عالم ليس لنا في باريس

حجم الخط
0

باريس – ‘القدس العربي’ ـ من أحمد صلال: شعوري الانتمائي كسوري لم يختلف كثيراً عن شعور الفلسطيني الذي جاورني خلال مشاهدة فيلم ‘عالم ليس لنا’ كثير من القهر والكثير الكثير من جرعات الضحك الأسود، العنوان المقتبس عن قصة قصيرة للراحل الكبير غسان كنفاني، شريط سينمائي وثائقي عبر تسجيلات تاريخية ولقطات تاريخية وأخرى من الأرشيف العائلي، كوادر بصرية جاعلها المخرج الفلسطيني ـ الدانمركي مهدي فليفل، أجواء نعيشها سينمائياً لكل نصل إلى خلاصة الظلم الواقع على الفلسطيني في هذا البؤس المسمى عالم، حيث عرض الفيلم المنتج سنة 2012 الخميس الفائت في معهد العالم العربي في باريس، وسط إقبال جماهيري لافت.
فليفل الذي عاش جزء من حياته في مخيم ‘عين الحلوة’ الفلسطيني في لبنان، والذي بني على عجل إثر النكبة لكي يكون مكاناً مؤقتاً ريثما تتم العودة التي طال انتظارها، وتحول المؤقت إلى ثابت وبقيت الذاكرة وحدها المتحركة رغبةً واشتهاءً وأملاً للعودة المنشودة، وسرعان ما زاد عدد سكانه ليصل إلى ما يقارب ال70 ألف نسمة يعيشون وسط فضاء غير متقبل لهم إن تجاوزنا تعبيرمعادي، حيث لا تكون حواجز الأمن والجيش اللبنانيان، والصورة النمطية عن المخيم أنه مكان للجريمة وانفلات السلاح ومرتع يعيش فيها أناس لا يمتلكون ثقافة الحياة، بل يتعدى القهر كل ذلك ويصل إلى درجة حرمان قاطنيه من وظائف في الدولة اللبنانية يصل تعدادها إلى سبعين وظيفةً، جرعات من القهر كارثية تختزنها ذاكرة الشاب الذي غادر إلى دبي برفقة أبيه وسرعان ما قصد الدنمرك ودرس فيها السينما ثم استقر في الولايات المتحدة، ذاكرة نهرية بالمعنى التاريخي والبصري للفيلم الذي تنتمي تسجيلاته لمساحة زمنية تتجاوز ال12عاماً، تسجيلات صورها أغلبها المخرج وصور الجزء المتبقي الأب والعم.
الشاب فليفل والذي أراد عبر هذا الفيلم الذي حاز عديد الجوائز العالمية-على سبيل التعداد العالمي ‘جائزة السلام’ عن مهرجان برلين الدولي وعلى سبيل التعداد العربي ‘جائزة أيام السينما في بيروت’- أن يتخفف جزئياً من ثقل الذاكرة وواطئتها الشخصية، جعل سيناريو الفيلم حراً ولكنها الحرية الواعية والعارفة والمتكئة على أدوات ومهارات ورغبة بالتجديد، اكتسبها بعد دراسة السينما وتصوير عدة أفلام روائية قصيرة- ‘شادي في البئر الجميلة سنة 2003’حمودي وإميل ‘سنة 2004’ عرفات وأنا ‘سنة 2004 بالإضافة إلى ‘أربعة أسابيع’ سنة 2009 – استعداداً للروائي الطويل، الذي شاء القدر أن يكون وثائقياً، حيث يعزى الأمر إلى أسباب عدة أهمها: عدم حرية الحركة والتحكم في المكان حجر الأساس في أي اشتغال سينمائي روائي.
الفيلم يرصد ضمن حركة الكاميرا ثلاثة أجيال من الفلسطينيين، الجيل الذي عايش النكبة وجسده جده الذي اهتراً عمره في انتظار العودة رافضاً السفر إلى أوربا وترك بيته، والعم الذي يعيش عازباً معتاشاً على كفاف يوميه المتحصل من جمع علب المياه الغازية وبيعها، والعم يمثل الجيل الوسط في القضية الفلسطينية، والجيل الشاب يجسده أبو إياد وهو شخصية إشكالية بامتياز ترزح تحت عبء من السخط والكره والحب والنقمة والشجاعة والسخرية، شخصية عدمية وساخرة توجه الانتقادات بالجملة يمنةً ويسرةً لاذعة وجريئة ولا تخشى لومة لائم في قول الحقيقة، رغم تحزبها الفتحاوي وهو التحزب الذي نال نصيبه من حفلة الشتم والسباب.
فليفل والذي نحى نفسه من أمام الكاميرا واختار أن يكون راوياً ويروي قصص عائلية، لكنها لا تشخصن القصص بقدر ما ترتقي بها إلى العالمية، أسلوب مستقى من السينما العالمية وأصبح ميزة لغالبية النتاج السينمائي العربي الجديد، حيث السيري والشخصي وعبر أنسنته يحول الخاص إلى عام ويمكن المعالج من التحكم بكل تفصيلاته التي هو بالأصل يعرفها جيد جداً.
الاشتباك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي مع السياسي في القضية الفلسطينية ممر إجباري لا مناص منه، علماً أنه ليس فيلم سينمائي سياسي بالمطلق، ولكن معالجة مواضيع من قبيل الفقر والقهر نتيجة الشتات، مضافاً له الفقر والقهر نتيجة التضيق الأمني والسياسي اللبناني، وانقسامات الداخل الفلسطيني والفساد متعددة الأشكال، الرقعة الاجتماعية التي عالجها الفيلم، ليكسر نمطية الصورة عن المخيمات نحو التعرية التي تضع الآخرين أمام ذواتهم، ذوات لا يمكن أن تكون غير حاقدة على نفسها لجعل كل هؤلاء الناس ضحايا يعبرون عن نفسهم بطريقة كوميديا سوداء تثير الضحك الأسود، أبو إياد يعبر عن حال الفلسطينيين حينما يقول ‘سيأتي يوم سيقطعون عنا الأوكسجين’ هذه الجملة التي نطقها بكل عفوية تختزل حال اللاجئ حينما يحاط بالأعداء من كل مكان.
‘عالم ليس لنا’ تكثيف بصري مؤنسن لجزئية الشتات الفلسطيني شتات صار فيه الفلسطيني والسوري أخوة في رحلة الشتات التي تصادف في طريقها الطويل صنوف كثر من الأعداء يجعلوننا نحلم بالموت كرفاهية، مسير في الشتات يتخذ من مقولة ‘الكبار يموتون ولكن الصغار لن تنسى’ شعاراً رداً على مقولة بن غوريون ‘الكبار يموتون والصغار ستنسى’والتي ظهرت في الفيلم عديد المرات وكأنها لازمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية