قبل مئة عام، كان العالم المقسم بين الامبراطوريات الاستعمارية على موعد مع جنون الحرب. القوى العظمى في العالم دخلت في صراع جبابرة جاعلة من بلادها، وبلاد غيرها، ساحة لتدمير شامل. مئة عام مضت على اندلاع الحرب الكبرى، الحرب التي سجلت في حينها مشاركة أكبر عدد من الجنود (73.8 مليون جندي من دول المحور مقابل 48.2 مليون جندي من الحلفاء)، واستخدمت فيها أحجام غير مسبوقة من السلاح والمتفجرات، وفيها استُخدم السلاح الكيماوي لأول مرة، لتكون النتيجة أكبر خسارة في تاريخ البشرية (9.5 مليون قتيل و21.2 مليون جريح من دول المحور مقابل 5.4 مليون قتيل و12.8 مليون جريح من الحلفاء).
في الذكرى المئوية لهذه الحرب الكبرى، التي ستسمى، بعد وقوع حرب أكبر، بالحرب العالمية الأولى، تفتح مدينة باريس ذاكرتها، ذاكرة الجراح القديمة لبلاد كان لتطورها أن يتحول في لحظة ما إلى قوة تدمير هائلة للإنسان وحضارته.
الباريسيون وتقلبات الحرب الطويلة
‘باريس 14-18 يوميات الحرب’ Paris 14-18 La Guerre au quotidien هو عنوان المعرض الذي نظمته المكتبة التاريخية لمدينة باريس (La Biblioth’que historique de la ville de Paris). في هذا المعرض لا نرى جبهات القتال التي كانت تمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، ولا نشم رائحة البارود والدماء، وإنما نرى مرآة الحرب في باريس عاصمة الدولة الأساسية في فريق الحلفاء. مرآة تتشكل قطعة قطعة من مشاهدات المصوّر شارل لانسيو Charles Lansiaux (1855-1939) لتفاصيل المدينة وأجوائها طوال السنوات العجاف.
تمضي بنا صور لانسيو من الأيام الأولى للحرب مسجلة لحظات إعلان النفير والتعبئة، وانتشار الأغاني والأعلام الوطنية، واستعدادت من طُلبوا للجيش ومن تطوع، بينما تملأ شعارات التحدي والثقة بالنصر الجدران وواجهات المتاجر. لحظة تتفجر فيها البهجة والثقة، البهجة التي خلقتها السلطات للزج بالملايين في الحرب، والثقة بنصر محتم كانت القيادات السياسية والعسكرية قد أظهرته قريباً وخاطفاً.
غير أن الفرحة السهلة بنصر نظيف سرعان ما اختلطت بمشاهد اللاجئين القادمين من الشمال الفرنسي وبلجيكا. لاجئون تشبه أشكالهم جميع لاجئي الحروب في العالم، معفري الوجوه، عيونهم مفتوحة على دهشة انتزاعهم المفاجئ من مكانهم الحميمي، ومن يومياتهم البسيطة. يجرّون ما استطاعوا التقاطه من لحظة الخوف. لاجئون في محطة الشمال Gare de Nord وفي الطرقات والمزارع، وآخرون قرروا إكمال الطريق نحو الجنوب، فباريس كانت مهددة بالاحتلال، خاصة وأن قيادة الأركان الفرنسية كانت تعتبر أن المدينة مستحيلة الحماية، لولا أن الانتصار في معركة لا مارن La Marne (5-12 سبتمبر/أيلول 1914) أوقف تقدم الجيش الألماني وأنقذ العاصمة الفرنسية.
لكن الحرب كانت طويلة جداً ما جعل آثارها تظهر تدريجياً على المدينة المعتزة بنفسها. التقشف بات الخطاب الثابت للحكومة أمام واقع النقص في الخبز والمواد الغذائية، رغم محاولات السكان تخزين احتياجاتهم، وهو ما تظهره بحساسية لافتة صور المعرض. الصور التي تكشف لنا كيف تبدل وجه المدينة تماماً، ليس بسبب الدمار، فالحرب التي سجلت أول استخدام للقصف الجوي في التاريخ، لم تصب المدينة بالكثير من الأذى، بيد أن استمرارها وكأنها بلا نهاية، خلق أنماط حياة مختلفة، ويوميات مختلفة لباريس.
الأعمال التجارية والصناعية توقفت في أغلبها، باستثناء ما يتعلق منها بالشؤون العسكرية، ونسبة الرجال في المدينة تناقصت بسرعة، ليصبح السكان في أغلبهم من الكهول والنساء والأطفال. الكهول الذين يتابعون أخبار الحرب في الجرائد وفي دور السينما، وجميعها أخبار مفصلة ومنسقة من قبل السلطات. والنساء اللاتي غدون عصب المدينة، وبدأن يعملن في مهن كانت حكراً على الرجال في زمن لم تكن المرأة قد تمتعت بعد بحق التصويت. أما الأطفال الذين باتت الحرب تمثل لعبتهم المفضلة، فكان بعضهم يشارك في جمع التبرعات لدعم الدولة وتخفيف آثار الحرب، لكنهم جميعاً كانوا يعانون من غياب آبائهم في الجبهات، الأب الذي قد يعود، إن كان محظوظاً، في إجازة قصيرة بعد شهور من غياب، أو أن تعود جثته إلى أهله، إن وجدت له جثة (نصف مليون مفقود سجل الحلفاء بعد نهاية الحرب)، ليصبح السواد هو الزي الأكثر انتشاراً في البلاد. وقد ينجو الرجل الغائب بحياته بعد أن تسرق الحرب منه يده أو رجله، أو تتركه بوجه محطم الملامح. صور لانسيو تسجل عودة هؤلاء الجرحى (3.6 مليون جريح في فرنسا)، وتلتقط لحظة الانكسار في عيونهم رغم ما يحاولون إظهاره من عنفوان. فقد تحولوا بعد أن ملأتهم الشعارات الوطنية بالثقة والغلواء إلى ضحايا يحاصرهم العجز. لكن هل وقع جميع الجنود في فخ التضحية المقدسة في سبيل حرب لم تكن بقرارهم؟ هل كانوا جميعاً طوع الأوامر العسكرية كيفما كانت؟ سؤال التضحية، وعقاب من تردد في رمي نفسه في أتون حرب الكبار، تفتحه بلدية باريس في معرض آخر يستعيد جرحاً مختلفاً للحرب ذاتها.
أشباح الحرب: أن تَقتل .. أو أن تُقتل
معرض ‘الإعدام بالرصاص للعبرة ـ أشباح الجمهورية’ (Fusill’ pour lexemple Les fant’mes de la R’publique) يقدم قراءة، وربما قراءات، مختلفة لوصمة سوداء في الذاكرة الجمعية الفرنسية. الإعدام الميداني لجنود فرنسيين لتمردهم على أوضاعهم السيئة، وعلى ضباط لا يرحمون (خاصة تمرد بعض الوحدات العسكرية الفرنسية عام 1917)، أو لرفضهم الأوامر العسكرية، أو حتى لرفضهم المشاركة في الحرب أساساً. خلال سنوات الحرب العالمية الأولى أصدرت محاكم عسكرية فرنسية 2400 حكم بالموت على جنود فرنسيين، نُفذ الإعدام في 675 حالة (الرقم موضع نقاش وقد يزيد عن الألف). أعداد ربما لا تمثل نسبة مهمة بالمقارنة بملايين القتلى من ضحايا الحرب، لكن خصوصيتهم تأتي من كونهم جنوداً فرنسيين قتلهم الجيش الفرنسي، كما أن المحاكم العسكرية لم تكن تتمتع بأي شفافية أو مصداقية قضائية الأمر الذي أعطى هذه الإعدامات مكانها الحساس في الذاكرة الجمعية، وجعلها موضع مراجعة نقدية في العقود الأخيرة.
