لندن ـ ‘القدس العربي’ قالت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن عددا من سجناء القاعدة الذين حررهم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’ في سلسلة من المداهمات على السجون العراقية وجدوا طريقهم لسوريا حيث يقاتلون هناك، فيما عاد بعضهم لمساعدة التنظيم في مواجهته الجديدة مع حكومة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي.
وتقول الصحيفة إن ‘دورالسجناء السابقين في إشعال موجهة من الجهاد السني في المنطقة هو تذكير مؤسف لانهيار السلطة في العراق منذ رحيل الأمريكيين عام 2011 وفراغ السلطة الذي انتشر في معظم المنطقة واستمرار التهديد الذي تمثله الجماعات الإرهابية ـ السنية والتي كانت الولايات المتحدة تحاربها أثناء احتلال العراق’.
وتعكس عمليات مداهمات السجون التي لم يلتفت إليها إلا القليل من المحللين المطالب الشديدة من الجماعات الجهادية للمحاربين المتمرسين في الحروب والذي احتجزوا بأعداد كبيرة في السجون العراقية.
وأشارت الصحيفة إلى استراتيجية الدولة الإسلامية في العراق والشام والتي بدأتها العام الماضي والقائمة على مداهمة السجون بقوة عسكرية وتفجيرات وتحرير سجنائها، وأطلق على هذه السياسة اسم ‘عملية تحطيم الجدران’ والتي ظهرت بشكل واضح في تموز/يوليو 2012 وحتى العملية الكبرى العام الماضي على سجن أبو غريب قرب بغداد.
مئات هربوا
ويقدر الأمريكيون عدد الذين تم تحريرهم بالمئات وبعض هؤلاء من القادة البارين. ونقل عن مسؤول أمريكي في مجال مكافحة الإرهاب قوله ‘ربما قوي تدفق هؤلاء الإرهابيين ممن لديهم خبرة عقود في المعارك وعزز صفها القيادي’.
ومن بين الذين هربوا كان أبو عائشة والذي يقاتل الآن في مدينته الفلوجة والتي لا تزال جماعات مسلحة تسيطر عليها، وتحاصرها القوات التابعة لحكومة بغداد. وبدأت الحكومة الأمريكية بإرسال كميات كبيرة من السلاح وصواريخ ‘هيلفاير’ إضافة لطائرات مروحية ستصل قريبا.
وكان أبو عائشة يعمل في تصليح السيارات قبل الغزو الأمريكي عام 2003 حيث وجد دافعا للقتال، وقضى هو وغيره أوقاتهم في السجون الأمريكية في العراق بدراسة الإسلام والشريعة والتحضير للجهاد عندما يفرج عنهم.
واعتقل الأمريكيون أبو عائشة وأطلقوا سراحه من ‘كامب بوكا’ عام 2008 ليعتقل مرة ثانية عام 2010 وهذه المرة من قبل الحكومة العراقية.
ويقول أبو عائشة إنه التقى ‘أخيرا في السجن ببعض القادة والمقاتين وأمراء القاعدة من العراقيين والعرب وبقية الجنسيات’، وكان معظهم سجناء لدى الأمريكيين في كامب بوكا. وحكمت السلطات العراقية على أبو عائشة بالإعدام حيث كان في ليلة ينتظر كما ينتظر كل يوم موعد إعدامه ولكن صوت الإنفجارات وإطلاق النار اندلع في كل مكان، عندما فتح حارس السجن الذي يعرفه الباب وطلب منه وآخرون الهروب على جناح السرعة، وركض مع مئات السجناء في أروقة السجن حتى وصلوا إلى الثغرة التي أحدثها التفجير وقفزوا في عربة ‘كيا’ التي أخذتهم للحرية ولساحة المعركة مرة أخرى.
ويقول أبو عائشة إن قادة داعش خيروه بين القتال في العراق أو سوريا، ويقول ‘الكثير من القادة الذين أعرفهم ذهبوا لسوريا للجهاد هناك بعد خروجهم من أبو غريب’، فيما قرر الآخرون السفر لهناك بعد فترة لشعورهم أنهم سيكونون أكثر حرية، لكن أبو عائشة قرر البقاء مع جماعته.
تغيير المعادلة
وتقول الصحيفة إن مداهمات السجون والدور الذي لعبته في الحرب السورية أدت بعدد من المسؤولين الغربيين لتغيير مواقفهم من طبيعة الحرب الدائرة هناك والتي نظروا إليها في البداية كصراع بين شعب يطالب بحريته وديكتاتور مصمم على البقاء في السلطة.
كل هذا بسبب تصاعد سلطة الجماعات الجهادية، وتنقل عن رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي الذي فر من محاولة اغتيال قوله إن الكثير من المقاتلين ذهبوا لسوريا لقيادة جماعات هناك.
وبسبب صعودهم بدأ البعض بالتساؤل ‘هل بشار أحسن أم القاعدة؟’ كما يقول النجيفي.
ومع أن الكثير من المحللين يردون ظاهرة تصاعد الدور الجهادي لسياسة تركيا حول الحدود المفتوحة مع سوريا إلا أن الحكومة التركية تقول إن تقاريرها الأمنية ترد صعودهم لحملات مداهمة السجون وتحرير قادة القاعدة منها في العراق. وتم تحرير أكثر من 600 سجين سهل خروجهم الحرس الفاسدين الذين تم شراؤهم بسهولة.
وتقول الصحيفة عن عمليتي مداهمة سجون تركت أثرها على توسع القاعدة في سوريا وأظهرت ضعف القوات الأمنية العراقية، الأول في أبو غريب العام الماضي والثاني حدث في تكريت، في أيلول/سبتمبر 2012. وفي هذا الهجوم الأخير تم تحرير 47 ممن كانوا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام، ولعبوا دورا في تفعيل وتوسيع دور القاعدة في سوريا والعراق خلال العام الماضي حسب تشارلس ليستر، من معهد بروكينغز- الدوحة. ويقول المسؤولون الأمريكيون أن 500 سجينا فروا من سجن أبو غريب وحده.
ويقولون أيضا أن الغالبية الكبرى منهم اعتقلتهم القوات العراقية ولكن هناك عدد كبير منهم ممن سجنوا أثناء عمليات الجيش الأمريكي في العراق وقبل خروجه بنهاية عام 2011.
ومن بين أخطر الهاربين شاكر وهاب، الذي كان يدرس علم الكمبيوتر في جامعة الأنبار عندما قرر تغيير مسار حياته بعد دخول الأمريكيين العراق وقرر قتالهم، حيث اعتقل في كامب بوكا، وسلمه الأمريكيون للعراقيين وكان من ضمن الهاربين من سجن تكريت عام 2012.
نظريات مؤامرة
وأدى صعود داعش في سوريا إلى انتشار الكثير من نظريات المؤامرة وأن داعش ما هي إلا بيدقا في يد بشار الأسد. وفي مؤتمر جنيف 2 قدم الإئتلاف الوطني المعارض ورقة أكد فيها علاقة النظام بتنظيم الدولة الإسلامية.
وذكر أن مواقع ومراكز داعش معروفة في الرقة لكن النظام يتجنب ضربها ويركز على ملاحقة الجماعات المعتدلة.
ومع أنه لا توجد أدلة تثبت هذا إلا أن البعض يقولون إن الحكومة العراقية نظمت عملية الهروب مع نظام الأسد.
ونقل عن قائد في المعارضة السورية بحلب عبد الجبار عسو قوله ‘من خلال تصدير الجهاديين الأجانب لسوريا، قامت حكومة المالكي بدعم الأسد في زعمه أنه يقاتل الإرهاب داخل سوريا’.
ويقول قائد آخر وهو العقيد أحمد عبود إنهم في اللحظة التي سمعوا فيها عن هروب السجناء من العراق ‘عرفنا أننا سنواجه مشاكل بعد ذلك’.
ولاحظ أن الجيش الحر كان يجد صعوبة في تهريب السلاح عبر الحدود العراقية لداخل سوريا لكن داعش كانت قادرة على الحصول على عربات محملة بالسلاح والمقاتلين عبر سوريا.
ولم تقدم الحكومة العراقية توضيحات حول الطريقة التي تمت بها مداهمة السجون، مع أن الكثيرين يعتقدون أن المعتقلين حصلوا على مساعدة من الداخل، ويقول أعضاء في البرلمان أنهم عندما حاولوا التحقيق في مداهمة أبو غريب لقوا معوقات من القوات الأمنية والمسؤولين الكبار.
إنتكاسات
وتعاني داعش من هجمات على أكثر من جبهة وهذا نابع من قرارات زعيم الحركة توسيع مجال المواجهة في سوريا والعراق، حيث احتل مقاتلو داعش الرمادي الشهر الماضي ولا زال بعضهم يتمركز في الفلوجة، وتواجه الحركة مواجهات من الفصائل السورية التي اتحدت عليها منذ الشهر الأخير من العام الماضي وأخرجت داعش من أكثر من موقع، ولا يحظى التنظيم هذا الذي يقوده أبو بكر البغدادي بدعم من السكان. ولعل المستفيد الوحيد من تراجع داعش هي جبهة النصرة.
وفي تحليل مطول نشرته صحيفة ‘الفايننشال تايمز’ كتبه بروزو دراغي تحت عنوان قوة تتجمع وقال فيه إن جبهة النصرة تعتبر من أقوى وأفعل الجماعات التي تواجه نظام الأسد ولكنها تعتبر من ‘أخطر الجماعات’ كما وصفها مسؤولون غربيون.
حركة متطورة
ويضيف التقرير أن الحركة استطاعت خلال عامين من ظهورها على الساحة في سوريا استطاعت القيام بمجموعة من العمليات المعقدة استخدمت فيها الشاحنات المحملة بالمتفجرات، واعتمدت على العمليات الإنتحارية، واستطاعت الحصول على دعم محلي ودولي، واستفادت من الشبكة الدولية الداعمة للجهاد في سوريا حيث حصلت على الدعم المالي والمقاتلين الأجانب ‘وعلى الرغم من انضمامها متأخرة للقتال فقد أصبحت رأس الحربة للثورة السورية’.
وينقل الكاتب عن المؤرخ البلجيكي بيير فان أوستايين قوله ‘في كل المعارك تقريبا التي حقق فيها المقاتلون النصر كانت جبهة النصرة وراء تحقيقه’، مضيفا أن مقاتلي الجبهة دائما ما يكونوا في مقدمة الصفوف سواء كإنتحاريين أو سائقين لسيارات مفخخة، أما بقية الجماعات فتأتي لتنظف وراء الجبهة’.
ويرى التقرير أن أهم ما حققته الجبهة ولم تكن أي حركة جهادية قادرة على تحقيقه هو أنها نالت دعم الناس وكسبت عقولهم وقلوبهم حتى أولئك الذين لا يتفقون مع مواقفها المتطرفة. وتتمتع الحركة بالشعبية على الرغم من أدلة على عمليات إعدام فورية لمؤيدين للنظام، وفرضها للمظاهر الإسلامية خاصة على النساء.
وينقل الكاتب هنا عن ليستر قوله إن جبهة النصرة لعبت دورا براغماتيا لم تكن بقية الجماعات الجهادية المتشددة قادرة على لعبه. فلم يمنع ولاء الجبهة لتنظيم القاعدة من كونها جزءا من جماعات المعارضة السورية ‘فمعظم الفصائل المقاتلة تعترف بدور الجبهة في ساحة المعركة أو تدعمه’.
ويشير كمثال عن دورها في العمليات التي تقوم بها ضد قوات الأمن، ففي شريط فيديو نشر على الإنترنت في 11 كانون الثاني/يناير وظهر فيه شخص مقنع يشير إلى خريطة، حيث يوضح الصوت القادم من الفيديو أن أهل الغوطة الشرقية استغاثوا وطلبوا المساعدة ضد التعذيب والإعتقال في سجون قوات الأمن فلبت الجبهة ‘النداء’، وأظهر الشريط شاحنات محملة بالمتفجرات أمام بنايتين وأخرى عند نقطة تفتيش تابعة للنظام. ويظهر الشريط أيضا المنفذين الذي يقرأون وصاياهم ويجهزون أنفسهم لتنفيذ العملية في الليل.
ويعتبر هذا واحد من الأدلة عن عمليات عززت قوة الجبهة وصورتها الشرسة في ساحات القتال. ويشير الكاتب هنا إلى أن الحركة هذه هي من بنات أفكار أبو بكر البغدادي زعيم داعش والتي أعلن عنها عام 2012 وبرزت فيها شخصية أبو محمد الجولاني وهو سوري الولادة، ويعتقد أنه في الثلاثينات من عمره وقاتل الأمريكيين في العراق.
وبحسب التقرير فقد تطورت الجبهة تحت قيادته إلى جماعة ممولة بشكل جيد ولها حضور في كل مكان في البلاد تقريبا. ويقدر عدد مقاتليها بحوالي 12.000 مقاتل ربعهم من المتطوعين الأجانب. ورغم علاقتها مع تنظيم القاعدة والجهاد العالمي إلا ان رؤية الجبهة تظل سورية.
وكانت قناة ‘الجزيرة’ القطرية قد التقت مع الجولاني الذي تحدث عن تطور الحركة من مجموعة مكونة من ثمانية أشخاص لمجموعة قادرة على تدمير المطارات وتحرير مناطق بكاملها، وجماعة لديها أجهزتها القضائية والخدمات العامة، مثل توفير الطاقة الكهربائية والماء والنفط. ووسعت حركة الجولاني من سيطرتها على حقول النفط في دير الزور التي تدر عليها الأموال.
وبحسب كيرك سويل مؤسس ‘اوتيسينيز’ وهي جماعة إدارة المخاطر في الأردن ‘ منذ انفصالها عن داعش، أصبحت الجبهة حساسة أكثر للظروف المحلية أكثر من البغدادي’، مشيرا إلى أن الجبهة بدأت تتعاون مع الجبهة الإسلامية والجماعات العلمانية.
وتظل علاقة الجبهة مع القاعدة مصدر قلق للمؤسسات الغربية والذين يخشون من عودة الجهاديين الأوروبيين لبلادهم بعد نهاية الحرب السورية، وسيحملون معهم خبرات وأفكارا متطرفة. ويقول محللون إن الجولاني الذي ينتقد الولايات المتحدة ورعاة الأسد الإيرانيين والروس لم يهدد بشن هجمات خارج منطقة بلاد الشام.
وأكثر من هذا إثارة للقلق ماذا تعني الجبهة لسوريا بعد نهاية الحرب وادعاء الجماعات الجهادية النصر لنفسها. فجبهة النصرة متهمة بفرض المظهر الإسلامي على النساء وعقد المحاكم الشرعية. ورغم كل هذا لم تجد عائلات سورية حرجا من التعاون معها العام الماضي لتوزيع المواد الإغاثية في شمال سوريا.
ويقول فردريك لابروس، وهو محلل فرنسي ‘ستظل النصرة دائما مرتبطة بالقاعدة، ولكن علينا أن لا ننسى أن المقاتلين في صفوفها لا يستلهمون أفكارهم من القاعدة’ وهناك الكثير منهم يأتون للنصرة من الجيش الحر بحثا عن السلاح والمال لهم ولعائلاتهم.
تطور وتحول
ويتفق المحللون على أن جبهة النصرة تطورت في الخطاب والإسلوب بطريقة لم تحصل على بقية الحركات الجهادية الأخرى.
ويقول ناشط كردي في مجال حقوق الإنسان ‘تنتشر جبهة النصرة في كل أنحاء البلاد أما داعش فلا’ ويقول ‘من الخطأ إعلان الحرب على جبهة النصرة، وقد تحدثت مع الكثيرين داخل سوريا وكلهم يدعمون جبهة النصرة ويرون فيها جماعة قوية في المعارضة وليس عدوا’.