العراق بين سندان الطائفية ومطرقة الارهاب

حجم الخط
12

اعلنت مفوضية اللاجئين التابعة للامم المتحدة ان عدد النازحين من محافظة الانبار العراقية بلغ نحو 300 الف شخص، بينما كشف رئيس الوزراء نوري المالكي في كلمته الاسبوعية امس الاربعاء عن خطة تهدف الى اعادة بناء مراكز الشرطة ودمج مقاتلي العشائر في الانبار الذين يقاتلون الى جانب القوات الحكومية، بشرطة المحافظة.
ولايتوقع المراقبون ان تكون الخطة التي تشكل جزءا من ‘استراتيجية الحل الامني’ التي تعتمدها الحكومة افضل حظا من سابقاتها في معالجة الوضع المتدهور في العراق، خاصة منذ اندلاع المعارك بين القوات الحكومية وميلشيات ‘داعش’ المتطرفة في شهر كانون الاول/ديسمبر الماضي.
للاسف، لقد اصبح الشعب العراقي العظيم رهينة بين مطرقة الارهاب وسندان الطائفية، بعد ان فقدت العملية السياسية اهليتها ومصداقيتها، ووصلت الى نهاية الطريق المسدود.
وللاسف ايضا، انه لايظهر ضوء في نهاية هذا النفق المظلم الذي يقود البلاد الى هوة سحيقة، كما يخشى الكثيرون، طالما ان هذه الحكومة المفتقرة الى اي رؤية سياسية تصر، لدوافع طائفية، على الاقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي لقطاع اصيل من العراقيين، هم اهل السنة، ما ادى لاخراج البلاد من مسار التحول الديمقراطي، واستدعاء جماعات الارهاب التكفيري وتوفير الحواضن الايديولوجية واللوجستية اللازمة لتقويتها على الارض.
وبينما يسقط اكثر من الف قتيل شهريا، اثر هجمات الارهاب التكفيري الاعمى، التي لم تستثن حتى المساجد ومدارس الاطفال والاسواق الشعبية، تستغل الحكومة عنوان ‘محاربة الارهاب’ لتمرير سياساتها القمعية وفرض الحلول الامنية في المناطق السنية المناهضة لها، متجاهلة البعد السياسي للمشكلة والمظلومية الصادقة التي يعاني منها هذا القطاع الواسع من المجتمع العراقي.
ولا تقتصر هذه المظلومية على الحرمان من التمثيل السياسي العادل في الحكم، بل تمتد الى التمييز في مجال التعيينات والتنمية الاقتصادية، وسط اجواء مشحونة بالتحريض عبر خطاب الكراهية الذي تصدره على مدار الساعة قنوات طائفية تستخدم مخزونا تاريخيا من الشعور بالظلم في ابتزاز المشاعر الدينية للمتلقين، وتغذية رغبات الحقد، واشعال نار الانتقام.
ومع تفحص متأن لمفردات خطاب الطائفية والتحريض والكراهية، سواء الذي تتبناه الحكومة وحلفاؤها من جانب، اوالجماعات الارهابية من الجانب الاخر، يبرز بينهما ثمة تشابه مثير للانتباه، بل وتقاطع للمصالح، حتى ان وجود كل منهما اصبح يعتمد الى حد كبير على وجود الاخر.
وفي قلب هذه الدائرة الجهنمية من العنف العبثي يبدو الشعب العراقي وحيدا ومعزولا عن امته التي طالما وقف الى جانبها في محطات فارقة عبر التاريخ.
وبشكل متزايد يتحول العراق الى مجرد ساحة لصراع استراتيجي اقليمي اوسع على النفوذ يمتد من البحرين واليمن الى لبنان مرورا بسوريا، ويتخذ غالبا شكل حرب طائفية صريحة المعالم.
وفيما يشعر النظام الطائفي ان الدعم الايراني يمثل ‘شبكة امان’ لن تسمح بسقوطه، خاصة بعد ان اسهم في انجاز التقدم العسكري لقوات النظام السوري مؤخرا، ترى ميليشيا ‘داعش’ الارهابية التي تسيطر على الفلوجة واجزاء من الرمادي ومناطق واسعة في الانبار، انها قادرة على التقدم نحو بغداد نفسها في المستقبل القريب.
وعلى المستوى الدولي فقدت الولايات المتحدة اي قدرة على التأثير في مجريات الامور، ويبدو انها استسلمت الى توابع خطيئتها التاريخية المتمثلة في تحويل العراق الى رأس جسر للنفوذ الاقليمي الايراني ثم المسارعة بالهروب بعد ان زرعت شركاتها على منابع اكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، دون ان تكترث لانهار الدماء العراقية التي فجرتها بغزوها لهذا البلد دون مسوغ شرعي في العام 2003.
ووسط هكذا اجواء من الاستقطاب الحاد، والتدهور الامني والاجتماعي الشديد، والتهديدات المتبادلة بالاستئصال، يبدو غريزيا ان تتمترس كل طائفة على جانبي الصراع بانتظار تحقق وهم اسمه ‘الحسم العسكري’، وهو ما لا يكاد يراه احد غيرهما ممكنا في المستقبل المنظور دون وجود قيادة وطنية حقيقية قادرة على اعتماد مقاربة سياسية واجتماعية ثقافية شاملة تتعامل مع جذور المشكلة وليس اعراضها فقط.
وعلى المستوى الاقليمي تبدو الدول الخليجية معذورة في قلقها المشروع وهواجسها المتنامية، من امتداد نيران الحرب الاهلية الطائفية الى ذيل ثوبها، الا انها عاجزة عن اعتماد استراتيجية واضحة في مواجهة هذا الخطر الحقيقي، وماينذر به من توابع كفقدان الوحدة الوطنية.
ومن جهتها تتشبث الجامعة العربية بمقعد المتفرج على هذا العضو المؤسس والبلد العريق في تصدره للنضال من اجل القضايا العربية، بينما يهوي العراق بسرعة، في نظر الكثيرين، الى المجهول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية