لندن ـ ‘القدس العربي’ في مقال لماكس بوت وجين كيركباتريك من مجلس العلاقات الخارجية نشر على موقع المجلس تساءلا عن سياسة الرئيس باراك أوباما وقالا إنها ‘خطأ مميت’.
وواصل الكاتبان النقاش الدائر في الولايات المتحدة والذي أشعلته تصريحات وزير الخارجية جون كيري، حول فشل السياسة الحالية نحو سوريا.
ونقل التصريحات عنه كل من النائبين جون ماكين وليندزي غراهام، ثم جاءت تصريحات جيمس كلابر، مدير الأمن القومي أمام لجنة في الكونغرس وملخصها تحول سوريا لنقطة انطلاق للقاعدة ضد الولايات المتحدة.
ويعلق الكاتبان هنا أنه مهما كان الحديث عن سياسة أوباما نحو سورية فمصيرها هو الفشل. وذكر الكاتبان بضحايا الحرب، أكثر من 130 ألف سوريا و 9 ملايين مهجّر مما يجعل من سوريا الأسوأ منذ حرب الإبادة في رواندا، ويواصل نظام بشار الأسد برمي البراميل المتفجرة على المدنيين في حلب وغيرها من المجتمعات، فيما نشر محققون دوليون صورا عن انتهاكات النظام للسجناء في سجون النظام والتي تكشف عن مصير 11.000 سجين ماتوا بسبب التعذيب والتجويع. ويشيران لتحوّل سوريا لساحة يستغلها المتطرفون السنة والشيعة لتحقيق منافع وإنجازات فيما يتم تهميش الجماعات المعتدلة.
وبسبب الفوضى حققت الجماعات التابعة للقاعدة مثل جبهة النصرة، والدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ والتي كانت حتى الأسبوع الماضي تابعة للقاعدة تقدما على حساب الفصائل الأخرى في شمال سوريا.
وبحسب التقديرات الأمريكية فهناك أكثر من 26 ألف جهادي متطرف في سوريا يرغبون في توجيه ضربات للولايات المتحدة. وعلى الجانب المؤيد للنظام هناك فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله.
وبالإضافة للفوضى داخل سوريا فقد انتقلت الحرب السورية لدول الجوار من خلال تدفق مئات الألوف من اللاجئين لسوريا ولبنان والأردن، وتحول مقاتلو داعش للعب دور في المشاكل الأخيرة في العراق فيما أصبحت التفجيرات التي يقوم بها المقاتلون السنة جزءا من الحياة اليومية في لبنان.
وفي ضوء كل هذه الأحداث فلم ينجح مؤتمر جنيف-2 الذي عقد برعاية روسية وأمريكية في تحقيق أي شيء، فكل ما حققه جون كيري هو أنه جمع أطراف النزاع في مكان واحد، ولا يزال مع ذلك النظام السوري متعنتا في مواقفه، ويرفض فك الحصار عن أكثر من 250 ألف مدني في أكثر من منطقة. وفي المجال الكيميائي لم تنجح سوريا حتى الآن بالوفاء بتعهداتها حيث كان من المقرر أن تنهي تسليم ترسانتها في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي.
وفي الوقت الذي يتعلل فيه النظام السوري بالمشاكل الأمنية يقول روبرت ميكولاك، ممثل الولايات المتحدة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إنها مبررات لا قيمة لها وتعبر ‘عن عقلية تحب المقايضة’.
وفي المحصلة فلا يلومن أوباما إلا نفسه، فإصراره على نقل الموضوع للكونغرس للحصول على موافقة منه على ضرب سوريا أدى لتخفيف الضغط عن النظام السوري كي يواجه مسؤولياته بما يمليها عليه القانون الدولي.
وقد أدى فشل الولايات المتحدة لتقديم السلاح والتدريب للمعارضة السورية لتقدم النظام في الوقت الذي اشتغلت المعارضة بنفسها. ومن هنا ‘حان الوقت كي يعترف أوباما بفشل سياسته’ في سوريا.
ولا أحد كما يقول الكاتبان يقترح عليه إرسال قوات برية ، ولكن هناك خيارات أخرى تتراوح بين تسليح المعارضة، وإعلان مناطق حظر جوي، والقيام بهجمات على القاعدة باستخدام طائرات الدرون. كما ويمكن استخدام القصف الجوي لخلق معابر إنسانية قرب الحدود الأردنية والتركية، كما ويمكن أن تقود أمريكا الجهود لتقديم الأسد وأركان نظامه لمحكمة جرائم الحرب الدولية.
ويعترف الكاتبان أن مجلس الأمن قد لا يؤيد هذه الخطوات، ولكن يجب أن لا تتحرك الولايات المتحدة وحدها بل عبر تحالف، مع حلفاء مثل فرنسا والسعودية اللتان تدعوان لمثل هذا وعبرتا عن رغبة في التعاون، لكنهما لن تعملا الكثير ما دام أوباما لا يتحرك، ومن أجل أن يتحرك أوباما عليه الإعتراف لنفسه أنه كان مخطئا في سياسته السورية خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
تدخل إنساني
ولا تختلف دعوة الكاتبين هنا إلا في المجال مع دعوة أخرى وجهها باحثان في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر، وهما داني بوستل ونادر هاشمي، حيث تحدثا عن الموقف في مجلس الأمن والمقترح الذي ستتقدم به فرنسا لقرار حول الوضع الإنساني في سوريا. ويقول الكاتبان إنه في حالة رفض روسيا القرار واستخدام الفيتو فيجب كسر الحصار على حمص والمدن الأخرى بأي وسيلة ممكنة.
ودعا هاشمي وبوستيل لاستخدام قانون ‘الحق في الحماية’ كمبرر لتوفير الحماية للمواطنين حالة فشل الدولة بتوفيرها لأبنائها. وهناك سوابق كما حدث في الصومال عندما أرسلت الولايات المتحدة قواتها ‘لإعادة الأمل’ لهذا البلد قبل أن تنسحب منها عام 1993 بعد سقوط طائرة بلاكهوك.
ويقول الكاتبان هنا إن التدخل الإنساني يحدث عندما تتداخل المبادئ الأخلاقية والمصالح السياسية ‘كما تقترب الذكرى الثالثة للإنتفاضة السورية، فهذا التداخل يأخذ شكله، فتزايد الغضب الدولي على الكابوس الإنساني في سورياـ الذي يزخر بتدفق اللاجئين واستخدام غاز السارين والبراميل المتفجرة والقتل والتعذيب كما كشف الشهر الماضي قد سببت الرعب للعالم.
ويختم الكاتبان مقالهما في صفحة الرأي بصحيفة ‘نيويورك تايمز’ أن ‘استخدام القوة لمنع التجويع لن يحل الأزمة السورية مباشرة، ولكنه مع ذلك سيؤدي إلى تغيير كمي في حياة مئات الألوف من المدنيين السورين. كما وسيرسل رسالة واضحة للنظام السوري والميليشيات المتطرفة أن المجتمع الدولي وبعد ثلاثة أعوام من مراقبة هذه الكارثة الإنسانية والأخلاقية تتكشف أمامه الحقائق ويجب أن يكون مستعد أخيرا للتحرك’.
وللكارثة الإنسانية في سوريا وهي الوجه الأهم وجه آخر. فطالما تم الحديث عن المسؤولية الدولية تجاه التراث الحضاري السوري، صحيح أن البشر أهم من الحجر ولكن الحجر مهم لذاكرة الأجيال التي ستخرج من هذه الازمة وهذا ما يركز عليه تقرير ‘اندبندنت’ ‘تحطيم الأصنام’.
