إلى أين يتجه اليمنيون، ولماذا الهرولة باتجاه الفيدرالية وكأنها قدر محتوم لليمنيين.. وهل تأتي تلك الحلول بإيحاء خارجي أم بالفعل بإرادة وقناعة يمنية صرفه.. ولماذا لا تطرح مثل هذه الحلول المصيرية للاستفتاء؟ أسئلة متداولة على الألسن، عكستها وسائط اجتماعية وبصورة تصاعدية، ولقد كُتب الكثير عن إشكالية الحلول الفيدرالية في الإعلام اليمني بكل اتجاهاته، وتناولها كتاب عرب في هذا الفضاء الإعلامي الواسع، وقد لاحظت كغيري في الآونة الأخيرة مقالات تتناول الشأن اليمني، ولاسيما في جزئية الفيدرالية تتراوح بين اليأس والرجاء والبعض بنوع من التشكك وعدم الرضا بهذه الخطوة، ربما لأن الكتاب من خارج الحدود ينظرون للمشهد السياسي اليمني نظرة بانورامية شاملة، قد تختلف عما يرى اليمنيون أنفسهم، الذين يفترض بأنهم أدرى بشعابهم، لان تلك الكتابات تنطوي على خلاصة لمآلات الربيع العربي عموما، ولابد أن تؤخذ بعين الاعتبار، فقد تكون الرؤية الخارجية صائبة، فاليمنيون أعماهم التناحر ومكائد السياسة، فمن يعيش الحدث ليس بالضرورة ان تكون الصورة قد اكتملت لديه. معايشة الحدث قد توحي بمعرفة ودراية كاملة، الا أن اختلاط الأوراق وتفاعل اعتبارات اجتماعية وعاطفية وتداخل جملة قضايا قد تُفقد البوصلة. وإجمالا’لم يكن المؤمل أن تؤول نتائج حوار طويل إلى جدلية عقيمة للفيدرالية وكأنها قدر محتوم لليمنيين، الشيء المؤسف أن النُخب التي أفرزتها الكيانات السياسية المتناحرة في الحوار الذي طال أمده، تتاهفت على السلطة كما يتهافت الأكلة على القصعة، وكأن السلطة غاية والمشاركة هي المبتغى، ومن هنا لا نجد تفسيرا مقنعاً للتهويل الإعلامي بتوزيع أشلاء الوطن المنهار أصلا إلى أقسام غير متجانسة ديمغرافياً واقتصادياً وجغرافياً، ناهيك عن عدم وجود دولة مركزية قوية، فالفيدراليات في العالم بكافة إشكالها تستند لمركز قوي، بينما تفتقد الحالة اليمنية المفترضة للفيدرالية المقترحة ذلك، فالنظام السابق وكما هو معلوم لازال يتقاسم السلطة ويعارضها في نفس الوقت، وإلا لو كان معارضا لسحب وزراءه وهم نصف الحكومة، عندها ستسقط تلقائياً، اليوم تصب اللعنات لمن لم يؤسس دولة مدنية خلال ثلث قرن من الحكم المطلق فالرئيس السابق أول حاكم يمني منذ أكثر من نحو ثلاثمئة سنة مضت أتيحت له فرصة بناء دولة بتوافر ظروف ذاتية وموضوعية، ولو فعل ذلك لما حدث كل هذا اللغط والإحباط والتعثرات المتلاحقة، بل كان جل همه تثبيت حكمه، وفي حقيقة الأمر لم يكن قويا بل استقوى بمقدرات البلد وبمراضاة هذا وذاك وسياسة الترغيب والترهيب وإفقار الشعب ليجعل كل همهم ملاحقة حياتهم المعيشية، ناهيك عن الارتماء في أحضان الخارج الإقليمي والدولي.
اللافت أيضا ومن خلال متابعات مجريات الحوار على مدى شهور طويلة يلاحظ البعض التركيز على الفيدرالية، وهذا يؤكد فرضية الإيعاز والإيحاء الخارجي، مع ان قضايا وهموم اليمن تتمحور في علاقة الحاكم بالمحكوم وبأن التشريعات والشعارات منذ أكثر من نصف قرن ماهي إلا مجرد حبر على ورق، فليس هناك نظام جمهوري يُقتدى ولا ديمقراطية حقيقية ولا وحدة عادلة.
الأمر المستغرب أيضا هو إصرار القيادة السياسية على الهرولة لتطبيق الفيدرالية أكثر من الاهتمام بمخرجات الحوار الأخرى الأكثر أهمية، التي تصب في بناء دولة مدنية، متجاوزين إرادة ورأي الشعب، ولاسيما تلك الأطراف الأساسية في الحوار، وهي الحراك الجنوبي والحوثيون، فكلاهما يرفضان الفيدرالية او على الأقل وفق صيغة الستة أقاليم.
وبدلا من أن تكون مخرجات الثورة الشعبية تصب في إيجاد حلول وعقد اجتماعي بين مكونات الشعب لتحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم بالعمل على تأسيس دولة مدنية لا تصطدم بثكنة العسكر ولا أسوار القبيلة،’يتساوى فيها اليمنيون في الحقوق والواجبات وتبسط نفوذها في كل بقاع اليمن، في نظام توافقي تسوده العدالة والتنمية والتوزيع العادل للثروة، ولا إقصاء ولا تهميش، ولكن الحوار الذي استغرق نحو تسعة أشهر، تمخض عن حلول ملغمة، وقد يلد (انفصالاً ناعماً).’
ماذا دهى اليمنيون وهم أهل الحكمة؟ ولماذا تصُر النُخب المتحاورة على حتمية الحلول الفيدرالية وتختزل كل مشاكل اليمن في قضية الدولة الاتحادية وكأنها قدر مكتوب لليمن مع أن هناك بدائل عن المركزية المفرطة التي كانت سببا في تمركز السلطة في يد الحاكم المستبد منذ ميلاد الوحدة الموؤدة بيد صانعيها المهوسين بالسلطة، وإقصاء شركائهم الذين ضحوا بدولة ودخلوا الوحدة بحسن نوايا، منها على سبيل المثال اعتماد المحافظات الحالية ومنحها صلاحيات واسعة باستثناء الأمور السيادية تماما كما هو معمول به في معظم الفيدراليات، وكفى الله المؤمنين شر القتال! وهنا بدوري اتساءل هل هي مصادفة تحول عدد من بلدان المشرق العربي إلى تقسيم المقسم ابتداء من (العراق الجديد) الذي بعد عقد من الزمن لم يكن مثالا يُحتذى في نجاح تلك التجربة المقرونة بديمقراطية زائفة، وهو الأمر في أقطار عربية أخرى تتجه للفيدرالية كليبيا وربما سوريا، وهكذا وغداة اندلاع ثورات الربيع العربي فانها من وجهة نظر الفكر الغربي مثلت تحولا كبيراً، حيث اتجهت نحو ترجيح مشاريع في ما عرف بإعادة تشكيل المنطقة على أسس فيدرالية وعلى خلفية تراجع واضمحلال الدولة البسيطة وفي ظل مع انحسار دور الايديولوجيا المتزامن مع’ارتباك وعجز المجتمعات العربية عن إفراز نخب سياسية ناضجة لتكون بديلا للأحزاب الشمولية المطاح بها، الملاحظ انه عند اندلاع ثورات الربيع العربي بدأت تظهر مفاهيم جديدة في تطبيقات التقسيم التي يمكن تسميتها (بالتجزئة داخل الحدود) وذلك ينبع من القناعة بعدم جدوى مشاريع التقسيم في ظل المعادلة الاقليمية المعقدة اصلاً.
وأخيراُ قال لي أحد قرائي من الأصدقاء بأن مقالاتي في هذه الجزئية تحديداً يلازمها التشاؤم، في حين هناك مساحة للتفاؤل، فأجبته، لا أريد أن ازرع اليأس والقنوط في نفوس قرائي، ولكن الواقع يفرض نفسه فلا ندس رؤوسنا في الرمال.. ورغم ذلك أرجو ان تكون هواجسي في غير محلها.
‘ كاتب وسياسي يمني