لست معنياً بالتحليل السياسي طويل الأمد حول مخطط القوى الكبرى والطبقات الحاكمة في دولنا العربية لمستقبل هذه المنطقة. لكنني مهتم بالواقع الذي يعيشه الشباب اليوم وتبعات التأقلم معه، فلقد أثبتت ‘الهبات’ الجماعية أنها لا تستطيع أن تغير الواقع الملموس، أو على الأقل ليس بالسرعة التي قد تؤتي ثمارها خلال السنوات العشر القادمة. ومن منطلق إبداء النصيحة وحب المشاركة، وبما أن الوصايا العشر لا تلقى رواجاً اليوم على هذه البسيطة، أو أنها لا تنطبق على ‘الآخر’ الــــذي يحدده الرجـــل الأبيض حسب أهوائه. قررت أن أقوم بتقديم وصايا جديدة لأهلنا في الوطن العربي، خاصة الشباب الذين أنتمي إليهم. وبما أننا في عالم حداثوي، فكل قديم بات تالفاً وكل جديد بات موضة، بعيداً عن قيمته ومعناه. ونحن أيضاً في عالم يتطلب منا (البراغماتية) في التعامل مع الازمات والبحث عن الحلول المتاحة ضمن إمكانياتنا الفردية. إن هذه الوصايا هي التي ستساعدك على ‘الاستمرار’ إن جاز التعبير في مسيرتك الحياتية. فإذا كنت يا عزيزي أو يا عزيزتي أحد أبناء وطننا العربي من الشباب الكادحين الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع، فإنني أنصحك باتباع هذه الوصايا، علها تعود بخير عليك وعلى أحبائك: 1 ـ لا تبحث عن حياة أفضل. الطريق إلى بغداد مغلق، وكذلك الطرق إلى دمشق والقاهرة وبيروت وطرابلس والمنامة. لم يعد هناك داع للحركة. ابق في بيتك قدر الإمكان وتمتع بالمزيد من البهرجات الهوليوودية والأكاذيب المستمرة على شاشة التلفاز. لا تغلق التلفاز بتاتاً حتى عند النوم، وابتعد كل البعد عن القنوات الإخبارية التي تسبب أمراض القرحة والجلطات. قنوات السينما الهوليوودية وبرامج الترفيه هي مبتغاك. خروجك من البيت فيه خطر على صحتك وصحة عائلتك. تأكد من إغلاق الأبواب ولا تنس الستائر خوفاً من الرقيب. محاولة الهروب إذا كان حيك أو منطقتك تتعرض لأي نوع من أنواع ‘القتل العشوائي’ – من أي جهة كانت – هي مضيعة للوقت. 2 ـ لا تحاول العثور على عمل مناسب. ارض بما تسمح به قوانين الدولة ومجتمعك المنغلق على نفسه، الذي سيرفض التغيير مهما ظننته مجتمعاً منفتحاً. إذا لم تجد عملاً، ولم تتوفر لديك أي فرصة لاستغلال طاقاتك منذ تخرجك من الجامعة فهناك دائماً القوارب التي ستأخذك إلى أوروبا. ليس هناك من داع لدورات السباحة. الرحلة ستكون مريحة وهانئة، وقد تكون على الأقل قد قمت بدور بيولوجي مهم في تغذية أسماك القرش التي تعاني خطر الانقراض. 3 ـ لا تحاول إرسال أطفالك إلى المدارس أو الجامعـــات. ألم تسمع المثل القائل: ‘الدنيا أكبر معلم’، ما الذي ينقص الشارع؟ هل توفر لك المدرسة اليوم مكان للعلم والتعلم يفوق ما يقدمه الشارع؟ ما الفائدة من دفع الآلاف المؤلفة من أجل ضمان وظيفة لن تغني من جوع، هذا إذا كانت هناك وظائف أصلاً. لا أعلم إذا كانت أسماك القرش تفضل اللحم المتعلم على غير المتعلم. سأحرص على سؤالها في رحلتي القادمة. 4 ـ لا تستعمل كلمات مثل القدس وحيفا. يمكنك إضافتها إلى قصص الخيال من أمثال: أليس في بلاد العجائب، والسندباد البحري. 5 ـ لا تحاول القيام بأي مشروع منتج. هذه المشاريع هي أيضاً مضيعة للـــوقت والجهد والمال طالما تم تأسيــــسها على أرض عربية. قد يكون لك حظوظ أكبر في سيبيريا. المشاريع غير المنتجة هي هدفك الأول، لانها لن تؤدي إلى أي تغيير حقيقي في مجتمعك وبيئتك. المشاريع غير المنتجة تضمنها كذلك منحة من اليو إس إيد US AID. تأكد ألا يحقق المشروع أهدافه المعلنة أيضاً، المشاريع التي تحقق أهدافها منوطة بالفشل. 6 ـ تأكد من شراء أكبر كمية ممكنة من الأدوية المنومة والعقاقير التي يسمح لك القانون بشرائها. جميعها مفيدة طالما تم تغليفها وبيعها لك تحت غطاء قانوني ومن قبل الصيدلاني. لا تشك أبداً في محتوى هذه العقاقير، فهي وسيلة الهروب الوحيدة المتاحة لك. وطالما كنت قانونياً ودفعت المقابل فلا غبار عليك يا صديقي ويا صديقتي. استمتع بما يقدمه لك العلم الحديث ولا تسأل نفسك عن الأيدي التي ركبت هذه العقاقير لك وتأثيرها عليك. 7 ـ تأكد من زيارة الطبيب النفسي بشكل مستمر. حتى إن لم يكن هناك أي داع. تكاليف الجلسات الباهظة هي سبيلك الوحــــيد لتأكيد الوصـــول إلى المزيد من الكآبة واقناعك بالجنون. لا تنـــس الأدوية التي يعتمدونها والتي تقتل عندك أي إحساس بالعاطفة والفرح والبهجة. هذا هو دليل انتمائك لهذه المنطقة وتعزيز لوطنيتك. 8 ـ تقبل كل الفساد الذي حولك. الفساد هو أحد معجزات هذه الأمة ورواسخها. إنه دليل على دهائنا ومهارتنا في التلاعب بالأرقام والأدمغة. الرجل المناسب لن يصل (نعم لن يصل) إلى المكان المناسب أبداً. لا تقلق إذا كنت متضرراً بشكل مباشر أو غير مباشر من الفساد. الدولة على علم تام بالأمر وسوف تقوم بالخطوات المطلوبة لإزالتك عن طريق الفساد إذا لزم الأمر. لا تكن عائقاً أو ممانعاً لهذه الآلية المباركة. 9 ـ راجع رأي الأغلبية في كل خطوة. ليس مسموحاً أن يكون لك رأيك الخاص أو وجهة نظرك في أي تفصيل من تفاصيل الحياة. الجدال في الدين والسياسة من المحرمات، فدعها لأهلها الذين ورثوا الحرفة عن آبائهم فهم أدرى بها. لا تجادلهم ولا تقترح عليهم. لا تحاول أن تكون مختلفاً فالاختلاف هو جريمة صهيوأمريكية. إذا لم تكن مع الأغلبية فأنت ضدها تلقائياً ويجب عليك الحد. 10ـ اشطب كلمة ‘أمل’ من قاموسك إلى الأبد. الأمل هو عدوك الأول. ما إن يأتيك في ثيابه المزركشة والبارقة حتى تسارع مؤسسات الدولة ووجهاء المجتمع إلى تحطيمك. ليس هناك نوافذ مفتوحة، فقد أغلقناها بعد الأبواب الموصدة في الوصية الأولى. لا تحاول البحث عن بصيص الأمل من خلال فتحات الستائر أو ثقب الباب. الأمل هو الشر الذي قد يعيدك إلى الحياة. لا تقلق يا عزيزي… أنت ولدت ميتاً.