ثمة فكرة لافتة، بل وفي غاية من ‘الدقة الإبستيمولوجية’، بخصوص ‘الانفجار المعلوماتي’ و’تعدد الوسائط الإعلامية’ اللذين صارا علامة محورية على العصر الذي نعيشه. ونص الفكرة أن وسائل الإعلام هي امتداد للإنسان أو على وجه التحديد ثقافة الإنسان، ذلك أن الإنسان هو الذي يتكلم ويرى… أو هو الذي ‘يتدخل’ وبدافع من الرغبة في تشكيل ذاته ابتداءً. ومن ثم فإن الإنسان هو الذي يرقى بهذه الوسائل إلى ‘سلاح للقتال’ أو مـَراح للتواصل وتعميق شرط الإنسان.
وألم يقل السوسيولوجي الكندي هربرت مارشال مكلوهان (Marshal Mcluhan)، المجدِّد في مجال النظر للتواصل الجماهيري على مدار عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وقبل ذلك صاحب المقولة الأشهر ‘العالم قرية صغيرة’، بأن ‘التكنولوجيا امتداد للأحاسيس الإنسانية الإدراكية الحسية’. ولا داعي للتأكيد على أن هذه الأحاسيس، وبما في ذلك الفطرة ذاتها، تحتاج إلى ثقافة محدّدة لكي تتأطر داخلها… فتكون ــ تاليا ــ مفعول هذه الثقافة مثلما تكون مفعول ‘الحتمية الاجتماعية’ حتى لا نبالغ في تقدير ‘النزعة الثقافية’ (Culturalism) وحتى لا نردّ كل شيء في هذه الدنيا ــ وكما قلنا في أكثر من مرة ــ للثقافة بمفردها وإن بمعناها الأنثروبولوجي الرحب والواسع.
وفي ضوء ما سلف لا يبدو غريبا أن تكمن هذه الوسائل لا في أنساق التواصل فقط بل وفي أنساق التفكير ــ والتخييل أيضا ــ وعلى النحو الذي يجعل من الإنسان مجلى لهذه الأنساق… طالما أنه، ومن أبجديات ‘حفريات المعرفة’ وللضرورة المنهجية أيضا، أن ‘المرحلة الثقافية’ هي مفعول ‘نسق فاعل’ يشتغل من خلال مجموعة من العلاقات التي تستمرّ وتتحوّل في استقلال عن ‘الذوات’؛ مما يجعل المجتمع مجالا لهذا النسق وبما في ذلك الأنساق الصغرى الفرعية التي يتشكل من مجموعها النسق العام.
ولا يبدو غريبا، كذلك، أن تحفل الرواية، وعلى مستوى اشتغالها الدلالي، بهذه الوسائل وعلى النحو الذي يجعل من هذه الوسائل عنصرا من العناصر التكوينية للنظرة الروائية ذاتها حتى لا نجعل من الرواية مجرد ‘تمرين سردي أجوف’. وكل ذلك ليس بنشاز على النوع الروائي، ككل، الذي يسعى إلى ‘التقاط ذبذبات العصر’. عصرنا، هذا، ‘المرآوي’ كما تم توصيفه أو الاصطلاح عليه.
ومناسبة هذا الكلام هي رواية ‘طريق الغرام’ (2014) لربيعة ريحان التي عرفناها، ومن قبل، من خلال سبع مجموعات قصصية ــ أكاد ــ أجزم بأنها ــ ومنذ مجموعة ‘ظلال وخلجان’ (1944) ــ لا تعكس ‘قطائع متدافعة’ فيما بينها، بالنظر لـ’جذر القص’ الممتد، على مدار هذه الأعمال، وبالنظر لـ’نشيد البوح’ الكامن في الجذر ذاته. ولعل هذا الجذر ما يغري، ومعرفيا، على الاستقرار على نوع من ‘النص العام’ لدى ربيعة ريحان وعلى النحو الذي يجعل ‘طريق الغرام’ ــ وبمراكزها الدلالية البارزة والراجحة ــ مندرجة في هذا النص العام والشفـَّاف؛ لكن دونما تغافل عن ما يتيحه النوع الروائي، ومقارنة مع ‘كبسولة القصة القصيرة’، من ‘انبساط للحكي’ و’التخييل الذاتي’.
وكان من المفهوم أن تسارع الكاتبة إلى النوع الروائي بالنظر للغم ‘الحب في زمن الإنترنت’ الذي آثرت أن تخوض في دغله، وفي إطار من تشابك ‘التخييل’ و’التحقيق’، ومن خلال البطلة فوزية التي تعرضت، وبعد فترة قصيرة، من الزواج، لـ’زلزلة وجودية’، وعلى مستوى ‘الهوية الجنسية’ ذاتها، بعد استقرارها على ‘المثلية الجنسية’ لدى زوجها سمير أستاذ مادة الرياضيات في إحدى ثانويات مدينة أسفي. وكان هذا الأخير أوّل رجل في حياتها، وقد توطـّدت علاقتها معه في كلية مراكش وعلى مدار خمس سنوات. سنوات الجامعة السريعة التي عادة ما يغطي فيها الحلم على ‘السايكولوجيا’. مثلية سافرة وجارفة في باطنها، ومغلفة بـ’ذكورة ماجنة وعدوانية’ في ظاهرها، مما جعل البطلة عرضة لمسلكيات مهجنة وخليطة. وحصل ذلك داخل وسط اجتماعي مغلق ومحافظ، ولا يقبل ــ وبلغة النقد الثقافي ــ لا ‘بيولوجيا’ ولا ‘ثقافيا’ بالمثلية. فـ’الخسيس اللواطي ابن الكلب’، بلغة النص، لا يليق بـ’البنت الوحيدة لأكبر تاجر مواد كهربائية في المدينة، وصاحب عمارات ومشاريع وسمعة طيبة’ (ص16) و’بين خمسة ذكور’ يعاملونها ‘كتحفة كريستالية’ (ص168(.
والمؤكد أننا، هنا، لسنا بصدد تلخيص الرواية حتى وإن كانت هذه الأخيرة لا تعج بالتفاصيل الكثيرة. ولذلك يهمنا أن نخلص إلى اندساس البطلة في جهاز الكمبيوتر حتى تتخلص أو بالأحرى حتى ‘ترد كتابة’ على الشهوة السابقة المعطوبة والمضلـِّلة والمعكوسة. فالكتابة هي ‘السلاح الناعم’، والأوحد، لإعادة ترميم الهوية الجنسية الجريحة … وهي الوسيلة لإبقاء الصنارة ــ التي كانت البطلة سترغم على ابتلاعها ــ جانبا. وفي هذا السياق وجدت نفسها غاطسة في رسائل إلكترونية متبادلة ــ ومدروسة في الوقت ذاته ــ مع يوسف؛ وهو عراقي مقيم في لندن وعلى قدر من ‘الثقافة الإنسانية’ كما يظهره السرد، وقبل ذلك هو على قدر من ‘الطبع الشرقي’. وهو، مثل البطلة، يوجد في الواقع مثلما يوجد في التخييل.
وفي البداية سعت البطلة إلى التمظهر، وفي إطار من انتظام الإيميلات، على التمظهر بمظهر ‘فراريج الأنتيرنيت وفلاليسُها الذين ينطحون أيَّ لَوْنٍ يخالف لونَهم الوحيد المحبوب’ كما قال أستاذ البلاغة محمد العمري (ومن منظور السخرية الحجاجية طبعا). إلا أنه، ومع توالي الإيميلات، سرعان ما سيتكشف ‘الأنترنت’، وفي حال ‘طريق الغرام’، باعتباره ‘طقسا’ لـ’شلال الرغبة’ وفي إطار من اللغة باعتبارها ممرا لتمجيد للأنوثة ودغدغتها بالأوصاف الممتلئة في اندفاعة البوح والتسارر. وكل ذلك في المدار الذي أفضى، وخلافا لـ’سكة’ أو ‘خيطية السرد’، إلى توفير اللقاء مع يوسف وفي مراكش ذاتها. وهذا بعد أن كان ‘التواصل’ على رمال ‘الجغرافيا الافتراضية’ فقط. إنه ‘الحب في زمن الإٌنترنت’. والحب، هنا، باعتباره ‘علامة هوية’، وباعتباره ‘صيغة وجود’، وليس باعتباره ‘مقولة إلكترونية’.
وبالنظر لما يتيحه، وعادة، المقال، ومن ‘حيز تحليلي’ محدود، فإن قارئ النص الروائي العربي بعامة، والنسائي بخاصة، والخليجي بصفة أخص، لا يمكنه، ولو من باب الإشارة الموجزة والمقصودة، إلا أن يحيل على الرواية الخلافية ‘بنت الرياض’ (2005) التي صنعت من صاحبتها الكاتبة السعودية رجاء الصانع (الشابة وقتذاك) ما لم تكن تتصوّره. فقد تمكنت فتاة مجهولة من أن تخلق ضجة حين أخذت ترسل نهارَ كل جمعة ‘إيميلا’ إلى معظم مستخدمي الانترنت في السعودية تبوح فيه بأسرار صديقاتها اللواتي ينتمين إلى الطبقة المخملية التي لا يعرف ‘جغرافيتها السرية’، وعادة، إلا من ينتمي إليها. مما جعل الكثيرين في انتظار يوم الجمعة للاطلاع على ما سيحمله الإيميل، الجديد، من وقائع جديدة في انتظار صباح يوم السبت الذي يتحول إلى حلبة لمناقشة أحداث ‘الإيميل’، الأخير، والتعليق عليه وسواء في الدوائر الحكومية والمؤسسات العمومية أو في الأمكنة الخاصة… إلخ. وكثيرون هاجموا الرواية، بحجة أنها تفتقد لـ’المستوى الفني’، دونما تقدير لأهميتها النابعة من ‘الخطاب الثقافي العام’ الذي تتعالق معه، وعلى النحو الذي جعلها تعرّي أقنعة ‘الاستعمار الذكوري’ وتخدش ‘عيوب المجتمع المخملي’.
الصفحات الأولى من ‘طريق الغرام’ أعطت انطباعا بأن الرواية ستسير في الاتجاه نفسه الذي هو اتجاه ‘الفضائحية الزاعقة’ التي تعكس دائما ‘الجرأة الفكرية المنشودة’. ثمة فرق بين النصين/ التجربتين، وهو فرق كامن من ناحية ‘الحكي’ الذي برعت فيه ‘طريق الغرام’. وهذا الحكي يبدو الأهم، وكما أن هذا الحكي يعلو على باقي المكونات السردية أو يلخص حكاية ‘بناء السرد’ في الرواية. وفي هذا المنظور نفهم مركزية ‘الدفق الدلالي’ في النص، وهو دفق قائم على الاستقطار والتقسيط… وتعيينا على مستوى ‘تقشير’ مثلية البطل المقابل للبطلة. فالاشتغال الدلالي قائم على التقطع والدوران والتشتت… وليس على الخيطية والاسترسال والتدافع؛ وهي تقنيات دلالية أكثر منها سردية في ‘طريق الغرام’. وما عدا نهاية الرواية فجميع مقاطع الرواية قابلة لأن تقرأ من اليمين أو من الشمال. فالكاتبة حافظت على ‘أنف القاصة’ خارج مياه السرد الروائي، وكل ذلك في إطار من ‘لغة موحـَّدة’ أفضت بدورها إلى ‘نص منبسط’ مضمـَّخ بـ’نشيد البوح’ الذي انساقت معه الكاتبة. ثم إن ‘الإقليم الثقافي التقليدي’ (الغالب، للمناسبة) الذي تتحرك في إطار منه البطلة، إلى جانب بعض ‘التوابل الإثنوغرافية الحراقة’ (حال نهوض الجدة بالخمار إلى التلفون مثلا) التي عرضت لها الكاتبة في أحيان، وإلى جانب رموز ‘المخيال الاجتماعي’ المغربي التي تستحضرها، وإلى جانب استحضار ‘التيارات السياسية الإيديولوجية’ البارزة بالمغرب … كل ذلك لم يؤثر على ‘مركزية البوح’ وعلى التطلع إلى الانغراس في تلك ‘النقطة العليا’ التي يذكرنا بها الشاعر والمفكر أدونيس في كتابه ‘الصوفية والوسريالية’. فالكاتبة اختارت ‘رواية أنثوية انسيابية’ بدلا من ‘مناطحة الرجل’ عبر ‘رواية قتالية’ ولاسيما في مجتمع ‘صلب’ أو ‘متصلب’ ولا يتأثر.
ونختم: هل ‘لغم الحب’ هو ما فرض على الكاتبة التعبير عن الموضوع بطريقة مهرَّبة، مما يجعل من ‘الإيميلات’ والإنترنت مجر لعبة من ‘ألاعيب التخييل الذاتي’ في ‘ممارسة الحكي’؟ مع ذلك فإن ‘الحب في زمن الإنترنت’ (والعبارة للناقد جابر عصفور) صيغة أكثر منه مقولة كما أسلفنا، فالحب المفترض قادها إلى مأزق مؤكد. ومن ثم فإن الحال أبعد من جعل ‘الإنسان يريد أن يكون شيئا’ تبعا لعبارة بول كيو (Paul Kio)، وإلا لما كان هذا الحب قد وفـّّر اللقاء مع يوسف تاركا للمستقبل الكشف عما إذا كان سيكون ــ بدوره ــ ‘مثليا’ أو ‘دكان عقاقير متنقل لحبوب منع الحمل’ كما قال الشاعر التشيلي بابلو نيرودا؟
‘ ناقد مغربي