صدر عن الدار العربية للعلوم، ناشرون في بيروت، لبنان، الديوان الثاني ‘جوامع الكمد’ للشاعر السعودي عيد الحجيلي (1968ــ …) فقد صدر له من قبل مجموعة شعرية بعنوان ‘قامة تتلعثم’ عن دار شرقيات بالقاهرة 2004.
ويعد الحجيلي من شعراء السعودية الذين يضيفون نصا شعريا مهما في ساحة قصيدة النثر العربية، وذلك من خلال إنتاجه الشعري الذي يجرف التقليدي والمعايش، لكسر نمطية النص، والجنوح إلى عوالم أكثر اتساعا في الكتابة الجديدة.
جوامع الحزن والأسئلة
يطرح هذا الديوان (جوامع الكمد) مجموعة من الأسئلة القصيرة المتعلقة بالذات الإنسانية بصفة عامة والعربية بخاصة. فقد جاء الديوان في ثلاثة أبواب رئيسية، الأول بعنوان: أسباب المثول، والثاني: مناسك الشبه، والثالث: مساوف، وتضمن كل باب مجموعة من النصوص القصيرة التي تقترب من فن الإبيجرام اليوناني الذي يهتم بتقديم النقوش الشعرية ذات الوقع المؤثر محققة الصدمة الإدراكية الأولى للمتلقي لحظة قراءة النص الشعري، أو فيما يسمي بشواهد القبور، وهي مجموعة من الأبيات القصيرة التي كانت تكتب علي شاهد القبر، تذكر مآثر ومناقب المتوفى أثناء حياته كي لاينساه الناس الذين شاهدوه، أوحتى الذين لم يعرفوه .
يعتمد الشاعر في بناء نصوصه القصيرة كما جاءت في الديوان على بنيات شعرية قصيرة جدا، تجسدت من خلال لغة شديدة التكثيف والايجاز، توميء ولا تفصح، ملتبسة أرواح الاستعارات اليومية، ممزوجة بلغة المتصوفة الكبار كالحلاج وابن عربي وعبدالجبار النفري وغيرهم، متخذا من مقاماتهم الصوفية متكأً جليا في البناء الدلالي للنص الشعري، ملتحما بالواقع الراهن الذي شغل بواطن الذات الشاعرة كثيرا أثناء تشكلاتها الأولى.
العنوان بوصفه نصا محيطا
جاء عنوان الديوان (جوامع الكمد) مركبا من مضاف ومضاف إليه، وكأن الشاعر عيد الحجيلي منح النص الشعري صفة العلو الصوفي الذي يقطر محبة وحكمة خالصة ،وحزنا دفينا تحمله الذات الشاعرة في يومياتها الشعرية فهي تميل إلى قصيدة اليوميات القصيرة في شعرنا العربية وإن اختلف التشكيل والبناء الدلالي للنصوص . كما يشي بأن الشعر هو لغة الحزن الدائم، تجمع الحواديت الصغيرة في عبارات قصيرة، طبقا لمقولة النفري كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، والجوامع هنا لدى الشاعر، هي أشياء الذات التي تبحث عنها دائما، دون تحقيقها أو العثور عليها، فهي في حالة من البحث المستمر داخل نفسها، وداخل الآخرين أيضا.
يبدو لي أن الشاعر اعتمد على الدلالات العامة للولوج إلى دلالات أكثرها خصوصية، كما سيتجلى داخل المقامات الشعرية التي طرحها من خلال الديوان .
الحزن / الموت
يمتح الشاعر عيد الحجيلي من معاجم المتصوفة وأهل الخطوة كثيرا، فقد فتح بابا واسعا من الأناشيد الصوفية داخل النصوص، مما يمنح القاريء حسا صوفيا غارقا في المحبة اللانهائية الممزوجة بالأحزان الدائمة، فيقول في نص بعنوان، قل هو الحزن :
‘كل نفس يراودها الحزن
عن صمتها …..،
حينما يكمل الألفُ الفرد
شهقته البكر
في ملكوت الكبد’
تبدو الذات الشاعرة المرتبطة بالحزن الدائم من خلال حديثها عن صورة الآخر الحزينة أيضا، فهي بمثابة مرآة أحزانها، ذلك الحزن الممزوج بالصمت، وشهقة الموت في ملكوت البدن الهائم في العالم الأرضي. تغلف الوحدة كينونة النص السابق، لنجد الذات تقاوم صمتها المقين دائما داخل العالم الصاخب الذي لايعيرها أدني اهتمام يذكر، متحدة في الوقت نفسه بالملكوت الأبدي الذي يحتضن أحلامها الصغيرة.
ويقول: ‘الحزنُ أول من يُبَسِّقُ في خواطرنا / هسيس الحرف .. أول من يُعَنْقِدُ في دفاترنا غوايات الكلام / الحزن سيدنا / معلمنا / محراب الرؤى / يده العليا .. إذا فاضت على باب القصيدة وهي بارئة الختام / قل: هو الحزن المدد، ماله كفئا أحد، كلما اتسع الحزن ضاق الكلام وضاق البلد!!’
تطرح الذات الشاعرة صورة الحزن في الحياة التي يحيا الناس فيها، ومن ثم فإن الشاعر يمزج الحزن بإيقاعات نفسية حزينة تجلت من خلال اللغة الشعرية التي تحيا بها الذات .وتجلى ذلك في صورة الحزن التي طرحها النص من خلال الحديث عنه وكأنه روح تنتقل عبر الزمان والمكان، فعندما يتسع الحزن ليفرش مناطق الذات، تضيق المفردات عن التعبير عنه ووصفه، فتضيق البلاد والأمكنة التي تعيش فيها الذات الشاعرة، وكأن الحزن قدرها المحتوم الذي فُرِضَ عَلَيهَا. كما نلاحظ ظاهرة التناص الصوفي المعكوس في استدعاء مقولة عبدالجبار النفري كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، فالرؤية الحزينة المتسعة مسيطرة على الشاعر، من أول الديوان إلى خاتمته .
يقول الشاعر: ‘صامتا /
يتطوح بين هشيم الرؤى
وحطام الكوى
يحتويه شحوب الوطن كالكفن’.
إنَّ مقطوعات ومشاهد الحزن التي طرحها الشاعر الحجيلي، تكمن في الأوجاع الصامته التي يدركها الآخر أيضا، فرغم حديثه الجواني عن الذات وآفاق وجودها، فإنه يتجه بالحزن إلى البرانية التي تحيط بالآخر المكلوم أيضا، لتكتمل صورة الحزن الصموت لدى الذات والآخر في آن. فتلوذ الذات بالوطن العربي الأكبر الشاحب دائما المقيد في صحراء معرفته، ونار آلامه.
إيقاعات الذات
صحيح أن الإيقاع الشعري لدى الحجيلي في ديوانه تجلى من خلال اللغة المستخدمة في بنية النص، بطريقة شفيفة مستوحاة من رؤية نفسية، فتتخلق الإيقاعات تباعا من المفارقة الشعرية والأصوات اللغوية الداخلية كما في قوله:
‘الجماد / حياة، طواها الحياد’.
فتبدو صورة الجماد حاضرة في مشهد يخلو من السعادة الأبدية، محتفيا بموسيقى الحزن، والحياة البطيئة، التي غلفتها الحياة المسكونة بالحيرة والاختلاط النفسي المفارق في عالمنا.
ومن ثم فقد راح الشاعر يمزج بين صورة المفارقة في نصوصه القصيرة جدا، والإيقاع اللغوي القصير الذي أحدث وقعا خاصا في الآخر القاريء أثناء الفعل القرائي للنص، لينتج لنا روحا أكثر جاذبية للعوالم الشعرية البسيطة العميقة التي صنها الشاعر عيد الحجيلي في ديوانه ‘جوامع الكمد’.
تركيا