المعرض الذي نظمته بلدية باريس في قاعات مبناها التاريخي يضع الزائر مباشرة في قلب الذاكرة البيضاء والسوداء لحرب تبدو غائبة في الذاكرة التسجيلية، فالصور والأفلام التي وثقت تلك الحرب هي أقل بما لا يقارن بتلك التي وثقت الحرب العالمية الثانية.
في مدخل المعرض تطالعك صور المعارك ممدة فوق جدران مهدمة، فالتهديم يبقى حرفة الحرب الأكيدة. ثم تتقدم خطوات على وقع أزيز الرصاص وأصوات المدافع وصراخ الأوامر العسكرية، قبل أن تلج إلى ممر صغير حيث تجد نفسك في مرمى صفّ من البنادق القديمة، لتأخذ مكان الجندي المحكوم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص، إعدام ميداني حيث الجميع ينظرون ويصوّبون نحوك، لكنك تنظر في العدم!
المعرض يشير إلى ندرة الصور التي تظهر إعدام الجنود الفرنسيين، ويشرح ذلك بأن الدولة كانت تريد الحفاظ على صورة واحدة للجندي الفرنسي، هي صورته كمغوار يضحي دون تردد من أجل وطنه، لا مقتولاً بسلاح فرنسي من قبل جنود فرنسيين. إنها لعبة الرموز الأثيرة لدى السلطة، رموز تبدو أكثر أهمية من البشر الصغار جنوداً كانوا أم مدنيين.
على عكس معرض يوميات باريس في الحرب، سياق هذا المعرض عسكري تماماً، وحين نجد مدنيين في بعض الصور، فهم أولئك الذين يعملون في مصانع السلاح، يجهزون سلاحاً، وينظفون قذيفة، وأكثريتهم تبدو من النساء، ففي الحرب ‘المقدسة’ لا بد أن يكون الجميع مشاركاً، أو متورطاً. باستثناء هذا الظهور المدني المقتضب، لا نرى في المعرض سوى الجنود. جنود يتأهبون للمواجهة، جنود في أوج انشغالهم بالمعركة، و أيضاً جنود مكومون جثثاً بلا وجوه ولا معالم، جنود جرحى، وجنود عائدون بذاكرة سوداء من المكان الذي يُطحن فيه البشر كأنهم كائنات بلا قيمة.
لطالما كان سهلاً الحديث عن مقتل الجنود في الحرب، فهي صنعتهم، وهم ضحاياها الأوائل، لكن الذاكرة المشككة تعيد السؤال عن معنى هذا الجنون الصارخ بالدماء. هل تُرك لهؤلاء الجنود الخيار، هل كان لهم رأي في مجالس المصالح السياسية والاقتصادية حين قررت الحرب دون اكتراث بالثمن، وهل يخون الجندي حين يرفض حرباً زركشها الكبار بالوطنيات، بينما يدرك هو أنها محشوة بالموت والمآسي!
الحرب الكبرى التي حذفت دولاً عن الخارطة، وأنتجت دولاً جديدة، وأنهكت العالم بأسره، سرعان ما حولتها الذاكرة الانتقائية إلى لوحة أسطورية، يبدو موت الملايين فيها من عسكر ومدنيين مجرد تفاصيل، مجرد أرقام تقارع أرقاماً. بينما رسمها المنتصر باعتبارها مجداً خالصاً، ينتشي بذكره الجمهور، وسجلها المهزوم إهانة تاريخية لا مهرب من ردها، فينتشي جمهوره بروح الانتقام. وكأن المضي إلى الحرب العالمية الثانية كان محتماً منذ انتهت الأولى، وكأن شهوة الدم لم تكن قد اكتفت بملايين القتلى، فراحت تسابق السنين باتجاه حرب أوسع سيُعَدّ القتلى فيها بعشرات الملايين. باريس