أزمة غياب الأب السجين.
هذه الفروق الشخصية دعمت صداقة الفتاتين في مواجهة هم واحد، هو العيش داخل هذا المجتمع القاسي، الذي تتحمل فيه الإناث الكثير، وتعانين في نفس الوقت من التمييز والظلم الاجتماعي، والذي يصل لأن تضطر الفتاة المنفتحة بأن تترك حلمها وتتزوج من شاب فاشل قام باختطافها أمام أعين الجميع، دون أن يجرؤ أحد على التدخل لحمايتها. بل يصل الأمر بأحد الرجال أن يصفع صديقتها التي وقفت تتهم الجميع بالتخاذل، معتبرا ما قالته من حقائق سباب وإساءة أدب!
الفيلم يرصد تلك المرحلة المفصلية في حياة الصديقتين، قبل الزيجة وبعدها، معتمدا في ذلك على بناء سردي يمزج بين الكلاسيكية في الحفاظ على وحدة الزمان والمكان، والحداثة في تطوير الدراما بصورة حكايات صغيرة تتعرض لها الفتاتين، فيشكل تواجدها بجوار بعضها دفقة شعورية وفكرية كبيرة يتلقاها المشاهد، تبلغ ذروتها ـ على الصعيد التقني ـ في مشهد زفاف ناتيا على مغتصبها، والذي ترقص فيه إيكا رقصة الذبيحة، في حداد يتم بينما يعتقد كل الحاضرين أنه مجرد احتفال.
الرقصة الجورجية التي صورها المخرجان في لقطة واحدة طويلة تمتد لدقائق، وأدتها الممثلة الصغيرة بتمكن مشهود، هو مشهد سيبقى طويلا في ذاكرة كل من شاهده.
البحث عن مساحة خارج الوطن
شكل آخر من العلاقة مع المساحة الشخصية هو الرغبة في الفرار من الواقع، حلم الهجرة بحثا عن عالم ذي فرص ومساحات وأحلام أكبر، وهو شكل جمع بين ثلاثة أفلام مشاركة في المسابقة، أبرزها الفيلم الصربي ‘مُهلك’ أو ‘Withering’ للمخرج الشاب ميلوش بوزيتش. بطل الفيلم يانكو يعود لقريته بعد فترة من العمل في العاصمة بلغراد، فتسعد أمه الوحيدة برجوعه، قبل أن تُصدم باكتشافها أنه عاد لغرض وحيد: بيع قبر والده لتوفير المال اللازم ليهجر صربيا كلها بحثا عن مستقبل أفضل.
التصوير بطل حقيقي في الفيلم، فالصورة المصنوعة بروح تشكيلية وبوعي كامل بقيمة الظل والنور، ساهمت بشكل واضح في تغيير مسار القصة من صراع تقليدي حول الجذور/ الأرض/ العائلة، إلى تجسيد الأزمة الداخلية التي يعيشها يانكو، الممزق بين حبه لوالدته وما تمثله من تاريخ وأرض وذكريات، وبين قناعته بأن هذا الحب مُهلك، كما يقول عنوان الفيلم. لنخوض معه صراع الاستسلام لنداء الوطن ليعيش كصديقه الذي تعرض بالفعل للإهلاك، أو يخرج لحلمه مكللا بلعنات الجميع، وعلى رأسهم والدته نفسها.
انتماء ياركو لجذوره يتناقض تماما مع موقف إيلا بطلة الفيلم السلوفاكي ‘معجزة’ للمخرج يوراي ليوتسكي، والتي تعيش هي الأخرى على حلم الهجرة إلى لندن لتعمل هناك كمصففة شعر، ولكن حلمها يرتبط بكراهيتها لواقعها كله، لوصاية والدتها التي تصل لوضعها في دار رعاية عندما تدب بينهما مشاجرة، وللحياة المفروضة عليها منذ أن وجدت نفسها في هذا العالم. الرغبة في الهرب تصل بها لحدود تدميرية، عندما توافق على أن تصير سلعة تباع وتشترى بالعمل في الدعارة، في تعبير عما يمكن أن يصل له الإنسان الباحث بيأس عن مساحته في الحياة.
