بالارقام والمستندات، وفي واقعة غير مسبوقة، خرج رئيس الجهاز المركزي المصري للمحاسبات المستشار هشام جنينة منذ عدة ايام كاشفا عن تجاوزات وانتهاكات بالمليارات ارتكبتها اجهزة حكومية وامنية وقضائية منذ ثورة يناير 2011، الا ان ما قاله المسؤول الاول في هذا الجهاز السيادي التابع لرئاسة الجمهورية (ضمانا لعدم تدخل الحكومة في عمله)، وقع على اذان صماء (في تذكير مرير لما كان يحدث في عهد مبارك)، رغم ان قليلا من هذه التجاوزات التي يمكن وصفها بالفضائح دون ادنى مبالغة، كان كفيلا باطاحة الحكومة ومعها قيادات العديد من الاجهزة السيادية في اي دولة ديمقراطية.
ولاسباب غنية عن البيان، لم يكن مستغربا ان تلقي اغلب وسائل الاعلام (الاحادي) التي لا تنفك عن الصراخ حرصا على مصلحة الوطن بهذا التقرير الخطير الذي اعلنه المستشار جنينة (تحت السجادة) حسب المثل الانكليزي، بدلا من المطالبة على الاقل باحالته الى تحقيق قضائي مستقل، رغم ان بعض هذه المخالفات او الاخطاء المذكورة يعود الى رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، الا انها لا تقارن بالطبع بـ’الاهوال’ التي ارتكبتها مؤسسات الدولة الاخرى.
وعلى سبيل المثال لا الحصر تؤكد مستندات هذا الجهاز الرقابي الارفع في مصر ان مخالفات بجهاز مباحث بـ’أمن الدولة’ التابع لوزارة الداخلية (الأمن الوطني حاليا) قدرها بـ 2.5 مليار جنيه (حوالي 357 مليون دولار)، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية رفضت الخضوع لرقابة الجهاز’المركزي للمحاسبات.
وهذا يعني ان وزارة الداخلية تتصرف كدولة داخل الدولة، بميزانية ضخمة لا يراقبها احد، هكذا لا يمكن ولا يجب ان يستغرب احد ان تكون احد اهم فروع ‘امبراطورية الفساد’ الذي يفترض ان تكون رأس الحربة في مكافحته.
اما ‘الملف الخطير’ حسب وصف المستشار جنينة فيختص بــ’ردم أجزاء’من المجرى الملاحي لنهر النيل’ في معظم محافظات مصر البالغة 27 محافظة.
التهمة:’ مخالفات تصل إلى’ 18 مليار جنيه (حوالي مليارين و600 مليون دولار)، وهذا الرقم هو ‘حجم ما تم رصده ..’مما اتيح من معلومات وما خفي كان أعظم’، على حد وصف جنينة.
المتهم : ‘جهات سيادية’ رفض تسميتها غير انه وصفها بأنها ‘أجهزة معنية بمكافحة الفساد وتحرير المخالفات وتقديم المسؤولين للمحاكمات’.
اما المخالفات المنسوبة لرئاسة الجمهورية في عهد مرسي، ونشدد على ان ما جاء في هذا التقرير مجرد اتهامات طالما لن تثبت صحتها في ساحة القضاء، فهي كما يلي:
تعيين بعض العاملين على درجة ممتاز دون الالتزام بالقانون (في عهد مرسي).
استعانة’ مرسي ببعض الخبراء وبعض العاملين بالدولة تعتبر مخالفة للقانون. تعيين أسعد الشيخة نائب رئيس الديوان السابق بدرجة نائب وزير لم ترد ضمن الهيكل التنظيمي لرئاسة الجمهورية، بما يشكل مخالفة لقانون العاملين بالدولة. تقاضي الرئيس المعزول بعض البدلات غير القانونية (لم يحددها على وجه الدقة) حيث تقاضى مخصصات العسكريين المتقاعدين، على الرغم أنه ليس عسكريا سابقا’مع أن حقه فقط كان راتبا أساسيا شهريا قدره 44516 جنيها (حوالي 6396 ألف دولار)، باجمالي’ 793652 جنيها ( حوالي 113 ألف دولار)، راتبا أساسيا خلال الفترة من 30 حزيران/ يونيو 2012 حتى الفترة نفسها من عام 2013.
تم صرف مكافآت لبعض المستشارين والمنتدبين لرئاسة الجمهورية’ كجزء من الشهر بأكثر من المستحق وبلغ ما أمكن حصره 15.726 ألف جنيه (2300 ألف دولار).
وبالرغم من ان هذه المخالفات الرئاسية في خانة (الالاف) وليس المليارات كما في حالة الاجهزة الاخرى، الا انها يجب ان تخضع كسابقاتها للمساءلة القضائية.
ان هذا الصمت المريب على هذا التقرير الخطير ليطرح اسئلة خطيرة حول حقيقة ما يحدث في دواليب الدولة المصرية من حرب بين اجهزتها ومؤسساتها، التي يفترض ان يجمعها العمل في خدمة الوطن وليس تسخيره لخدمة مصالحها، سعيا الى تحقيق الاكتفاء والرفاهية للمواطنين وليس تحقيق الثروات من ورائه.
فاذا كانت ‘الدولة ما زالت غارقة في الفساد الى الركب’ حسب تعبير الدكتور احمد نظيف رئيس وزراء اكثر حكومات الرئيس المخلوع حسني مبارك فسادا، فما فائدة الثورة، وكيف انها لم تستطع ان تهز هذا الجبل من ‘ثقافة الفساد’ التي تحكم اجهزة الحكم.
وللانصاف فانه من الصعب تصور ان تتمكن حكومة واحدة او رئيس واحد خلال شهور او حتى سنوات قليلة من القضاء على فساد تحول خلال ثلاثين عاما من حكم مبارك الى ‘مؤسسة مستقلة’ بل والى ‘ثقافة’ تحكم سلوك كثير من الناس حتى عندما لا تكون الحكومة طرفا في المعاملات.
ان استمرار هذا الصمت الرهيب من النظام الحالي في مصر تجاه هذه المخالفات بل والفضائح المتعلقة بفساد اجهزة الدولة يعطي الضوء الاخضر لمزيد من الانتهاكات مع غياب اي قلق من المحاسبة. كما انه يقوض مصداقية النظام عندما يتحدث عن عزمه تحقيق اي اصلاح سياسي او اقتصادي، حيث ان هذا الثقب الاسود من ماكينات الفساد الحكومية لن يدع اثار اي اصلاح تصل الى حياة المواطنين.
والاخطر انه يثير شبهة الانتقائية في قرارات الاحالة للمحاكمات، كما يطرح سؤالا مباشرا ان كانت اجهزة الامن تستعيد ‘حصانتها من المحاسبة’، وهو ما يعني ان ‘دولة سيادة القانون’ مؤجلة الى اشعار اخر او ربما ‘ثورة اخرى’.