بغداد من حسن علاء الدين: يعمل الفنان الفوتوغرافي العراقي فؤاد شاكر منذ أكثر من خمسين عاما على اقتناص اللحظة الخاصة به، لحظة ربما لا تتكرر ولا يلمحها الكثير من الفوتوغرافيين. شاكر المولود في العام 1949 أقام أكثر من ثمانية معارض فوتوغرافية في العراق وأمريكا وفرنسا والأردن ويوغسلافيا واليابان، كما حاز على عدد من الجوائز، فضلا عن إقامة المركز الإيطالي العراقي معرضا مشتركا في إيطاليا لفؤاد شاكر وفنانين عراقيين وإيطاليين.
في العام 2006 أصدر شاكر كتابا جمع فيه أهم أعماله التي اهتمت بثنائية الظل والضوء أسماه (مدارات الضوء)، وهو العنوان الذي استمده من تسميه أصدقائه له بـ(شاعر الضوء)، لاهتمامه بالأماكن التي لا ينوشها إلا القليل من الضوء، بحسب تعبيره.
التقينا فؤاد شاكر ليتحدث عن أهم المراحل التي مرت بها الصورة الفوتوغرافية لديه:
* ما الذي يثير عدسة فؤاد شاكر لتتحرك في الفضاءات الكثيرة؟ هل هناك إشارات ما تلتقطها عين الفوتوغرافي؟
*لا أعد الصورة الفوتوغرافية وثيقة من وثائق التاريخ، على هذا فأنا أركز، وبإلحاح شديد، على أحوال الناس وكيف يمضون، ومن ثم يعبرون، الأيام الصعبة لينتزعوا لقمة العيش بالكدح والعرق والدموع، وأعني بهذا المعنى لأولئك الناس من الطبقات المسحوقة والمعدمة، ولا شأن لي بالمتخمين. ولطالما دارت عدستي في الأحياء والبيوت المظلمة والأماكن التي لا ينوشها الضوء إلا المتطاول منه والفاتر تماما.
إن التعبير عن الموقف الشخصي من خلال الصورة الهادفة يتجلى للانحياز للبشر في أحزانهم ومسراتهم وقناعاتهم بما يكسبون. وقد أعترف بأنني منحاز دائما لبيئتي ذلك الانحياز المطلق أكثر من أي شيء آخر. وقد اشتغلت على المآسي والمحن والشدائد التي خلفتها الحروب أكثر من أي فوتوغرافي أعطى ظهره لذلك، ونسي أن يكون مؤرخا وصاحب موقف من الأحداث التي تحيل الحياة الى جحيم لا يطاق، خصوصا بالنسبة للكسبة والفقراء والمحرومين من أبسط شروط العيش الكريم.
كما تجد في أعمالي كائنات سابحة في الضوء البلوري، إن كان منسكبا أو مندفعا أو ناعسا، كأنني بذلك أهتم كثيرا بأسلون الاختزال الضوئي لأصيد الشعاع النافذ على الظلمة دائما.
*إلى أي مدى توجه القراءات المعرفية بناء الصورة الفوتوغرافية لدى فؤاد شاكر؟
*على الرغم من أن أغلب نماذجي مقهورة ومنفية، وهي بقايا جزر ميتة، إلا أني أعاني فيها روح المكابرة والصبر على الأحزان والمرارت والخسارات الباهضة، وغيرها الكثير أجدها أكثر تعطشا للحياة بامتداداتها الرحبة.
عندما أصوب مستوى العدسة باتجاه الجدران العتيقة المليئة بخربشات الأطفال، إنما لأتذكر من خلالها راحة الأحياة والرحلين، بأمنياتهم المؤجلة، وبالذين ارتبطوا ارتباطا عضويا ليس منه فكاك بأمكنة النشأة والمهد الأول.
* بين الموهبة والاحتراف، كيف يصف فؤاد شاكر مراحل تطور الصورة الفوتوغرافية لديه؟
*الموهبة للخلق والابتكار، أما الصنعة فهي من أولى الاشتراطات الواجب توفرها بحامل آلة الأبصار. والثقافة العامة، تقوده لاكتشاف عالمه، إن كان هذا العالم تراجيديا او فاتنا وجميلا، ومن ثم مليئا بالمتناقضات. وفي كل الأحوال على المعني أن يصور بعين طفل مندهش، مثلما عليه أن يحيط بالموضوع الذي يهز الضمير والإحساس معا.