الفيلم يروي حكايته المليئة بالتعقيدات النفسية في إيجاز بليغ، ويأخذ المخرج اختياراته السردية بعيدا عن التصورات التقليدية للحكاية، بل يبدأ من نقطة في منتصف مسار شخصيته، كاشفا عن ماضيها في سياق مشاهد لا تصارحنا أبدا بالمعلومات، بل تزرعها بشكل خافت في طيات دراما تبدو على السطح هادئة ساكنة، بينما هي في جوهرها مليئة بالتوتر الذي يصل للرهان على الحياة نفسها.
وبالرغم من تخبطها، فإن الفتاة إيلا ـ بشكل أو بآخر ـ تربح رهانها، وتعيد اكتشاف الحياة عبر ‘معجزة’ الحمل والولادة، على العكس تماما من ساشا بطل الفيلم الروسي ‘حياة طويلة وسعيدة’ إخراج بوريس كليبنيكوف، والذي يخسر هذا الرهان بالتورط في قرار لا يمتلك القدرة على تنفيذه.
فساشا الحالم أيضا بترك حياته الريفية الشاقة وعمله في المزرعة التي يديرها، ببيع المزرعة لمستثمرين واستغلال المال في الانتقال لحياة مدنية مريحة، يتسرع بأخذ قرار البيع دون التأكد من توازي رغبته مع رغبة أهالي المزرعة.
الأهالي دائمي الشكوى من واقعهم، لكنهم يعلمون أنه أفضل ما يمكن عمله للحفاظ على حياتهم، وأنهم إذا ما باعوا أراضيهم للمستثمرين، فقد ينعمون بالراحة لبعض الوقت، ولكنها راحة مؤقتة يفقدون معها مصدر دخلهم الدائم، فضمان استمرار الحياة أهم من جودتها بالنسبة لهم، أي أن الاختيار يقع بين أن تكون الحياة طويلة أو سعيدة، في التناقض الذي يشير له عنوان الفيلم، وهو نفس التناقض الذي يصل بساشا لحد الجنون، عندما يفشل في التعامل مع تبعات قراره القانونية من جهة، وتبعاته على جيرانه وأهله من جهة، فيتحول في النهاية إلى قاتل يرتكب جريمة عبثية لن تحل أبدا الورطة التي وضع نفسه بها.
على الرغم من أن الفيلم يمتلك في حكايته أكبر قدر من الدراما بمعناها الكلاسيكي، بين الأفلام الثلاثة التي تطرح نفس الرغبة في الهرب من الواقع، وعلى الرغم من كونه العمل الوحيد من أفلام الأقصر الذي شارك بالمسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، إلا أنه كان أقل الأفلام استفادة من قوته الداخلية على الصعيد التنفيذي، وجاء التباطؤ المتعمد في تحريك العناصر، سواء في الدراما بشكل عام، أو في تبعاتها على نفس الشخصية، كحائل كبير في وجه التلقي، خاصة فيما يتعلق بهضم واستيعاب التحول الأخير في حياة البطل.
وفي النهاية
خمسة أفلام من أصل أحد عشر فيلما تماست مع فكرة المساحة الشخصية لأبطال الدراما، بعضها بتمكن كبير مثل فيلمي ‘مُهلك’ و’عنفوان الشباب’، وبعضها بشكل أقل نجاحا. ولكن يبقى الاستنتاج النهائي متعلقا بقيمة الطرح في عالمنا المعاصر، الذي صار الإنسان فيه يقاتل في معظم الأوقات، بشكل فردي تماما، في مواجهة عالم يزداد صعوبة وتعقيدا يوما بعد يوم.
‘ ناقد سينمائي مصري