ليس هناك مثل العمل الفني أو القصيدة أو الرواية والقصة، يمنحك طعم الحرية، لا يعيش الفن من دون حرية، وإلا يصبح عملا مزيفا. لسنا اذاً أحرارا امام العمل الفني لأنه محفور في اعماقنا شئنا أم أبينا.
أنه حتمية لا مهرب منها…والفنان الموهوب، أكان رساما او موسيقيا او روائيا وغير ذلك.. علينا أن نفض اسراره كما نكتشف أحد قوانين الطبيعة، مضحين بذوقنا وتفضيلنا لبعض الكتب والآثار التي نحبها، متجنبين تقليدها، والتشبه بمدعيها. هكذا، لنستمع الى الصوت الحميم الذي يملي علينا الابداع الحقيقي برسالته الخلاقة. فإنتاج الاديب انما هو عدسة يقدمها للقارئ الذي ما هو في نهاية الأمر سوى قارئ نفسه. فيتيح له الكاتب ان ينظر داخل روحه، مكتشفا تلك الخفايا الدفينة التي لا تُرى بالعين المجردة. وعندما يتعرف القارئ الى ذاته من خلال السطور، يكون هذا أكبر دليل على أصالتها. أما إن لم يتمكن من ذلك، فقد لا يعني هذا ان الكاتب فاشل، بل قد يعني أحيانا ان نظر القارئ ليس من النوع الذي تصلح معه هذه الصفحات كي يُطلع من خلالها على أسرار قلبه.
الكاتب او الفنان كلاهما، عليه ان يعبر عن عبادته للفن، الذي يمثل في المحصلة الحقيقة بجوهرها، الهدف الذي ينشره الكاتب او الفنان.
الابداع وقائع حسية مأخوذة من حياتنا الخاصة، كطفل تلفت نظره فراشة ملونة يريد التقاطها متحسرا مرددا الفنان في سره: هكذا كان عليّ ان اكتب، لا اريد لكتابتي ان تكون كتابة جافة، بل يجب ان تمر عليها طبقات من الألوان، فتجعل جملتي نادرة في ذاتها كأنها عبارة مقدسة.
حقيقة الفنان تكمن في ذاته، وعبثا ما نبحث عنها في الاشياء الخارجية. إن اي شيء يخرج من وعي الفنان يجب ان يقدره الناس حق قدره. هذه الآلية المعترف بها، تلك الحقيقة التي قد نموت قبل ان نتوصل الى التقاطها، والتي هي بكل بساطة حياتنا، المضاءة أخيرا، كما نعيشها حقا، وكما لا يستطيع اكتشافها سوى الأديب، مع انها تسكن دائما في أعماق كل الناس، كما في حنايا الاديب.. لكنهم لا يرونها بالفعل، لأنهم لا يحاولون اكتناه أسرارها، فتبقى احاسيسهم غارقة تحت ركام من الكليشهات العديمة المعنى، الى ان يرفع عنها الفنان النقاب، حين يهتك الستر عن خفايا نفسه، ويقرأ لغة الابداع الداخلي المنقوش في اغوارها، الذي هو أثمن كنز في الوجود، لانه جوهر معاناته لا كما يتصورها عن خطأ وجهل، بل كما تظهر له من خلال بعض اللحظات المباركة فيفرح كثيرا في العثور عليها.
الكاتب، احيانا، لا يستطيع ان يساعدنا على حل رموزه وتهجئة حروفه، فما كان واضحا قبلنا، ولم نبذل مجهودا لفك طلاسمه ليس لنا، ولا نملك الا ما نستخرجه من قرارة ذاتنا ولا يعرفه الآخرون.
لكن تلاوة هذا الابداع هي من الصعوبة بحيث ان معظم الادباء يجدون ذريعة للتهرب من ذلك.
الابداع الحقيقي يخرج الى النور من تلقاء نفسه ولا احد يقدر على تغيير مساره، لأنه يفرض نفسه بنفسه، والذي تمليه الغريزة في البدء على الاديب الاصيل، ثم يبحث الذكاء عن الوسائل لتحقيقه وابرازه الى حيز الوجود، والذي ليس على الكاتب الكبير ان يخترعه بما انه كامن في عمق قلبه، بل ان يترجمه، فوظيفته تقتصر على ذلك.. وما الموهبة سوى الخضوع لهذه الحقيقة الداخلية.
ومهمة الأديب هي ان يتيح لنا اكتشاف هذه الحقيقة التي نحيا بعيدا عنها أكثر فأكثر بنسبة ما نحل محلها تلك الاصطلاحات الآلية المتعارف عليها. تلك الحقيقة التي قد نموت قبل ان نتوصل الى التقاطها، والتي هي بكل بساطة حياتنا.
‘ كاتب سوري