التغيير المنشود في العالم العربي

حجم الخط
0

تتابعت حركات الانقلابات العسكرية في العالم العربي منذ منتصف القرن الماضي، وكان يقوم بهذه الانقلابات شباب من القوات المسلحة التحقوا بالخدمة العسكرية بعد إكمالهم المرحلة الثانوية من الدراسة ولم يكن بينهم خريجو الجامعات، وذلك ما جعل أولئك الشباب يتجهون نحو الانقلابات العسكرية كهدف يحققون به ما يطمحون له في مستقبلهم. وكانت ظروف الحرب الباردة السائدة في العالم في ذلك الوقت تساعدهم على ذلك بسبب انحياز بعض القوى الدولية لتلك الانقلابات .
وكما هو معلوم فإن الانقلابات شملت بعض الدول العربية ومنها مصر والسودان وليبيا والعراق وسوريا واليمن، وكانت معظم الحركات الانقلابية تساعد بعضها بعضا، فقد رأينا الرئيس جمال عبد الناصر يقول في عام 1969 عندما وقع انقلابا السودان وليبيا، بعد نكسة حزيران عام 1967، إن القذافي ونميري يذكرانه بمرحلة شبابه، وكان ذلك تحفيزا لهما للاستمرار في طريقهما خاصة إن هذا الرأي يأتي من زعيم حقق شعبية كبيرة في تلك المرحلة .
ولم يكن لجامعة الدول العربية أي دور فاعل في تلك الحقبة، ذلك أن الجامعة لم تؤسس على النظم الدولية المعروفة كما هو الشأن في مجموعة الاتحاد الأوروبي، أو المنتدى الاقتصادي لدول جنوب شرق آسيا ‘آسيان’، بل أسست على نظرية انقلابية جعلت مقرها الرئيسي في مصر دون أن تكون لها فروع في دول عربية أخرى، كما أن رئاستها أصبحت في يد مصر بصورة دائمة، وذلك ما جعل كثيرا من الدول العربية تشعر وكأنها لا تنتمي لتلك المؤسسة، إذ هي لا تملك الحق في قيادتها بصورة دورية .
لكن الزمن تغير، إذ بعد أن كان العقيد معمر القذافي يتباهى بأنه صاحب النظرية العالمية الثالثة، وأنه المبشر بالولايات الأفريقية المتحدة، وأنه ملك ملوك أفريقيا رأيناه يموت في جحر بعد غضبة شعبية عارمة، وحدث الشيء نفسه في مصر إذ وصلتها رياح الثورة التي واصلت طريقها إلى سوريا واليمن واشتعل العالم العربي كله في انتظار غد جديد .
ولكن على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على الانتفاضات الشعبية، فإن العالم العربي لم يستطع حتى الآن أن يضع قدميه على الطريق، إذ نحن ما زلنا نرى الصراع محتدما في مصر بين قوى دينية وقوى عسكرية، وأخرى مدنية دون أن تكون هناك معالم واضحة في الطريق، وهذا ما يحدث في سوريا التي قدمت أنموذحا ليس له نظير في التاريخ، وهو أنموذح الزعيم الذي يحرق شعبه ويدمر بلاده لأسباب طائفية ويتكرر المشهد في كثير من الدول العربية التي أصبح واضحا أنها تعاني من مشكلة ثقافية أساسية، وبدون معالجة هذه المشكلة لا يمكن أن يحدث التحول المنشود في العالم العربي.
وما نعنيه بالمشكلة الثقافية هو استمرار الصراع في العالم العربي على أسس قبلية وعنصرية وطائفية وعقدية دون أن يكون هناك مرتكز تسير عليه الدول العربية .
فإذا نظرنا إلى السودان على سبيل المثال في الوقت الحاضر وجدنا أن هذا البلد الذي كان واعدا وينظر إليه على أنه سلة غذاء العالم العربي، بدأ في التقلص بسبب الخلافات العنصرية وهي التي أدت إلى انفصال دولة الجنوب وتعمل الخلافات الآن من أجل تحقيق الهدف ذاته في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وغيرها .
وهكذا يبدو أنه بدون تجاوز المشكلة الثقافية فإن العالم العربي لن يضع قدميه على الطريق الصحيح، ذلك أن التغيير لا يقتصر فقط على تغيير أنظمة الحكم، إذ لو كان الأمر كذلك لحدث التغيير في ليبيا ومصر، وما رأينا القادة يلهثون من أجل أن يتحسسوا مواضع أقدامهم، فهل ما يحتاجه بلد كمصر هو فقط تعيين رئيس جمهورية، وهل يحتاج الأمر إلى أن يذهب ‘السيسي’ إلى موسكو لكي يحصل على مباركة الكرملين ويقدم في مقابل ذلك صفقة أسلحة بمليارات الدولارات يمولها دافع الضرائب المصري لغير ما هدف معلوم ؟
إن ما تحتاجه مصر ومعظم البلاد العربية التي حدث فيها التغيير هو التحول من نظام السلطة إلى نظام الدولة، ذلك أن نظام السلطة يتجاهل في كثير من الأحيان مصالح الشعب الحقيقية، أما نظام الدولة فتنطلق سائر قراراته من هدف واحد هو تحقيق مصالح المواطنين، وبالطبع ليس هناك شكل واحد لنظام الدولة، فنحن نرى نظاما ملكيا قي بريطانيا هو من أفضل نظم الدولة في العالم ونرى في الولايات المتحدة وفرنسا نظامين جمهوريين مختلفين في طبيعتهما ولكنهما يحققان أهداف شعبيهما، ومن الخطأ ألا يعتقد الساسة أنهم لا يستطيعون تحقيق طموحاتهم في القيادة من خلال نظم الدولة، ذلك أن نظم الدولة تستند على أسس ثلاثة، أولها السلطة التشريعية وهي التي تقوم بها هيئة تمثل إرادة الشعب، وثانيها السلطة التنفيذية التي توكل لها مهمة التنفيذ، وثالثها السلطة القضائية التي تتأكد من أن كل شيء يسير بحسب ما هو مقرر له من أجل خدمة الصالح العام .
ولا نزعم أننا نعيش في عالم مثالي، لأنه حتى في نظم الدولة فإن الحلل يظهر من وقت لآخر، ولكن من السهولة إصلاح الخلل في نظام الدولة ويصعب ذلك في نظام السلطة بسبب غياب التصور السليم لسير نظام الدولة.
ومن الخطأ في أي وضع من الأوضاع أن تؤسس أي دولة نظامها على فكرة طائفية، كما هو الشأن في سوريا لأن مثل هذا التأسيس يحرم مجموعة كبيرة من المواطنين من التعبير عن رأيها بحرية .
ويبدو في ضوء ما قلناه أنه من المؤسف أن تكون هناك أمة لعبت أدوارا مهمة في التاريخ مثل الأمة العربية، وتمتلك إمكانات قادرة على أن تؤسس بها مكانة مرموقة في العالم، ومع ذلك تعيش هذه الأمة تحت نير الانقلابات العسكرية والصراعات المذهبية والغياب الكامل عن قواعد بناء الدولة الحديثة .
وما يتطلبه بناء الدولة الحديثة في البداية هو إصلاح شامل لنظام التعليم حتى تستنير العقول بفكر متقدم يبتعد عن التعصب وضيق الأفق، لأنه في بيئة كهذه سنجد القلة المستنيرة تهاجر البلاد لتبحث لها عن مواطىء قدم مناسبة تستطيع أن تمارس فيها الحياة بصورة طبيعية، ولأن الاقتصاد يلعب دورا مهما في قيام مثل هذه الدولة، فيجب أن يتوجه الاقتصاد نحو توفير مطالب المواطنين، وذلك من خلال إنشاء الدورات الاقتصادية الصحيحة، ذلك أنه في إطار النظام الاقتصادي السليم لا يهم من يمتلك المال، بل المهم هوأن يكون المال في داخل الدورة الاقتصادية يحركها حتى يستفيد منها سائر المواطنين، وذلك ما لا يحدث في الوقت الحاضر في العالم العربي ـ إذ بدل أن توظف الأموال في داخل الدورة الاقتصادية فإنها ترسل إلى المصارف الخارجية لكي تستفيد منها اقتصادات دول أخرى دون أن يكون هناك ضمان في عودة هذه الأموال إلى موطنها الأصلي ..
ويبدو من كل ما ذهبت إليه، أن العالم العربي لا يحتاج فقط إلى ثورات لتغيير أنظمة الحكم فهذه الثورات قد حدثت، ومع ذلك لم يتغير الواقع كثيرا لأن ما يحتاج إليه العالم العربي في الواقع العملي، هو وضوح رؤية وفكر مستنير يعرف الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة، وبدون ذلك لن يتحقق كثير مما تصبو إليه الأمة العربية .

‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية