نصيحة للسيسي: إن لم تحقق لهذا الشعب ما يريده منك فاعتذر وليأخذها غيرك… والتجارب الوطنية لا تستنسخ

حجم الخط
7

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ رغم انه لم يكن الخبر الرئيسي في الصحف الصادرة أمس الأربعاء 5 فبراير/شباط، الا أنني اعتبره الأهم، وهو ثاني قرار لوزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم بإزالة الحواجز من أمام مبنى مديرية أمن محافظة الجيزة، ومن أمام عدد من أقسام الشرطة. وكان قد قرر من قبل رفع الحواجز من شارع قصر العيني أمام مبنى مجلس الشعب والوزراء وشارع الفلكي.
وهو ما يعكس ثقة متزايدة من الأمن بحصار الأعمال الإرهابية . وكان الموضوع الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة للغالبية هو حقيقة انتشار الانفلونزا وعدد من ماتوا بسببها ونوعها، هل هي عادية وموسمية، أم انفلونزا خنازير، والعياذ بالله، ودجاج، خاصة بعد وفاه أكثر من عشرين، بينهم أربعة أطباء، لان وزارة الصحة أكدت أنها انفلونزا عادية وموسمية وستنتهي بعد شهر، وأن من ماتوا لم يتحملوا الأنفلونزا لوجود امراض اخرى لديهم. كما نشرت الصحف محاكمة الرئيس السابق محمد مرسي واخرين وقضية قصر الاتحادية.

المصريون وجدوا في ناصر المخلص
من ظلمات العهد الملكي البائد

ونبدأ بردود الأفعال التي لا تكف عن ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي لانتخابات رئاسة الجمهورية، ما بين مرحب وحذر وكاره يخفي كرهه وراء حجج متعددة. ومن يؤيدون السيسي، وهم الأغلبية، يرون فيه صورة الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، ومنهم زميلنا في ‘الجمهورية’ عبد الناصر عبد الله الذي قال يوم الأحد:
‘أراد الله تعالى أن يقيض لهذا البلد الطيب هذا الرجل الذي يجد شعب مصر فيه القائد والزعيم، وبالتالي فالإجماع الذي يحظى به لم يحدث في تاريخ مصر، اللهم الا في عهد خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر، فشعب مصر وجد في ناصر المخلص من ظلمات العهد الملكي البائد، وكأن الأيام تعيد نفسها مرة أخرى..
إن كل طوائف الشعب مجمعون على أن يتولى زمام أمور البلاد القائد الذي وجدوا فيه ضالتهم المنشودة.. وذلك لما يتمتع به من شعبية كاسحة تجعل من الصعب علي أي مرشح آخر أن يجابه هذا الرجل في سباق الانتخابات الرئاسية لذا فلسان حال شعب مصر عن بكرة أبيه يقول.. نعم لسيادة المشير أمل الحاضر وكل المستقبل’.

الجيش لم ينحز لمبارك ولا لأحمد شفيق

طبعا فان من اسمه عبد الناصر لابد أن يقول ذلك، حتى لو كان من الاخوان، وكان لابد أيضاً أن من اسمه السيسي، مثل زميلنا في ‘الأسبوع’ محمد السيسي أن يقول عنه رداً على الذين يهاجمون خلفيته العسكرية:
‘ألم يكن مبارك ذا خلفية عسكرية؟ هل انحاز له الجيش عندما خرجت المظاهرات ضده؟ ثم.. ألم يكن شفيق عسكرياً؟ هل انحاز له الجيش في الانتخابات الرئاسية؟ وهل الشعبية التي حازها السيسي في الشهور الماضية تجعله يحتاج أي تدخل من أي مؤسسة لمساندته؟.. ألم تروا الملايين التي خرجت في 26 يوليو/تموز لتفويضه في مواجهه الإرهاب؟.. ألم تفهموا بعد نتيجة الاستفتاء أو لماذا جاءت الموافقة بنسبة 98% ؟’.

أيمن نور: مصر
من 1954 إلى 2014 للخلف در

أطرف التعليقات التي صاحبت البيان ما صرح به أيمن نور زعيم حزب غد الثورة، الذي قال عبر صفحته على ‘تويتر’ إن ‘بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يعد تدخلاً غير مسبوق في العملية السياسية، وخلطاً غير مفهوم بين مؤسسات الدولة والأحزاب.. مصر من 1954 إلى 2014 للخلف در’.

بالعدالة الاجتماعية تعود الطبقى الوسطى

أما زميلنا بـ’الأخبار’ إمام الساخرين أحمد رجب فكان رأيه يوم الاثنين هو:’بالعدالة الاجتماعية يستطيع الرئيس السيسي أن يعيد الطبقة الوسطى التي كانت سند الزعيم عبد الناصر، والتي اختفت في زمن الفساد الأكبر رغم أن معدل التنمية قبل ثورة يناير/كانون الثاني كان 75%، وتسرب كله إلى بنوك سويسرا، ولم تبق في مصر إلا طبقتان: طبقة الحراميه أكلة صدر النسر من باريس، وطبقة أكلة المش، وحتى الوزير الشريف الذي ينتمي إلي الطبقة الوسطى المفقودة دخل في إمرة محدودي الدخل، علماً بأن معنى العدالة الاجتماعية اختلف الان في دول أوروبا الغنية عن معناها الفقري في عهد ستالين’ .

مصر غير مؤهلة لعودة الناصرية

ومن ‘الأخبار’ إلى ‘الأهرام’ في اليوم نفسه وصديقنا المحامي الكبير وأحد نواب رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري أحمد عبد الحفيظ، وتفسيره الارتباط بين السيسي وخالد الذكر قال فيه: ‘مصر لم تعد على جميع المستويات في حالة مؤهلة لعودة الناصرية، والتجارب الوطنية لا تستنسخ والرجال لا يتكررون. استنساخ التجارب مستحيل وهكذا فالسيسي ليس عبد الناصر ولن يكون، ومن حق الجماهير أن تقارن بين الرجلين في أحلامها ومشاعرها، ومن حق السيسي أن يسعد بهذه المشاعر، ولكن ليس من حق النخب الناصرية أو المعادية لعبد الناصر أن تعتمد هذا المعيار لتحديد موقفها من تأييد السيسي أو معارضته. السيسي رجل مختلف لمرحلة تاريخية مختلفة وانجازات أخرى هي التي ستحدد دوره الحقيقي في تاريخ هذا الوطن ومن أراد تأييده فليفعل ذلك بناء على هذه الحقيقة، من دون أي تهويمات أخرى، السيسي يحتاج لكل صوت يؤيده لذاته ولدوره الوطني المطلوب بلا زيادة ولا نقصان، وهو دور لا يستلزم من الرجل أن يكون عبد الناصر جديدا، سواء في أوهام خصومه أو في أحلام مؤيديه’ .

نصائح للسيسي
في حملته الانتخابية

ثم نغادر ‘الأهرام’ إلى ‘المصري اليوم’ في اليوم ذاته لنستمع الى زميلنا محمد الجلاد وهو ينصح السيسي ببعض ما هو آت: ‘ابتعد كل البعد عن البذخ في حملتك الانتخابية، ويفضل بالنسبة لك أن تعلن أنك لن تنفق جنيهاً واحداً على حملتك الانتخابية، خاصة وأنت من وجهه نظري لست في حاجة لأي بوسترات أو إعلانات تلفزيونية أو إعلانات شوارع لما تتمتع به من تأييد شعبي جارف. في خطابك أو خطابيك كمرشح للأمة أرجو أن تركز على ضرورة إحداث مصالحة وطنية، وفي حالة عدم قبول هذه المصالحة الوطنية فليس أمامنا سوى استخدام قوة القانون وعصا السلطة لإنهاء هذا العراك السياسي الذي أنهك مصر ويهدد أمنها القومي والاقتصادي. إن كنت تنعم الان بتأييد الجيش وتأييد الشعب فكن حذرا جدا حين تتولى السلطة من كل هذا التأييد، فهما من كانا يؤيدان مبارك، وهما من أقصياه وقذفا به الي السجن. واعمل جاهدا على أن تحافظ على هذا التأييد الجارف بحسن حكمك وطهارة يديك وحسن اختيارك لوزارتك وحاشيتك. إن كنت تستطيع تحمل هذه المسؤولية الثقيلة للغاية فامض على بركة الله، وإذا كنت لا تستطيع ولن تحقق لهذا الشعب ما يريده منك فاعتذر وليأخذها غيرك، لأن صدمة الشعب ستكون فيك بلا حدود إذا أخذتها ولم تستطع فعل ما يريد منك أن تحققه وتنجزه .. مع إيماني الكبير بأنك إذا أخلصت واتقيت الله ستكون فترة حكمك نقطة فارقة مضيئة في تاريخ مصر، والله سبحانه وتعالى من وراء القصد’.
استقلالية المثقف صانع الرأي

وإلى المعارك والردود المتنوعة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء، حيث بدأنا جولتنا بالتوجه الى الدكتور عمرو حمزاوي، في جريدة ‘الشروق’ ومقاله الذي عنونه بـ’هامش للديمقراطية’.. ومما قاله فيه يوم الاثنين عن ثورة يوليو 1952: ‘منذ خمسينات القرن الماضي، توطن في مصر نمط للعلاقة بين الحكم والمثقف التبريري، يستند من جهه إلى استماع الأول للثاني بهدف الدفاع عن السياسات والممارسات والتأثير على تفضيلات الرأي العام وصياغة أطر قيمية أو أيديولوجية تسهم في بناء شرعية الحكم واضفاء هالات البطولة على الحاكم الفرد أو الرئيس المستبد، وينطوي من جهة أخرى على عوائد مادية ومعنوية للمثقف التبريري الذي يصعد مهنيا واجتماعيا ويحمي وجود المساحة العامة وقد يدفع به إلى المشهد السياسي على مقربة من مراكز صنع القرار التنفيذية، أي تلك المرتبطة برئاسة الجمهورية وبالمؤسسات الحكومية. فالحكم استساغ تدريجيا وجود أغلبية من المثقفين مستعدة للتبرير ولخدمة أهدافه وفقا لحسابات أو أكلاف معلومة سلفاً، وقبل أيضاً تدريجيا أن توزع جموع المثقفين التبريريين على مؤسسات وأجهزة الدولة بنهج تخصيصي.
والحقيقة أن نمط ‘ الاستتباع في مقابل العوائد والحماية ‘كالنمط الناظم للعلاقة بين الحكم والمثقف التبريري وبجميع تفاصيله ما زال هو النمط السائد في مصر، وكأن السنوات الثلاث لم تحمل تغييراً أو رغبة في التغيير نحو حرية في التعبير عن الرأي واستقلالية للمثقف صانع الرأي’ .

عمرو حمزاوي غاضب
لعدم استضافته في البرامج المسائية

ولم يكن حمزاوي يدري أنه في نفس اللحظة كان ينتظره في ‘الوطن’ الطبيب خالد منتصر ليقول عنه في عموده اليومي ـ خارج النص: ‘لم أندهش من تقرير رويترز الذي طرح فيه حمزاوي واشتكى من عدم استضافته في الفضائيات، بل حدد أكثر بحزنه عدم استضافته بالبرامج المسائية الشهيرة التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية، بعد أن كان يستضاف بشكل يومي. للأسف الشديد هو ده اللي فارق معاه بجد، وهذه هي الحقيقة المرة الصادمة التي لابد أن نعرفها عن سر غضب البعض على الثلاثين من يونيو/حزيران، وهي أنها حرمتهم من منصة ونشوة الظهور التلفزيوني والنجومية الزائفة التي صنعتها عدسات غبية وإعلام لاهث ساذج. والمدهش أن المذكور يكتب عمودا يوميا ولكنه يعرف جيدا ان كتابته للأسف رديئة وتحتاج الى مترجم لغة الصم والبكم’ .

الذين تاجروا بالثورة أكثر من الهم على القلب

وإلى ‘الأخبار’ عدد اليوم نفسه وزميلنا خفيف الظل احمد جلال الذي وجه هجومه في بروازه ـ صباح جديد ـ ضد خطيب وإمام مسجد عمر مكرم الشيخ مظهر شاهين، بسبب مطالبته أي زوج له زوجة اخوانية وتصر على موقفها أن يطلقها، قال جلال:’ ثورة يناير ليست كلها ايجابيات، لكن لها أيضاً سلبيات والشيخ مظهر شاهين إمام مسجد عمر مكرم وخطيب الثورة أحد الاكتشافات التي احترنا في أمرها.. شاهين خلع الجبة والقفطان ولبس البذلة والكرافتة، وأصبح مظهر أفندي، ولم يكتف بمنبر الجامع، ولكنه قدم برنامجا سبوبة على احدى القنوات الفضائية.. ولأن الذين تاجروا بالثورة أكثر من الهم على القلب فقد تحملنا الشيخ مظهر، لكن ما لا يمكن تحمله هو المتاجرة بالدين والهلفطة في فتاوى ليست من الإسلام في شيء .. الشيخ مظهر أفتى بوجوب طلاق الزوجة الاخوانية وطبعا هذا كلام فارغ لا علاقة له بالدين ولا يصدر من بتاع بطاطا وليس من عالم أزهري، ربنا يتوب علينا.. ‘.
هذا وكانت دار الإفتاء قد أصدرت بيانا هاجمت فيه مظهر ورفضت كلامه.

إبراهيم عامر: يجب أن نكون
منصفين عند الحكم على مبارك

وفي نفس عدد ‘الأخبار’ أخذنا زميلنا إبراهيم عامر إلى قضية أخرى هي:
‘يجب أن نكون منصفين عند الحكم على الرئيس مبارك فان له ما له وعليه ما عليه ويجب ألا نهيل التراب على 30 سنة كاملة هي مدة حكمه، ويجب ألا نغفلها من تاريخ مصر، وما نحن فيه الآن وما تكشف من ممارسات الإخوان وإرهابهم منذ وصولهم للحكم الذي لم يستمر إلا عاما واحدا كشف لنا الحقائق كاملة، نعم كان هناك بلا شك فساد في الكثير من المجالات جاء نتيجة طبيعية لطول فترة حكم مبارك مما جعل هناك نوعا من التوحد بينه وبين كرسي الحكم، ولكن هذا لا يعني أن جميع من كانوا في عصره فاسدين، وان منهم الكثيرين ذوي خبرة وكفاءة وعناصر متميزة، وان معظم الموجودين على الساحة الآن والقائمين على إدارة شؤون البلاد من ايام مبارك، فهل معنى هذا أنهم فاسدون، وكذلك رجال الأعمال والمستثمرين فان منهم الكثيرين من الشرفاء ويحرصون على مصلحة مصر، فإذا كانت قله متهمة بالفساد والاستغلال من نظام مبارك يجب أن نحكم بالعدل حتى لا نحرم مصر من عناصر جيدة وذوي الكفاءات في كافة المجالات وعلينا أن لا ننخدع بالشعارات التي يرددها البعض’.

لم ينتفض شعب مصر
لكي يعود نظام مبارك

وهذا الكلام لم يعجب زميله في ‘الجمهورية’ عبد الجواد حربي لذلك قال في نفس اللحظة والتو: ‘لم ينتفض شعب مصر ضد جماعة أرادت الاستئثار بالسلطة والانحراف بالوطن عن مسار الثورة، وليستعيد نظاما فاسدا. ولم تأت ثورة 30 يونيو لتمسح بأستيكة مبادئ ثورة 25 يناير التي أريقت من أجلها دماء مئات الشهداء والمصابين في ميادين المحروسة، كما لم يخلع المصريون الرئيس محمد مرسي ليعيدوا انتاج نظام حسني مبارك الفاسد، ولم يصبروا على انفلات أمني وضياع اقتصادي على مدى ثلاث سنوات ليعود حبيب العادلي المستبد وجابي الضرائب الكبير يوسف بطرس غالي وباقي طاقم العهد المشؤوم من جديد. أقول ذلك بعدما عاد رموز الحزب الوطني المنحل للظهور ببجاحة عبر فضائيتهم، خاصة في الفترة الأخير’.

الآن ليس ثمة شيء يوحدنا

ومن ‘الجمهورية’ الى جريدة ‘الدستور’ عدد امس الاربعاء ومقال الكاتب الدكتور احمد الخميسي الذي يحدثنا فيه عما يشهده الفكر المصري خلال السنوات الثلاث الماضية من تبدلات وتغيرات:’ لم تشهد مصر على مدى تاريخها سيركاً تبدلت فيه المواقف والأزياء تبعا للمصالح، وتغيرت فيه الأدوار والآراء كالسيرك الفكري الذي شهدته في السنوات الثلاث الماضية. وستبين أي مراجعة سريعة لأرشيف الصحافة خلال تلك السنوات أي تحولات مذهلة وبراقة قام بها جناح ضخم من الأنتلجنسيا من عشرات المواقف إلى عشرات المواقف الأخرى المناقضة.
حاول أن تجد كاتبا واحدا لازمته فكرة لا تفارقه تقوده عبر المنعطفات إلى حقيقة يؤمن بها. حاول أن تجد قطرة نور بيضاء سابحة بثبات إلى الناس. ليس سطح النهر المتدفق بعلب الصفيح وقش الخداع وعكارة العظمة والمكر هو ما يثير الأسف بل شتات النور! حين يكون كل منا وحده يحتكم إلى ضميره لكننا معا عاجزون عن رؤية الهدف وشق الطريق المشترك. في ثورة 1919 كانت ثمة أهداف قومية اجتمع عليها النضال المصري: الاستقلال والدستور. في ثورة 1952 التف الناس حول التحرر الوطني والتصنيع والتنمية. الان إما أنه ليس ثمة شيء يوحدنا، أو أن القدر كما فى رواية العمى لساراماجو حرمنا من البصر ورؤية القاسم المشترك. هناك سؤالان مضمران منشوران واضحان، مبهمان: من الذي نحاربه؟ ولأجل ماذا نحارب؟ لكن ما من إجابة مشتركة على السؤالين، ولا نصف أو ربع أو ثمن إجابة مشتركة. إلا أننا نواصل سيرنا إلى الأمام، بنادقنا على أكتافنا. أقدامنا مغروزة في شهدائنا. نمضي قدما، بأمل أن تشتعل من سيرنا فكرة فنرى عدونا وندرك لأجل ماذا نحارب؟ المأساة ليست في الزيف والكذب، بل في الحقيقة والصدق. المؤلم ليس احتشاد القتامة في السماء، وليس مواقف الذين يدعون أنهم المتحدثون باسم الثورة، ولا الناطقون بما امتلأت به جيوبهم من تمويل أجنبي، ولا قادة الأحزاب الديكورية التي تمارس غسيل الأفكار، ولا الذين يفردون قلاعهم في ريح كل سلطة، المؤلم شتات النور الذي يسبح بثبات نحو آمال الناس في الطعام والعلاج والتعليم والعمل والتنمية والتصنيع والسكن والثقافة. ذلك النور الذي يسعه إذا اندلع أن يحرق بسطوعه عتمة الضياع…
نحن مهددون بجرجرتنا إلى المسار السوري، وبالإرهاب الديني وبعودة حكم الفلول بأقنعة جديدة، وبدولة بوليسية، وبانفجار الأزمة الاقتصادية، وعلى الرغم من ذلك فإن شيئا لا يستنفر فينا التوافق! لكن أيمكن أن نصل إلى تفكير جمعي وتوافق إذا كنا لا نرى من نحاربه؟ ولا ندري من أجل ماذا نحارب؟ ونواصل سيرنا فرادى ببسالة محكوم عليها بالموت، بأمل أن تشتعل الفكرة من خطونا فيلوح طريق’.

الغالبية تبحث عن طرق
لإبعاد المنافسين لا منافستهم

والى جريدة ‘الشروق’ ومقال الكاتب عمرو خفاجي عن الديمقراطية:’ من الواضح أن فكر الإقصاء بات مهيمنا على الحياة السياسية المصرية، وتبدو نزعات إفساح الطريق لفكرة أو لتيار أو حتى لشخص غالبة على فكرة التنافس، أو المواجهة، فغالبية من على الساحة يطرح الاعتراض كمنهج أكثر من الإصرار على الاختيار، والغالبية تبحث عن طرق لإبعاد المنافسين، لا منافستهم، وتتكشف كل يوم حالات من فكر الاحتكار في جميع الاتجاهات، وما كان يفعله الحزب الوطني مازال موجودا بشكل أو بآخر في بنية الصراع السياسي الدائر حاليا، طبعا كل ذلك على حساب التقدم بأفكار وبرامج للرأي العام، فما نسمعه فقط هو اعتراض على الآخر ورفضه، الاعتراض على شخصه أو تاريخه، لا اعتراض على أفكاره وبرامجه، لأنه حتى هذه اللحظة لم نر أية أفكار أو برامج حقيقية مطروحة على طاولة الحوار أمام الرأى العام…
لا أعرف لماذا يصرخ الجميع من أجل الديمقراطية ويمنح نفسه وفريقه جميع الحقوق، ويطالب بحجبها ومنعها عن آخرين وفقا لتقديراته وتقييماته، وهي ليست صحيحة دائما، وحتى لو كانت صحيحة فيجب طرح ما يدعيه للاختبار العام، وغالبا يعرف الرأي العام كيف يفرز جيدا بين ما هو صالح وما هو طالح، أما إذا برروا مواقفهم بأن الرأي العام غير قادر على ذلك، فهم يسقطون في ذات المقولات التي اعترضوا عليها والتي اشارت إلى أن الشعب غير مؤهل للديمقراطية، مثلما قال أحمد نظيف رئيس الوزراء قبل الثورة، وعمر سليمان نائب رئيس الجمهورية بعد الثورة، وهي مقولات شهدت هجوما عنيفا من الكافة، لكن من الواضح أن هناك من يؤمن بها ولا يدرك ذلك، لأن فكر الإبعاد والإقصاء وعدم الخضوع للاختبار بدعوى جهل الرأي العام هو إيمان كامل بما كان يقوله نظيف وعمر سليمان.
حقا لا أعرف ما الضرر في ترشح عدد كبير لرئاسة الجمهورية، ولا أفهم سر رفض كثيرين لذلك، بل أعتقد أنه من الضروري لتعميق الممارسة الديمقراطية منح الجميع فرصة ممارسة حقوقه، ومنح الرأي العام فرصة الاختيار الحر النزيه..’.

المسؤولون لا يقرأون

وننتقل الى جريدة ‘الاسبوع’ ومقال الكاتب حمدي احمد الذي عنونه بـ’المسؤولون لا يقرأون’:’ هذه المقالة كانت من الصعوبة بمكان، وأنا اضع الخطوط العريضة لها، حتى كدت أتوقف عن كتابتها.. حديث النقد والسلبيات أحيانًا يؤخذ بصدر رحب وأحيانًا بسخرية، وعند المسؤولين دائما يكون مصيره الاستخفاف.. كتبنا كثيرا من وحي ثقافتنا الشعبية والاكاديمية، نقول كلمتنا من اجل هذا الوطن، وكأن ما نكتبه سحابات صيف لا تمطر، ومن توجه لهم الكلمة من المسؤولين يكون صداها عندهم ‘ودن من طين واخرى من عجين’.. آراء وأبحاث لكبار الاقتصاديين، ولا تجد لها صدى عند المسؤولين، لا نطمع في مناقشة الفكرة، فقط نطمع في مسؤول يقرأها، مما أوصلنا الى هذه الخيبة الاقتصادية التي نعيشها.. على رأس هذه المشاكل، زيادة البطالة بين الشباب، ومن ثم فقدنا أيدي عاملة وعقولاً مفكرة.. نسمع دائما عن الاستثمارات في التعليم، شباب وطاقات في سن العافية والعطاء، خريج الجامعات بعد دراسة سنوات واخرى في البحوث ودرجات الماجستير والدكتوراه، يعمل ‘مبلط قيشاني’ أو يعمل سائق تاكسي أو عامل ‘محارة’.. ليس هذا تقليلاً أو تحقيرًا لهذه المهنة الشريفة، لكنه إهدار لطاقات وعقول الوطن، رئيس أسبق للجمهورية في خطاب له على الهواء، وأمام العالم يعلن ‘اجيب لكم منين ما أنتم بتزيدوا كل 9 أشهر مليون’.. نسي أن هناك خططا للتنمية هي من أوجب واجباته.. اضرب مثلا بتجربة حية ناجحة حدثت في مصر، حتى قيام ثورة يوليو 1952 كنا بلدا زراعيا، وأن مصر مزرعة الخضر للامبراطورية البريطانية.. في سنين قليلة في عمر الوطن، تحولنا الى دولة صناعية، ويعمل لدينا ماكينات وأيدي عاملة بالملايين، 1200 مصنع عاش في دفء أحضانها آلاف المهندسين والتجاريين والعلماء والاطباء.. أنشأ نظام ثورة يوليو آلاف مراكز التدريب المهني.. ومن ثم اصبح عندنا كفاية من الايدي العاملة لمصانعنا، وكانت مدخرات الأيدي العاملة في الخارج، تمثل رقما في الميزانية العامة للدولة، يطال دخل قناة السويس والسياحة ان لم يفقهما.. لم يعيّرنا عبد الناصر، له منا الرحمة ولروحه السلام، ولا قال لنا ‘اجيب لكم منين’ وكأننا عالة على الحاكم، وفي الحقيقة ان الحاكم هو الذي يعيش عالة على جهد وعرق الشعب ليترفل في الأبهة.. متي نحترم المهن الصغيرة ونقدرها ونقدر دورها في المجتمع.. متى نقهر البطالة، ولا نحتقر المهن المتوسطة والوسيطة… لماذا لا نحترم عاملات المنازل، ونرفع كفاءاتهن التدريبية، وننشئ لهن مدارس لمحو أميتهن ودراسة الفندقة، وتربية الاطفال، وعاملات رياض الاطفال، وجليسة الاطفال ‘الأم البديلة’، ومساعدات ممرضات، وخاصة بعد خروج المرأة المصرية للعمل.. نحتاج الى مجتمع العاملين، اكثر من مجتمع الشهادات العليا المنظرين، وان كان لدينا فائض من المؤهلات العليا، من خريجي الكليات النظرية، وصرعا لغول البطالة الذي يلتهم نسبة كبيرة من عافية شبابنا، ان يعاد تدريبهم في مهن وحرف أخرى يحتاجها المجتمع، وان نتخلى عن نعرة الشهادات الجامعية، واكثرها لا يعين على الحياة، ولا يعين الخريج على كسب رغيف عيش بقروش قليلة، والا نخجل من أي صورة للعمل الشريف، وان نقدر ونفرق بين فقه الاكاديميات وفقه الحياة الشريفة، تأكيدًا لثورة 30 يونيو، وانتهاء عصر البطالة الجامعية.. لكنّ المسؤولين.. لا يقرأون’.

سلامي عليك يا زمان زمان الهنا والأمان

ونختتم مع مقال الكاتب محمد موسى في جريدة ‘الشروق’ عدد امس الاربعاء الذي يعود بنا الى الزمن الجميل يقول:’ قبل أكثر من قرن ظهر لحن فريد يؤرخ لبدايات الأغنية الوطنية المصرية فى العصر الحديث، لكنه جاء متنكرا في صورة تنهيدة تشكو تغير الزمن، وغياب العدل، وقهر الرجال.
يقول المذهب:
عشنا وشفنا سنين
ومن عاش يشوف العجب
شربنا الضنى، والأنين
جعلناه لروحنا طرب
كاتب النص هو رئيس محكمة الإسكندرية ومحافظها إسماعيل صبري باشا، أحد نجوم نهضة الشعر في نهايات القرن التاسع عشر. وكتب الكلمات منتقدا الاستعمار البريطاني، الذي كان ‘يكمم الأفواه ويراقب الصحف والاجتماعات، ويقضي على أي صوت يرتفع بنقد الاتفاقية، أو بتوعية الرأي العام’، كما كتب الدبلوماسي والشاعر أحمد عبدالمجيد. نتحدث هنا عن اتفاقية 1899، التي فرض بها اللورد كرومر على بلدنا نظام الحكم الثنائي للسودان. والملحن هو محمد عثمان، عبقري مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ملحن لم نعرف مثيلا له في الابتكار والقلق الفني والتجديد. القالب اللحني هو الدور، تركيب فني معقد وممتع، اختراع أهدته مصر للموسيقى العربية، فيها ولد وترعرع، وعلى أرضها وصل أوج اكتماله، ثم اختفى تماما في العقد الرابع من القرن العشرين.
تمام الجميل انجاز
وصدق المعاهدة شرف
هكذا يبدأ الغصن بالعتاب المر لبريطانيا التي خدعت مصر بمعاهدة لم تصدق فيها، ولم تكمل جميلها بإنجاز ما وعدت به.
ومن يتبع الرفق فاز
وعصره بفضله اعترف
اللحن الهادئ في بدايته سيحمل المتفجرات بعد قليل، عندما يتحول إلى شكوى الظلم، بسؤال مزلزل في بساطته اللفظية، وتعبيره الموسيقي الغاضب:
غيرنا تملك، وصال
واحنا نصيبنا خيال
كده العدل يا منصفين؟
كيف توصل عثمان لتلحين ‘كدا العدل’ على هذا النحو المؤلم العذب؟.
المقام الذى اختاره محمد عثمان حكاية طويلة. إنه الراست العتيد فى تنويعة ذات أصل فارسى، يجعل اسمه راست دلنيشين، ومعناه الكلمة الفارسية: خضوع القلب، أو ركوعه. والتنويعة تضيف إلى الراست مذاق الصبا الحزين عند صعوده للنغمات العليا…
في الدقائق الأخيرة من اللحن ندخل في أجمل مراثي الموسيقى العربية، عندما يتبادل المطرب مع الكورال البكاء على زمن الهناء الذي انقضى:
سلامي عليك يا زمان
زمان الهنا والأمان
لا كلمات تعبر عن الحالة التى يدخلنا فيها اللحن هنا. حنين بلا طائل إلى سنوات الهنا و’الأمان’. حنان يلف ذلك الزمــــن الضائع بـ’سلام’ رقيق حزين، وآهات حارة تطبع الزفرة الأخيرة للأغنية، في ذكرى ‘الأحبة العزاز’. ليست مجرد أغنية، بل صيحة شجاعة في وجه من يتنكرون لوعودهم، ويفرضون إرادتهم على مصر. تنهيدة ضد تغير الزمن، وغياب العدل، وقهر الرجال’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية