بحكم معرفة مهنية من سنوات معارضة القمع في عهد مبارك، كان لقاء لم تنقصه الصراحة مع قيادي اخواني اعرف انه على صلة مباشرة بمراكز صنع القرار رغم ندرة ظهوره الاعلامي.
واشهد بداية انني سمعت من هذا الرجل وهو عقلاني بطبيعته، وللمرة الاولى منذ بداية الازمة، خطابا اقرب ما يكون الى الواقعية التي هي البوابة الوحيدة الى اي حل ممكن، حسبما تقول ابجديات علم السياسة، بل انني تفاجأت بصراحة لم اتوقعها في بعض الموضوعات، ورأيتها مدخلا ممكنا الى مقاربة سياسية حقيقية تتجاوز هذا المشهد العقيم، بل العبثي الذي تعيشه مصر حاليا.
وهذه بعض من المحطات التي توقفت عندها على ان نعالج الباقي في مقال اخر:
اكد ان الجماعة تتمسك بمبدأ ان ما حدث في الثالث من يوليو/تموز هو انقلاب عسكري، وان كانت لا تنكر خروج عدة ملايين من المتظاهرين ضد حكم الرئيس محمد مرسي في الثلاثين من يونيو/حزيران، مستنكرا الارقام التي تحدثت عن عشرين او ثلاثين مليونا، معتبرا ان وجود هذه المعارضة الشعبية الكبيرة هو امر طبيعي في ظل المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الشعب.
ان الجماعة تستنكر الهجمات والشتائم التي يشنها البعض ربما مجاملة للجماعة ضد الجيش المصري، مقرا بأن هذه الهجمات كانت ذات اثر عكسي، نظرا لما يكنه المصريون جميعا من مشاعر الاحترم والاعتزاز بجيشهم الوطني، ومؤكدا ان الخلاف ينحصر مع قيادة الجيش وقرارها بالتدخل في العملية السياسية.
ان جماعة الاخوان جزء من تحالف داعم للشرعية، وهو الذي يملك القرار النهائي في اي تسوية سياسية ممكنة، وهي من جهتها تصر على العودة الى ‘مسار الشرعية والغاء الانقلاب’، لكن من دون ان يعني ذلك بالضرورة عودة مرسي الى الحكم (..). والدليل على ذلك ان خطابها الرسمي لم يعد يؤكد ان مرسي سيعود للرئاسة.
ان الجماعة في هذا الاطار لا تضع اي شروط لبحث المصالحة، وان كانت لديها شكوك عميقة في ان يكون الطرف الاخر مهتما حقا بتحقيق اي تسوية سياسية، وان لديها شكوكا اعمق في ان يكون النظام جديا في اجراء تحقيق محايد في احداث العنف التي أودت بالاف المصريين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
ان الاخوان قد تضرروا من الخطاب الاعلامي لبعض من يظنون انهم يساعدونهم، ومثال ذلك ان بعض وسائل الاعلام تصر على ان المتظاهرين والمعتقلين في مصر هم من ‘الاخوان او من انصار مرسي’ ، والواقع ان بعضهم فقط من الاخوان، والاغلبية يعارضون النظام الحالي لاسبابهم، بل ان عدد المعتقلين من الاخوان لا يزيد عن ربع العدد الاجمالي البالغ حسب تقديرات الجماعة اربعين الفا. والخلاصة ان مشكلة النظام الحالي هي مع جزء كبير من الشعب وليس الاخوان فقط.
هذا بعض ما قاله القيادي الاخواني، وهو يطرح اسئلة جديرة بالمناقشة:
لماذ لا يمكن الاتفاق على الفصل بين ما هو سياسي وما هو متعلق بالدم، بمعنى لما لا يجري انشاء مجلس اعلى للمصالحة بين المصريين كمواطنين، طالما انه لم تتورط اياديهم بالدماء، خاصة اذا كانت خارطة الطريق نفسها التزمت قانونا بعدم اقصاء اي طرف سياسي؟
لماذا لا يجري اشراك حقوقيين او محامين من المحسوبين او المقربين للاخوان في لجنة تقصي الحقائق التي قرر رئيس الجمهورية المؤقت تشكيلها، وهكذا تتوفر الضمانات بالوصول الى الحقيقة وبالتالي المحاسبة القانونية لكل من ارتكب جرما بغض النظر عن موقعه او انتمائه السياسي.
واخيرا فان الذين ينكرون وجود الازمة هم من يتسببون في تعميقها. واذا كان النظام يقول انه يتمتع بشعبية وشرعية جديدة فان هذا ادعى الى ان يمد يديه الى كل ابناء الشعب طالما انهم يرفضون العنف كوسيلة لفرض ارائهم.
‘ كاتب مصري من أسرة ‘القدس العربي’