تحطيم الأصنام
فقد كتب باتريك كوكبيرن عن حجم الدمار الذي أصاب التراث الثقافي السوري، البيزنطي والمسيحي والإسلامي منه، وقال إن الكنوز الأثرية للبلاد تتعرض لتهديد سواء من الجهاديين الذي يرون في التراث القديم ‘عبادة للاصنام’ وتجار الآثار الذين وجدوا في الفوضى فرصة سانحة لسرق وتهريب ما يمكنهم تهريبه من تراث سوريا الغني للخارج. ويقول كوكبيرن إن الجهاديين في سوريا بدأوا بتدمير الآثار القديمة مثل الفسيسفاء البيزنطي والثماثيل اليونانية والرومانية لأنها تمثل صورا بشرية يرون فيها شركا وبدعة. ويضيف إن التدمير المنظم للآثار السورية قد يكون أسوأ كارثة منذ قامت حركة طالبان بتفجير تماثيل بوذا في أفغانستان في وادي باميان بالديناميت عام 2001. وبشكل مماثل قامت داعش بتفجير فسيفساء بيزنطي يعود للقرن السادس الميلادي قرب مدينة الرقة التي تسيطر عليها الدولة. ونقل عن رئيس دائرة الآثار في الرقة والذي هرب منها لدمشق قوله ‘حدث (التفجير) قبل 12-15 يوما عندما حضر رجل أعمال تركي للرقة لشراء لوح الفسيفساء مما أثار انتباههم لوجوده وحضروا وفجروه، وضاع بالكامل’.
ومن المواقع الأخرى التي دمرها الجهاديون موقع شاش حمدان، وهو مقبرة رومانية قرب مدينة حلب.
وتمثال في وادي القطارة حيث تم التصويب عليه وتهشيمه إلى قطع. وبحسب البرفيسور مأمون عبد الكريم مدير دائرة الأثار والمتاحف في وزارة الثقافة السورية إن موقف الجهاديين والإسلاميين المتطرفين من التماثيل يعرض الكثير من الآثار السورية للخطر. وقال وهو الخبير في المرحلة الرومانية والفترة الأولى من المسيحية في سوريا ‘ في حال استمرار الحرب فأنا متأكد أنه سيتم تدمير كل الصلبان من الفترة المسيحية الأولى والفسيفساء وكل الرموز الميثولوجية التي تعود للعصر الإغريقي والروماني ‘.
وبالنسبة لفسيفساء الرقة فقد اكتشف عام 2007 ويعلق عبد الكريم على أهميته بالقول ‘إنه مهم لأنه لم يتعرض للضرر ويعود للفترة البيزنطية ويستخدم الأساليب الرومانية’.
أكبر تراث في العالم
وتحتوي سوريا على مواقع أثرية حية تعود للعصور القديمة أكثر من أي بلد في العالم وتتراوح هذه من الجامع الأموي في دمشق إلى آثار إيبلا في منطقة إدلب والتي تعود للعصر البرونزي، وهي الحضارة التي ازدهرت في الألفية الثانية قبل الميلاد، وفيها اكتشف 20 ألف لوحة مسمارية.
وفي شرق سوريا ومناطق أعالي الفرات بقايا دورا- أوربوس، قرب صالحية الفرات وهي مدينة تعود للعصر اليهنليستي وتعرف بـ ‘بومبي الصحراء السورية’ حيث عثرت على بقايا كنيس يهودي.
وليس بعيدا عن الحدود مع العراق هناك بقايا ماري أو تل الحريري اليوم والتي تحتوي على قصر يعود للألفية الثالثة قبل الميلاد. وللأسف فالكثير من المناطق الأثرية المهمة في سوريا تقع اليوم في يد الجهاديين وعليه فهي في حالة من الخطر.
وينقل عن البروفسور عبد الكريم قوله إن من يقوم بالتدمير ليس ‘داعش فقط بل وجبهة النصرة وبقية الجماعات المتطرفة التي لا تختلف عنهما’.
ويؤكد أنه يتعامل في محاولاته لحماية الآثار السورية من وجهة نظر سياسية محايدة، فقد تركت الحرب الأهلية أضرارا بالغة على مدينة حلب وتراثه الحضاري العريق خاصة منارة الجامع الأموي التي دمرت إلى جانب السوق القديم الذي يعود للقرن السادس عشر، حيث احترقت فيه 1000 دكان.
أما حمص القديمة فقدعانت من أضرار شديدة ولا تزال بيد المقاتلين، فيما لم تسلم قلعة الحصن التاريخية التي تعود للعصور الصليبية والتي تعرضت لقصف من القوات السورية، وتم تحويل الكنيسة المعروفة باسم القديس سيمون إلى مركز للتدريب. في الوقت الذي تعرضت فيه المعالم الأثرية للقصف، الهدم، الحرق أو التهشيم فإن المتاحف السورية بشكل عام تم تأمين مقتناياتها وتم نقلها لأماكن آمنة.
ويقول الموظفون في المتاحف إنهم شاهدوا ما حدث في العراق بعد الغزو عام 2003 وقاموا بنقل المقتنيات وبسرعة. ويقول كوكبيرن إن متحفا للتراث الشعبي في دير عطية الواقعة بين حمص ودمشق سيطر عليه المقاتلون ولكنهم كانوا يبحثون عن المسدسات والبنادق القديمة كي يستخدمونها في الحرب.
النهب والسرقة
وبعيدا عن أثر الحرب والتدمير الذي قامت به الجماعات المقاتلة فأكثر الأضرار على التراث الحضاري السوري جاءت من السرقة والنهب، وقام بعمليات النهب هذه سكان محليون يعيشون قرب المعالم الأثرية ويبحثون عن الكنوز، وفي بعض الأحيان تم مسح السجل الأثري من خلال استخدام الجرافات، وقتل عدد من الباحثين عن الكنوز أثناء محاولتهم الحفر في مغارة في إيبلا حيث انهار سقفها.
ومن هنا فما يثير مخاوف عبدالكريم والعاملين معه هو توسع دائرة النهب وبشكل كبير، حيث يتحدث عن ‘مافيا من تركيا والعراق ولبنان ومئات الأشخاص من كل الألوان والدول’، والذين يبحثون في المدن المعروفة بمدن الموتى في منطقة إدلب، شمال سوريا والتي تعتبر من أكثر المناطق غنى وتم تركها قبل ألف عام.
وهناك علامات عن قيام اللصوص بجلب خبراء في الآثار كي يقدموا لهم النصح حول كيفية الحفر أو طريقة التنقيب بطريقة جيدة. ويشير التقرير إن وضع الآثار في شرق سوريا سيء بعد قيام فصائل المسلحين وعددها 500 بالسيطرة على تل الحريري.
وبحسب تقرير رسمي فقد ركز المهربون وعصابات النهب على ‘القصر الملكي’ والبوابة الجنوبية، والحمامات العامة، معبد عشتار ومعبد آلهة الربيع. والوضع أسوأ في بلدة دورا أوروبوس (صالحية الفرات) حيث يقوم 300 شخص بالبحث عن الآثار.
ويقول تقرير لمديرة الآثار العامة والمتاحف فقد فشلت المحاولات لوقف نشاطات الآلات الثقيلة التي تستخدم في الحفر. ويضيف التقرير إن الحفر غير القانوني ‘قد أدى إلى تدمير نسبة 80 بالمئة من الموقع حيث يقوم الفعلة بحفر ثقوب تصل إلى 3 أمتار’. وبالنسبة للكثير من السوريين ففي المناطق الفقيرة والتي دمرتها الحرب تحول النهب كوظيفة عمل كامل. وفي المناطق الشاسعة والتي خرجت عن سيطرة الحكومة وتعيش حالة من الفوضى وتعمل فيها الجماعات المسلحة وتلك التي تمارس الإختطاف، فلن يكون لدى قادة المعارضة المسلحة الوقت الكافي لحماية الآثار حتى لو أرادوا هذا.
ومن هنا يشكو البروفسور عبد الكريم أنه لم يتلق سوى القليل من الدعم الدولي لمنع نهب التراث الدولي الغني.
وعليه فالإستهداف المبرمج من داعش والجماعات المتطرفة للمعالم الأثرية باعتبارها تخالف الدين وقد تؤدي لتسريع عمليات تدمير التراث السوري، والمعالم التراثية التي عاشت ونجت من حروب ومجاعات، وقساوة الطبيعة ولأكثر من 5000عام قد تصبح وفي وقت قريب أنقاضا، كما يقولا.