الظاهرة كما تعارفنا على توصيفها: هي ظهور مفاجئ يصحبه ضجيج غير مبرر وانبهار ناتج عن عنصر المفاجأة، ثم خفوت وتلاش مفاجئ أيضا، وكم من الظواهر الإعلامية التي دخلت من هذا الباب وخرجت منه بلا رجعة أو ذكر فى أدبيات البحث الأكاديمي الإعلامي. لذا رأيت أفضل توصيف لما يقدمه باسم يوسف أن أحاله ضمير بعض المهاجمين له إلى صفة ‘الأرجزة’ إن جاز التعبير. فالأراجوز فى ضمير المتلقي المصري: هو ذلك الفن الساخر القادر على نقد الحالة الآنية للمجتمع بطرق غير مباشرة وقادرة على تعرية الممارسات السياسية القاهرة للمواطن، وما بين وصف حالة باسم يوسف بالظاهرة أحيانا وبالأرجزة أحايين أخرى. نلج سويا إلى معرفة الفارق بين البرامج الساخرة والكوميدية. فالسخرية تعتمد فى المقام الأول على ‘ العصرنة ‘ بمعنى أن تكون القضايا محل السخرية معاصرة ومعروفة لدى المتلقي. سواء كانت سخرية من واقع سياسي أو إقتصادي أو إجتماعي وهدفها الأساسي النقد يليه الإضحاك…. أما الكوميديا، فهي أوسع بابا من السخرية لاعتمادها أحيانا على الموقف أو لغة الجسد أو ‘ الإفيه ‘ وليست مرتبطة بوقائع محددة أو تواريخ بعينها وهدفها الأساسي التسلية والضحك. فبرنامج البرنامج على حد فكرته هو ساخر وليس كوميديا، ومن حيث الجمهور فقد نجح نجاحا قاطعا في جذب الشريحة التي حددها صاحب الفكرة، أما من زاوية الهدف وهو النقد والتجريح فقد جاوز المتوقع منه. بالطبع لا نقصد بالتجريح ‘ الشخصنة ‘ وإن كان البرنامج وقع في كثير من حلقاته في مأزق الإسفاف المتعمد. فثمة فارق جوهري ما بين تجريح الموقف والفكرة مثل رصده العبقري للحظة تلقين مرشد جماعة الإخوان للأخ محمد مرسي في واقعة ‘ القصاص ‘ وما بين تصدير صور للأشخاص في لحظات التقطتها عين الكاميرا لإثارة الضحك على الشخص محل الصورة. فالموقف عند باسم يوسف له من القوة والحضور ما يدفعك إلى التفاعل مع ما يطرحه ويسير بك إلى طرح تساؤلات بعد إنتهاء الحلقة، وتلك ميزة تفتقد إليها معظم البرامج التليفزيونية العربية. لكن في الوقت ذاته حينما يتعرض البرنامج للذات البشرية كمحل للنقد، يفقد البرنامج ميزته النسبية في النقد وتجريح الأفكار ويتحول إلى استعراض بالكلام ‘ توك شو ‘ واستعراض بالصورة، فتسقط الفكرة بين الإسفاف واستدراج العقل إلى مسار التهميش. البرنامج في مجمله ‘ إسما وفكرة وجمهورا وهدفا ‘ يعد ناجحا للغاية وهو أيضا من البرامج القادرة على الإستمرار. فلم يدخل من باب الظاهرة ولن يخرج منها. لأنه أتى من رحم السخرية والمعاصرة، ومثل تلك البرامج لديها قماشة عريضة من المادة موضوع الإبداع. الوحيدان القادران على إسقاط ذلك البرنامج هما باسم يوسف نفسه ومخرج العمل. فاستمرارية مقدم البرنامج على السخرية من الواقع وتعريته بالنقد والتجريح دون التعرض للذات البشرية للشخص موضوع النقد، كفيل باستمرار العمل لسنوات. فليس من اللائق بمخرج قوي مثل مخرج برنامج البرنامج، أن يعتمد في المونتاج على قطعات تظهر وجه إنسان مشوه أو مثير للقرف وفى الوقت ذاته يتزامن مع ما نسميه ‘الفيكس كادر’ لغة جسدية ساخرة لمقدم البرنامج. فالضمير الديني والأخلاقي والمجتمعى يرفضون تماما تلك الممارسات الفنية العنيفة، الكفيلة وحدها إذا ما استحوزت على نصيب وافر داخل العمل، على إسقاطه. وأيضا تعد فكرة المباشرة الشديدة فكرة غير مقبولة فنيا. لكن الحقيقة أن مخرج العمل إستطاع بمهنية شديدة أن يغطي ذلك القصور الفني باستخدام مفردات الصورة والصوت المتنوع مع احترافية عالية في المونتاج، ليجعلك كمتلق في حالة تواصل مستمر دون ملل يذكر. لذا فإن وصف باسم بالأراجوز رغم المباشرة التي تؤخذ على البرنامج، يعد وصفا صحيحا، إذا ما أخذنا في الإعتبار تغير عادات المشاهدين في العشر سنين الأخيرة، وبالتحديد في السباق على مشهادة برامج ‘التوك شو’ المباشرة الفجة. لن ينال باسم يوسف لقب الأراجوز الحقيقي إلا إذا تجاوز تلك الصغائر التي تنال من برنامجه، وعلى مخرج العمل ألا ينساق خلف ‘ سكريبت الحلقة ‘ إذا ما استمر على ذلك المسار وتحت أي دعوى. فالعمل محسوب على المخرج كما يحسب على النجم تماما. فالأرجزة تحتاج إلى ضمير وطني وحس فني واحترام للذات البشرية. طلال سيف