يصعب أن تجد مواطنا عربيا نزيها لا يعترف بالتاريخ النضالي لحزب الله. مثل كثير من القوى، هذا الحزب قدم كماً هائلاً من التضحيات دفاعاً عن كرامة شعب لبنان. من لا يقر بحقيقة ذلك تنطبق عليه كلمات أغنية فرقة العاشقين (أعمي بعيون أمريكية- صهيونية). رغم حملة التشكيك التي تعرض لها، فقد بقي الدعم له صلبا، لا يقبل الجدل أو التأويل. من يقر بأهمية وجود الحزب يصعب أن يتخلى عنه بكل بساطة وبإرادته الخاصة. فاعليته العالية فى الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، طريقة تنظيمه وتماسكه، جهره بمناصره المظلوم ومواقفه الداعمة للحركات الفلسطينية، بالتحديد حماس والجهاد، فرضت اعتباره لاعباً جديراً بالتقدير. كل ذلك، بما فيها بلاغة السيد حسن نصرلله، استقطب الناس ومنح الحزب هالة ثورية في لحظة كانت القوى المماثلة تعاني من شلل هيكلي ونضالي. غياب هذه القوى جعل الساحة فارغة لكي يتحول الحزب إلى مرجعية بين الفرق المتناثرة بين أدنى اليمين وأقصى اليسار، التي كانت ومازلت تشرذمها الأفكار والأساليب وتجمعها مساندتها له ولمقاومته.
لكن للأسف، فور انطلاق الثورة السورية الكثير ممن كانوا ينظرون لحزب الله بهذا الشكل دخلوا في حيرة تامة ناتجة عن مواقفه الداعمة لنظام الأسد على حساب الشعب التواق للحرية وللكرامة. حيرة صَعبت على الكثير استيعاب الأمور، لدرجة أن هنالك من أصبح يعتقد بأنه وقع فى مصيدة الحزب وشعاراته. رغم كل محاولات زعيمه في توضيح وتبرير موقفه مما يدور بسورية، إلا أن الكثير اعتقدوا بأنهم خدعوا منه مثلما خدعتهم كثير من القيادات والأحزاب العربية. رغم كل محاولات الاقناع إلا أن زعيم الحزب لم ينجح في ذلك. بموقفه الداعم لهذا النظام اعطى الحزب الفرصة لأعدائه لكي يقنعوا الاخرين بأنه فعلاً يعمل حسب أجنده خارجية وليس حسب مبادئ دينية ووطنية كما يؤكد.
الحزب على دراية بالواقع الجديد وبالتحول الحاصل في طريقة النظر والتعامل معه. يدرك بأن وضعه على المحك نتيجة موقفة المساند للأسد وضربه عرض الحائط القيم والمبادئ التي كان يرفعها. ورغم الحماس الزائد الا أن خطابات السيد نصرلله لا تؤثر أو تحرك المشاعر كما في السابق، بل يبدو وكان نسبة من يتابعونه عبر وسائل الإعلام قد تقلصت بشكل هائل. لقد اختلف الوضع وهزت أحداث سورية صورة الحزب على المستويين المحلي والإقليمي. وبلا شك، رغم أن الثورة السورية انطلقت من أجل خلع النظام، الا أن قسما من رصيد وسمعة الحزب وزعيمه تحولا لأولي ضحاياها، بل ومجرد الادعاء بأن قتال الحزب فوق الأراضي السورية عمل استباقي يهدف لتقوية الصمود في البنان وفلسطين يثير السخرية بين العامة والخاصة.
لقد فقد الحزب كماً هائلاً من قاعدته الشعبية نتيجة دفاعه المستميت عن نظام يعلم أنه كتب نهايته بدم شعبه، لذا تؤلم حقاً صور شباب الحزب العائدة جثثا بعد ‘تأديتها مهام جهادية’. سابقاً أمثال هذه الصور كانت تُعرض كمواكب فخر واعتزاز لكل من يتمني مقارعة إسرائيل. أما الآن فيتم دفنها بسرية وبدون مراسم الحفاوة التى تليق بالشهداء. كم هو محزن ومؤلم تقلب المشاعر، اختلاف الألوان المناظر والكلمات.
موقف الحزب الداعم لنظام ظالم يندرج ضمن السلوكيات غير المقبولة أو مفهومة عموماً، خاصة أن قياداته على دراية بأن هذا النظام أنهك نفسه قبل أن ينهك الجيش والشعب السوري. وهذا ما كان يتمناه كل عدو. نتيجة تمسكه بالخيار العسكري، دمر هذا النظام كافة مقومات الوطن، مما ساهم وسيساهم في بقاء الحزب بدون غطاء وعمق استراتيجي. جراء التصرف غير الواعي قدم الأسد بلده، ومعه حزب لله، لكافة الأعداء على طبق من ذهب. وهذا أمر أكثر من شنيع ومخز، خاصة لكل من يعتز بقوة وضرورة ثبات كليهما. الاسئلة المحيرة التي تفرض نفسها هنا هي، لماذا راهن حزب الله على نظام رغم علمه أنه مستبد ويمكن أن ينقلب عليه مثل ما انقلب على شعبه وعلى معظم القوى الموجودة داخل لبنان سابقاً. نظام يعلم أنه يكابر من أجل البقاء وليس حرصاً على سلامة ومستقبل البلدين. حالياً لو كان بإمكان هذا النظام المتاجرة بحزب الله، إيران وروسيا معاً من أجل بقائه لما فكر في ذلك للحظة واحدة. لكنه يدرك ويدرك من يبيع ويشتري في الأسواق السياسية الإقليمية والدولية بأن الغالبية من شعبه أخذت القرار الفاصل ويصعب العودة إلى الوراء. كيف يمكن لأحد أن يثق بنظام استخدم أبشع أنواع الأسلحة الفتاكة ضد أبناء وطنه، نظام دمر أجمل معاني ومعالم بلده.
كذلك لا يفهم عدم أخذ الحزب بالحسبان امكانية أن تكون الثورة التي انطلقت ثورة شرفاء وانها تحاكي باقي الثورات التي اندلعت عربياً، والتي صفق لها النظام والحزب قبل غيرهم. لماذا لم يضع الحزب بعين الاعتبار أن ما يحق لباقي الشعوب من حرية وعدالة يحق ضمنياً للشعب السوري. لماذا لم يراهن أكثر من يوم ودوماً على الشعب السوري الثائر وعلى خيرة رجاله. أين ولماذا غابت عن قيادات الحزب حكمة استقلالية التدبير وبعد التفكير في كل ذلك. أحياناً تصعب الاجابة وأحياناً أفضل أن يغفلها الإنسان.
الحزب على علم بأن الشعب السوري عانى أكثر من غيره جراء الاضطهاد والاستبداد. عدم تفهم ذلك خطيئة تاريخية سيصعب تجاوز كافة عواقبها ببساطة. وكم من المؤسف عدم افتراض الحزب للحظة واحدة أن تكون الحكومة التي يمكن أن تنبثق عن الثورة حكومة واعية وحريصة على الحفاظ على الترابط والمصير السوري- اللبناني المشترك.. لماذا لم يعط الحزب اهتماما لوجود شخصيات بالثورة معروفة بولاء تام للتاريخ وللمصالح السورية – اللبنانية العامة يفوق ولاء كثير ممن هم الآن على دفة الحكم بسورية. ألا تعلم قيادات الحزب بأن كثيراً ممن يقمعون الثورة هم أنفسهم من أذاقوا الويل كافة المكونات الاجتماعية، الدينية والسياسية القائمة فوق وتحت التراب اللبناني؟
الشعب السوري يعشق لبنان وأهله ويعرف الكثير عن بطولات حزب الله في مقارعة إسرائيل، لذلك دعمه أكثر من أي شعب آخر وقت الشدة. فعل ذلك لانه على يقين بأن العلاقة بينهما علاقة انسجام أزلي. انطلاقاً من هذا الواقع، يمكن القول بأن اي حكومة سورية قادمة لا يمكنها أن تخذل أو أن تتخلى بسهولة عن القوى الفاعله في بلد الأرز. مجرد التفكير بذلك مضر بمصير سورية قبل مصير لبنان وحزب الله معاً. منذ زمن وكافة المعطيات اصبحت واضحة وتشير الى وجود علاقة بعد استراتيجي بينهما تفوق كل التوقعات وتتجاوز حد وجود أي نظام أو حكومة قائمة أو قادمة، ما يعني أنه حتى لو نجحت الثورة وفرضا جاءت (حكومة عميله أو تكفيرية) كما يزعم البعض، فلا يمكن لهذه أن تتجاهل واقع التشابك التاريخي، الجغرافي، السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والوجداني بين سورية ولبنان.
رغم كل ذلك، كافة المعطيات تشير الى ضرورة الحفاظ على حزب الله قويا وفاعلا على الساحة، لان ذلك سيساهم في تعزيز مقدرات سورية في مواجهة أي تحديات أو تهديدات خارجية. اضعاف الحزب يعني أضعاف سورية دولة وشعباً.. ومن الحماقة الزائدة لأي تيار داخل حزب الله أن يتخيل بأن أي حكومة سورية قائمة أو قادمة يمكنها أن تتجاهل وجوده بكل سهولة أو أن تصمد طويلاً إن تخلت عن علاقة تجاذب وتناغم المصالح التي تجمعهم. هذا أمر أشبه بالمستحيل، خاصة أن الواقع يفرض نفسه على الجميع، بغض النظر عن المتغيرات التي يمكن أن تحدث داخل الدولة السورية أو مع حزب الله.
‘ كاتب فلسطيني- إسبانيا