أنا صورت الواقع كما هو من دون تزويق، بدلالاته وطابعه الذي يوحي للناظر ببصمة الإنسان المبدعة والخلاقة، وكثيرا ما جزأت المشهد وأعدت صياغته من جديد ليبدو بالعين اشد سحرا وأكثر مهابة.
*على الرغم من تطور الكاميرا وتعدد مميزاتها في الوقت الحاضر، إلا أننا نراك ما زلت متمسكاً بالتصوير بالأبيض والأسود؟
*إن مسألة المناورة بالأدوات ترجع إلى خبرتي الطويلة في المجال الفوتوغرافي. لذلك فأنا معني بتجديد أدواتي التي تمكنني من إنجاز أعمالا مهمة اعتز بها، وأعتبر كل واحد منها قطعة من قلبي، وبالتالي أدمج بين الحداثة والطرق القديمة بالتصوير، كذلك أنا منحاز، كل الانحياز، للصورة الفلمية التي أعدها وثيقة مهمة.
*وجوه، أطفال، أزقة ضيقة.. أهم الموضوعات التي نراك مهتما بها، ما العوالم التي تثير عدسة فؤاد شاكر؟
*كأنك بسؤالك هذا تنظر لي نظرة الذي دخل إلى الزقاق ولم يخرج منه، في الوقت الذي وجدتني فيه احيل هذه القارة الشعبية الى فردوس وجنان معلقة، تعبيرا عن اعتزازي بما رسبت بي من أشياء وقيم اجتماعية وتربوية وكريات استقرت في أبعد زاوية مظلمة من ذاكرتي المتعبة، ولم أدخر وسعا خلال مسيرتي الطويلة من الالتفات الى الاحداث المهمة ومجريات الزمن والمتغيرات بشكل عام، ولم أهمل لمحة من الواقع، إلا وقد أحطت بها إحاطة وافية.
صحيح أنني ركزت على المحلية بإلحاح شديد، ذلك لأنني أعتبر المحلة مفتاحا للعالمية، وكل فوتوغرافي لا يمتلك شيئا عنها تعد تركته ركاما، وفي حال ضياع هويتنا المحلية، لا نستطيع تعويضها بأي شيء.
* تنقلت بين أوربا وأمريكا، كيف استفدت من تغير الحياة والبيئات المختلفة؟
*وجدت المجتمع في أمريكا عمليا ولا يعاني من أية خانقة تذكر. والإنسان هناك يذوب ذوبانا كليا في مفاصل العمل حين تراه يقضي أكثر من 8 الى 16 ساعة في موقع العمل والانتاج، في حين أن ما يكسبه ينفقه على راحته، من دون اكتراث، في أيام العطل الرسمية، لأنه وببساطة يحيا حياة واحدة، وعليه أن يقرنها بالمتعة وخدر أعصابه المشدودة دائما.
عندما كنت أعيش في أمريكا ركزت على هذه الناحية، باعتبارها عقدة المجتمعات الصناعية، في أمريكا وأوربا عموما. وآخر ما صورت بهذا المعنى مهرجان الفياغرا لعام 2000- 2001 الذي أقيم في ولاية أوهايو.
في اليابان، التي زرتها في العام 2010، اختلف أسلوبي واشتغلت على انفراج المشهد، لأحيط بكل تفاصيلها، بمعنى أنني ركزت على الصورة الإعلامية الهادفة، لأن اليابان أسهمت في كتابة التاريخ القديم والمعاصر، ناهيك عن كونها بلدا صناعيا كبيرا، وعلى هذا الأساس فقد أسميت معرضي الفوتوغرافي (اليابان أرض الذهب كما رأيتها).
* بعد أكثر من 8 معارض فوتوغرافية، ما جديد فؤاد شاكر، وما الذي سيقدمه في معارضه القادمة؟
*لدي مشاريع فنية كثير، لكن توقيتات ظهورها مقرونة بالظروف المادية حصرا. وسأحاول جاهدا تذليل المصاعب لكي أتمكن من إنجاز هذه المشاريع بأقرب وقت.