غايات خبيثة وراء الحملة علي حماس
زهير اندراوسغايات خبيثة وراء الحملة علي حماس منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأسبوع الماضي تقود الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وبطبيعة الحال الحكومة الإسرائيلية، حملة موتورة لنزع الشرعية عن الانتخابات وعن حماس في محاولة لفرض إملاءات جديدة علي الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، هذا الشعب الذي قال كلمته في صناديق الاقتراع. هكذا، فجأة ودون سابق انذار، أصبحت الديمقراطية قابلة لأن تتجزأ، وباتت من جديد تفصّل حسب مقاييس غريبة بهدف تنفيذ مآرب سياسية ضيقة. فالرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي يتفاخر ويتباهي بالديمقراطية، ويقول بمناسبة أو بغير مناسبة إن دمقرطة دول الشرق الأوسط هي المفتاح السحري لحل قضايا المنطقة، كشر عن أنيابه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، واعلن بصورة واضحة ان إدارته لن تعترف بحكومة فلسطينية تشكلها حماس، مناشدا الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) عدم الاستقالة من منصبه. هذا الموقف هو قمة الانتهازية والنفاق، ناهيك عن انه تدخل سافر في شأن داخلي لشعب معين قرر أن يغير قيادته لأسباب عديدة لا نريد في هذا السياق الخوض فيها.السيد بوش الذي أعلن الحرب علي ما يسميه الإرهاب العالمي ادخل العالم برمته الي وضع مأساوي، وتحول من حيث يدري الي اكبر خطر علي السلام العالمي. احتل افغانستان وقضي علي نظام الطالبان، ومن ثم أرسل مع حليفه توني بلير جيوشا جرّارة الي العراق فاحتل البلاد واسقط نظام الرئيس صدام حسين. قام بجلب هذه الويلات والمآسي علي الشعوب في العالم تحت مسميات عديدة، وضرب بقرارات الشرعية الدولية عرض الحائط. والامبريالية الجديدة من انتاج واخراج واشنطن عارضت وما تزال الخيار الديمقراطي للشعوب في أمريكا اللاتينية، التي انتخبت قادة يغردون خارج السرب ويعارضون بشكل منهجي سياسات واشنطن العدوانية. فنزويلا وبوليفيا وتشيلي تحولت الي دول خطيرة لأن شعوبها انتخبت بشكل ديمقراطي قيادات شابة لا تنهب ثروات الشعوب ولا تتآمر علي مصالحها، وهذا الأمر يتعارض جوهريا مع مفاهيم الديمقراطية الأمريكية التي تقول ان من يعارضني ليس ديمقراطيا وبالتالي يصبح عدوا وعلينا العمل بكل ما أوتينا به من مؤامرات خبيثة للإطاحة به وتعيين دمي متحركة مكانه، كما حدث مع السيد حميد كارزاي في أفغانستان.هذا هو الخطر الذي يتهدد العالم الآن. المحافظون الجدد في أمريكا واليمين المسيحي الرجعي ووكلاؤهم في الشرق والغرب يحاولون فرض أجندة تتماشي وتتساوق مع مصالحهم السياسية والاقتصادية، وهذا الأمر يؤدي بشكل طبيعي الي الصدام بين الشعوب التي تبحث عن حرياتها وبين القوي المتنفذة في العالم التي تعمل بشكل منهجي علي تنصيب حكام موالين يناصبون مصالح شعوبهم العداء الشديد.ويستمر هذا المشهد العبثي في جميع أصقاع العالم، ويحافظ الحكام العرب في حظائر سايكس ـ بيكو (الدول العربية) علي الصمت، كما يفعل التلاميذ في الصفوف الابتدائية عندما يدخل المعلم الذي يضرب ويبطش بدون أي رادع. ولكي لا ندخل القارئ في متاهات هو في غني عنها، نؤكد أننا لا نعلق لا الآمال ولا الأحلام الوردية علي النظم الشمولية المتآمرة والمتأمركة في الوطن العربي، فهذه النظم فقدت أي تأييد شعبي لها، وفي أول فرصة سانحة ستعرف الشعوب كيف تنتفض ضد هؤلاء الحكام الذين باتوا عبئا علي شعوبهم.وعود علي بدء: العالم الغربي المتحضر يرفض التعامل مع حماس لأنها حسب مفاهيمه، التي لا نوافق عليها، حركة إرهابية. واذا وافقنا مجازا علي أن حماس هي حركة إرهابية، فكيف يمكن ان يفسر لنا قادة العالم الديمقراطي ممارسة الإرهاب الممأسس الذي تقوده الإمبراطورية الأمريكية في أفغانستان وفي العراق وفي مناطق أخري من العالم؟ كيف يسمح الجلاد لنفسه بتوزيع شهادات وصكوك براءة علي الشعوب التواقة للحرية؟ هناك ألف كيف ولماذا، ولكن علي ما يبدو فإن هذا الزمن الرديء استحضر الي قاموس السياسة تعديلات تتناقض مع أبسط قواعد التعامل المتعارف عليها بين بني البشر.وإذا ما أخذنا كل ما تقدّم في الحسبان تصبح الصورة واضحة جدا: الحملة العالمية ضد حماس هدفها غير المعلن هو تركيع الشعب الفلسطيني وابتزازه لفرض تنازلات جديدة عليه. ومن سخرية القدر أن الدول المانحة التي تهدد بوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية بسبب مواقف حماس، ستزيد هذه الحركة قوة، وأكثر من ذلك، فإن هذه الخطوة تقود الشعب الفلسطيني الي البحث عن سبل أخري للعيش بكرامة وعنفوان، والأخطر من ذلك أنها تؤدي الي تنامي الكراهية لكل ما هو غربي، وبالتالي فقد تؤدي إلي ندخل للأسف الشديد في دوامة جديدة من العنف، ليس في فلسطين وإسرائيل فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط عموما.9