دفاع عن محمد (ص): لا تلومونا علي حب النبي

حجم الخط
0

دفاع عن محمد (ص): لا تلومونا علي حب النبي

د. خالد الطراوليدفاع عن محمد (ص): لا تلومونا علي حب النبي هذا ليس نصا فكريا ولا أدبيا ولكنه حديث القلوب، وما أقلـــــه في زماننا، أردت ترك زمامه إلي العقل حينا وإلي الـــــعاطفة حينا آخر دون أن أخل ببديهيات الكتابة والإملاء. ليعجب المرء في هذه الأيام المظلمة من عداء من بعض الأقلام والأصوات، بدأ ينسج خيوطه حول الإسلام كدين وحضارة، ليتحدد في مقولات شاحبة ومسمومة وطاعنة في صاحب الرسالة. فقلما توجــــهت الأصوات والأقلام إلي توجيه اللائمة والعداء لهذا الدين، إلا وانصب الغل والغضب والمكر علي الرسول الكريم باسم الحرية حينا وباسم الإبداع حينا آخر. وليست هذه المرة الأولي التي تمر بها الأمة في القرون الأخيرة من أزمات ومواجهات دون التعرض بالسب والشتم والتعريض لمحمد (صلي الله عليه وسلم) وحياته، الخاصة منها والعامة. عزاؤنا الوحيد هو أن من شاغب وافتري واستهزأ كان غالبا في ضفة الجهلة بهذا الدين وعموما من رعاع القوم، أو ممن استرعي سرطان الكراهية والعداوة عقله وعاطفته، وران ذلك علي قلبه فلم يعد يسمع ولا يري.. ظلمات بعضها فوق بعض… ولم يقترب أحد بموضوعية وحلم واعتدال من هذا الرجل، وهم كثير في الضفة الأخري، إلا أعطاه حقه أو قارب ذلك، فمنهم من جعله أحد كبار المصلحين، ومنهم من رأي فيه أحد الثائرين العظام… وقائمة المقسطين تطول. عزاؤنا أنه من عدل وأنصف كان غالبا أقرب إلي ثقافة العقول من ثقافة البطون، كانوا أفرادا في مخابرهم أو جامعاتهم، همّهم نفع ذواتهم وأوطانهم والإنسانية جمعاء. لسنا ضد النقد والاستفسار والدراسة، فهذه موائد الكـــــرام التي ندعـــــو إليها بكل حب وشره وثبات، غير أن المرفوض فكــــرا وذوقا هــــو الســـــقوط في التعريض والتشويه الظاهر والمبطن الـــــذي يستسقي ينبـــــوعه من حسابات سياسية ضيقة، أو سياسوية مقيتة، أو دينية وضيعة، أو جهل مدقع! وبعد، هل يحتاج هذا السيد الفاضل إلي الدفاع عنه؟ لست أدري لماذا اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أكتب هذه الجملة وها أنا أسجلها! هل يحتاج إلي دليل وحجة ومحام، من كرس كل حياته إلي رسالة هداية لم يجعلها خاصة بقومه، أو بقبيلته، أو بجنسه بل أرادها رحمة للعاقل ولغير العاقل، بشرا وحيوانا وجمادا (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). لم يفقه الكثير ممن حولنا هذه العلاقة الفريدة التي تربط هذه الأمة بصاحب قيادتها، لم يفهم ولم يستوعب أقوام من غير ضفتنا هذا اللقاء الحي والدائم وهذا الحب المتبادل والمسترسل بين جموع حاكمة ومحكومة، وبين هذا الأمي الغائب الحاضر في كل آونة وحين. وحتي تنجلي الغشاوة، وتنقشع سحب قلة الزاد، يطيب لي مرافقة من اقتطع تذكرة هذه المصافحة بدون ميل أو مواربة، ومن ركب دون إذن مسبق، في هذه الرحلة القصيرة، في مشاهد عابرة… حتي لا نلام مجددا علي حب النبي! فمشاهد الحب والرحمة مع أمته لا تقاس ولا تنتهي… لم نغب يوما عن ذاكرته، ولا عن يومه وليله، حتي في أعز الأمكنة، وأفضل الأحوال، التي ينسي فيها المرء ذاته… لما وقف أمام ربه في ليلة المعراج وسأله بدون حجاب وبدون كيف، أجابه السيد الفاضل: لا أسألك عن فاطمة ولا عن الحسن ولا عن الحسين، أسألك عن أمتي…أمتي..! لا تلومونا علي حب النبي… فرفعة منزلته لم تحط من تواضعه وبساطته، وقف أمامه ذات مرة أحد الأعراب، فاستشعر عظمته ووقاره وتواضعه، فارتجف واضطرب هيبة من الرسول الكريم، فهدّأ من روعه قائلا له: هوّن عليك فما أنا بملك ولا سلطان، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد! لا تلومونا علي حب النبي… كان معاشه لا يرتقي حتي ضعاف رعيته، وصفت زوجته عائشة حاله وهو يملك الحضر والمضر ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتاليين حتي قُبض… والله.. إن كنا لننظر إلي الهلال ثم الهلال ثم الهلال… وما أُوقِدَت نار في أبيات رسول الله !.. كان معظم عيشنا علي الأسودين التمر والماء! لا تلومونا علي حب النبي… كان ينام علي الحصير، حتي ترك له بصمات علي جنبيه… ورآه عمر بن الخطاب ذات يوم كذلك فبكي لحاله إشفاقا عليه وتوجعا، وأراد بعض أصحابه رأفة به أن يهيئوا له فراشا أقل خشونة، فقال لهم: ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها. لا تلومونا علي حب النبي.. بعدما أخرجه قومه ودفعوا به إلي الصحراء وحرموه البلد والأهل والأحبة وذكريات صبي يتيم.. ونظر إلي رمالها وشعابها وبنيانها وهو يودعها وداع مظلوم ومبتلي، نظرة حزن وحيرة، نظرة المواطن الذي حــــرم وطنه ظلما وعدوانا : إنك أحب أرض الله إليّ! ولولا قومــــك أخرجـــــوني لما خرجت… وبعد سنين من الإبعاد والنفي واللجوء والمكائد والحروب… عاد مظفرا ليقول لهــــم ماذا تراني فاعل بكم… لا تثريب عليكم اليوم… اذهبوا فأنتم الطلقاء! لا تلومونا علي حب النبي… كان نبيا في وحيه، كان رسولا في تبليغ رسالته، وكان إنسانا في بيته ومع زوجه وأحفاده… فقد تراه يجعل ظهره مطية للحسن والحسين، حتي أثناء الصلاة… فأطال علي الناس ذات مرة السجود، فظنوا به الظنون… فلما فرغ سألوه عن سبب إطالته، فقال إن ابني ارتحلني (ركبني) فكرهت أن أعجله..! ويسابق زوجه، فتسبقه مرة ويسبقها مرة فيقول لها مداعبا هذه بتلك. لا تلومونا علي حب النبي… كان ملازما أمته وهمومها، يعيش فرحها ويعيش أزماتها… لما كان الناس يحفرون الخندق حول المدينة اتقاء من هجوم قريش وحلفائها، كان الرسول معهم بفأسه… وكان الناس في ضنك شديد، فالتقي عليهم الجوع والعطش والتعب والنصب لقلة ذات اليد ولدقة الموقف، فكان الناس يضعون حجرا علي بطونهم حتي تلتصق بأجسادهم فلا توجعهم و لا تمزق أحشاءهم، واشتكي القوم من هول الموقف ومن الجوع المضني ورفعوا عن بطونهم ليُرُوا رسولهم الأحجار التي وضعوها… ورفع النبي عن بطنه الشريفة فكان حجران! لا لوم، لا اعــــتذار، وإنما قدوة ونموذج، وصبر وتواضع وصحبة… وتوقف الزمن، وجثا التاريخ علي ركبتيه يبحث عن رفيق! لا تلومونا علي حب النبي.. كان قوّاما صوّاما، يقوم ليله عابدا مسبحا متضرعا باكيا حتي تتفطر قدماه الشريفتان وتتبلل لحيته، فتتعجب زوجه وتقول له وكلها شفقة عليه: لقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر… وكأن لسان حالها يقول فلماذا هذا الإبحار في القيام والذكر والتذلل؟ فيجيبها بكل براءة المحب العاشق لربه والصادق مع نفسه: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا!! هذه ومضات من حياة النبي، وأنا مقصر لا محالة، والقلم عاجز عن التعبير بما يعجّ في أعماقنا وذواتنا من حب واحترام واتباع لمحمد… رفعت الأقــــــلام وجفت الصحف..! ويبقي حب أمة لنبيــــــها ملاذا حـــين العواصف، ودافعا حين الشدائد، ومغيثا حين الهزائم، وأملا حـــين اليأس والإحباط، وتواضعا حين الانتصار…ويبقي محمد… فلا تلومونا علي حب النبي! صلي الله عليه وآله وسلم. ہ كاتب من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية