التقسيم فاكهة الربيع المفضلة

حجم الخط
0

لأي مفردة تاريخ ميلاد، فمع خروجها للكون تسجل ولادتها بحدث ما، فإن كان طالعها حسنا مضت مخفورة بذلك الطالع، وإن كان يوم ولادتها شؤم فسوف تخترق الحياة موصومة بسوادها.
ويمكن لمفردة واحدة تثبيت حقبة زمنية في ذهنية متلقيها بمجرد سماعها، إذ تعيده لجذرها الأول أو لحدثها الذي عرفت من خلاله، وقد ترتبط مفردة باخرى، فيغدو وجودهما كاثوليكيا غير قابل للانفكاك إلا بعد حدث فاصل يفوق حدث الاقتران، وثمة جمل قصيرة يمكن لها ان تعيش في ذاكرة التاريخ مشيرة لزمنيتها، وخلال السنوات الثلاث الماضيات دخلت مفردات وجمل قصيرة حاملة احداثها وزمنيتها، وتولدت منها أحداث مفرحة ومحزنة معا، وقد استطاعت الدخول إلى التاريخ.
– الان فهمت.
– من أنتم.
– ارحل.
– البلطجية..
– زنقة
– لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية.
عشرات المفردات والجمل القصيرة أفرزتها ثورات الربيع العربي، وكل منها كان له طعم الفاكهة الناضجة التي يجب أن تقضم عليها بنواجذك، ولأن الواقع لم يشأ لنا مغادرة قاعة الظن الكبير (المؤامرة) فقد عاد البعض لتف كل بقايا الفواكه التي قُضم عليها مع إطلالة الربيع.
ولم يدر ببال السوريين أنهم قضموا الفاكهة المحرمة، ففي يوم قاس استبدل أطفال درعا كراريس الدرس بجدران مدرستهم ليعلنوا سرا اكتنف ضلوع ذويهم ولم يستطيعوا الهمس به، فخرجوا حاملين ذلك السر وكتابته في العلن: ارحل..
وهي كلمة أرادت أن تتسق مع بقية حناجر الثوار العرب، وكان يمكن لهذه الجملة أن تحقق رغبات الشعب السوري، لولا ان سوريا ملعب دولي لن يسمح بمغادرة الديكتاتور والتخـــلي عن التاريخ قبل رسم خارطة الجغرافيا، ومنذ انحراف الثورة السورية بتــــزويرها ودخول الأطماع الدولية وتعكير مواعيد الهوى، وقبل أن تصفــــو أرض المعركة عدنا إلى قاعة الظن الكبيرة وتذكرنا أحداثا سبقت عاصفـــة الربيع العربي، وقد يكون توصيف السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخـــارجية الامريكية الأسبق قد تركت لنا توصيفا لما يجب ان تكون عليه منطقـــة الشرق الأوسط (الفوضى الخلاقة) وهي جملة لم نتفهمها جيدا إلا بعد هبـــوب رياح الربيع العربي، وقد تكون الان جملة مناسبة لأن تكون مفتاحا مفسرا لنتائج الثورات العربية التي أظهرت أولى صور هذه الفوضى في منطقة الاحتدام العربي الاسرائيلي، فحين أيقنت الدول الغربية (وعلى رأسها امريكا) من سيطرة الإسلام السياسي في الشارع العربي مع يقين أنه لا يمكن زحزحة هذه السيطرة إلا من خلال إثبات ان الإسلام السياسي غير قادر على تحقيق آمال وطموحات الشارع والشعوب وكانت تجربة فوز حماس في الانتخابات يمثل النموذج المصغر للحكومة ذات المرجعية الإسلامية، وإسقاطها من خلال الممارسة السياسية كدليل على عدم خبرة التيارات الإسلامية في إدارة الدولة المدنية، كون الخطاب الديني سيصدم مع المصلحة الوطنية للبلاد وصراع القوى الخارجية، ومن ذلك الفشل تبدأ الفوضى.
وتجربة الانتخابات الفلسطينية كانت مصداقا لنجاح الرؤية الجديدة لاحداث الفوضى الخلاقة، فمع السماح للتيارات الإسلامية بالتقدم والوصول إلى كرسي الرئاسة الذي كان يستهدف إظهار ان الحكم (وفق المرجعية الإسلامية) حكم فاشل كونه لن يتسق مع الأنظمة الدولية وتقاطع المصالح وفق منظومة دولية ارتضت قانونا عاما وليس قانونا خاصا (كالحكم الإسلامي)، ويبدو أن المخططين قدموا لنا نموذجا صغيرا لفشل الحكومة ذات المرجعية الإسلامية ممثلا بحماس التي لم تستطع تكييف مبادئها مع استراتجيات المتحكمين في اللعبة السياسية، فتمت محاصرتها تماما حتى ظهرت أنها غير قادرة على شيء، وأول عجز تم تكريسه عدم مقدرة حماس على توفير اقتصاد قادر على تلبية احتياجات الناس، مما جعلهم في ضيق وأدى إلى انفصال وتنازع على السلطة، فماتت أو (ضمرت) القضية الفلسطينة بانقسامها.
تلك الصورة المصغرة التي قدمت مبكرا بما تحقق من انفصال حماس عن فتح (وبالتالي انقسام وتفتت القضية) ذلك التطبيق كان مغريا بتقديم التيارات الاسلامية للحكم لتحقيق إحدى الحسنين، إما اختصام الشعب مع السلطة أو تمرير ملف الشرق الاوسط الجديد من خلال السلطة.
ولأن عظمة الشعب المصري غليظة فقد توقفت في الحلق ولم تمكن المخطط من اكمال الدائرة، ومع ذلك لحقت فقد اقتفت السودان الانقسام الفلسطيني وقبلهما العراق وتشتت شمل ليبيا فلم تعد هناك دولة بل ميليشيات، ولازالت سوريا تقسم وتمزق بأنياب حادة مع محاولة جادة لاستمرارية العنف في مصر واكتساب سيناء كأرض يبدأ منها التقسيم، وفي الأسبوع الماضي أقدمت اليمن على تقسيم نفسها إلى ستة أقاليم.
لقد كان ربيعا حقا ليس لنا بل لمن كان يزرع فرقتنا فها هو يجني جزءا من المحصول المأمول (تجزيء المجزء وضرب الجــزء). فهل ستظل مفردات الربيع العربي الفاكهة التي نشتهيها أم نتفها بعد اكتشاف أن دودها نخر نضوجها وهم بالدخول إلى أمعائنا، ولازال بعضنا يضع ابهامه في سقف حلقه خشية من استكمال الهضم، إذ ان الربيع العربي لم يقدم لنا إلا الجزء المشوه من أحلام الثورة التي عاشها العالم العربي منذ حروب الاستقلال إلى الان.

‘ كاتب سعودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية