بغداد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسن علاء الدين: منذ أول كتاب ترجمه الدكتور حسن ناظم، حاول أن يقدم المناهج النقدية الحديثة بلغة مكثفة وواعية وبعيدة عن التعقيدات التي عرفت عن هذه المناهج.
فقد سعى بالاشتراك مع علي حاكم صالح لتشكيل ثنائي دؤوب ينقل آخر الدراسات الحديثة في النقد الأدبي والفلسفة وفلسفة اللغة. فقد ترجما حتى الآن أكثر خمسة عشر كتاباً ربما يقف كتاب (نقد استجابة القارئ) لتومبكنز على رأسها لأنه أول كتاب لفت انتباه القارئ العربي لمنهج القراءة الحديث، ومن ثم تلاه كتاب (نصيات بين الهرمنوطيقا والتفكيكية) لسلفرمان، وكتب غادامير (الحقيقة والمنهج) و(طرق هيدغر) و(بداية الفلسفة) و(التلمذة الفلسفية) وغيرها من الكتب المهمة. وفضلاً عن الترجمة كان للدكتور حسن ناظم كتب نقدية مهمة منها مفاهيم الشعرية، البنى الأسلوبية، أنسنة الشعر، الشعرية المفقودة وغيرها من الكتب والدراسات التي لم يتوقف ناظم عن نشرها في أهم الصحف والمجلات العربية.
ناظم المولود في الكوفة في العام 1965 ويعمل أستاذاً للنقد الحديث في إحدى الجامعات الأميركية ترأس تحرير مجلة (الكوفة) التي تصدر عن جامعة الكوفة، وهي مجلة دولية محكّمة. عن مشاكل الترجمة وآلياتها كان لنا معه هذا الحوار:
‘ ما الآليات التي تنتقي بها الكتب والموضوعات التي تقوم بترجمتها؟ وبما أنك والأستاذ علي حاكم صالح تكونان فريق عمل، أو مؤسسة متكاملة، في ترجمة أهم الكتب التي تناولت المناهج النقدية والفلسفية الحديثة، كيف استطعتما تكوين هذا الثنائي، وكيف كانت تتم آليات الترجمة على الرغم من اختلاف خلفياتكما الثقافية، وهل كان اشتراككما كنواة عمل ممنهجة، أو الصدفة قادتكما لتكونا معاً؟
‘ أولاً وقبل شيء، كلّ حديث عن الترجمة يقع صديقي الأستاذ علي حاكم صالح في صُلبه ولُبّه، فنشاطنا معاً هو الفكرة الأبرز في النشاط نفسه. قبل أزيد من عشرين عاماً، منذ مطلع التسعينيات، حين تداولنا، علي حاكم صالح وأنا، إمكانية أن نقوم بنشاط في الترجمة، كانت اختياراتنا تنسجم مع الحقول المعرفية التي نعمل فيها؛ أعني الأدب ونظريته، والنقد، والفلسفة، وعلم اللغة، على الأغلب. لم يكن منطلقُنا للترجمة ممارسة هواية، بل تلبية حاجة ملحّة لنا شخصياً لم تلبّها أنشطة الترجمة في الثقافة العربية التي تعاني من بطء مزمن في اللحاق بما يستجدّ في العالم على المجالات كافة، والترجمة أحدها. كنّا نعمل على أطروحتينا لنيل درجة الماجستير، هو في فلسفة الفيلسوف الإنكليزي جورج إدوراد مور وأنا في مفاهيم الشعرية، وكلا الموضوعين لم توفّهما الترجمة إلى العربية حقّهما، فكان لا بد من الاعتماد على المصادر الإنكليزية، وهنا تبلورت أفكار في ترجمة كتب تسدّ بعض الفجوة المريعة في توفّر اللغة العربية على بعض من أهمّ منتجات الغرب في حقول الفلسفة وعلم اللغة ونظرية الأدب.
نعلم أن شاعراً ما قد يختار أن يترجم شاعراً معجباً به، وهذا خيار شخصي له أسبابه، منظّر الترجمة البارز فينوتي يسمي هذا النوع من النشاط ‘تعاطفاً’، كأن يجد الشاعر المترجم دعماً لشعريته بترجمة شاعر محدد. هذا ‘التعاطف’، وقد لا تبدو الكلمة مناسبة تماماً، هو خيار مدروس أيضاً. وقد يصحّ هذا الوضع على مجالات النقد والفلسفة وبقية العلوم الإنسانية، فالمترجمون العرب، ونحن منهم، يختارون على الأغلب النصوصَ التي يترجمونها بهَدْي من التعاطف، والانسجام مع ما يعملون عليه من قضايا وأطروحات. فمن يترجم جاك دريدا غيره من يترجم غادامير، ومن يعنى بنظرية نقد استجابة القارئ غيره من يعنى بالدراسات الثقافية، وهكذا دواليك.
دعني أضرب هنا مثالاً واحداً، حين اتفقنا على ترجمة كتاب هانز جورج غادامير (بداية الفلسفة)، لاحظنا أنا وعلي حاكم صالح مقدار إهمال الثقافة العربية لهذا الفيلسوف العملاق، تلميذ هيدغر الذي سرى فيه نسغ عبقرية الفلسفية الألمانية، ففكّرنا بمواصلة ترجمة أعمال أخرى له كمشروع لنقل غادامير إلى العربية، لا سيما حين قيّض لنا ‘القدر’ ناشراً مولعاً بنشر الكتب المؤسسة للثقافة الغربية، بل مولع باقتراح ترجماتها وطبعها وإخراجها إخراجاً مبدعاً، وهكذا اقترح علينا الأستاذ سالم الزريقاني ترجمة الكتاب الأساسي لغادامير (الحقيقة والمنهج)، ثم أكملنا الرحلة بترجمة كتابين آخرين له هما (طرق هيدغر) و(التلمذة الفلسفية)، فإذا أضفنا لها كتاب (تجلي الجميل) الذي ترجمه حسن توفيق، صار لغادامير حضور مكين في الثقافة العربية. هذا محض مثال على ما يمكن أن تكون عليه آلية اختيار الكتب للترجمة.
بالطبع، ولكي لا أطيل، لا أودّ أن أوحي بأننا كنا وما زلنا على وعي كامل بما نقوم به، فالعالم العربي كان يمور بتيارات معينة، مثل البنيوية والتفكيكية وما بعدهما، وهذه تمارس أثراً على الاختيار أيضاً، وكذلك السوق وحاجته، والوضع السياسي أيضاً، أقصد بذلك أن الاختيار الشخصي ليس خالصاً أبداً ولا موضوعياً، بل هو خاضع أيضاً إلى شروط الثقافة وضغطها ودورها الذي تمارسه في اللاوعي. ولم تكن الصدفةُ، كما أظنّ، عاملاً في هذه المشروع المستمرّ حتى الآن، فمثل هذا النشاط المشترك موجود سابقاً، يبدأ حيّاً بين صديقين حميمين، ليتطور إلى شيء أكبر، ولا أحسب أيضاً أن بيني وبين علي حاكم صالح اختلافاً في المرجعية الثقافية، فأنا أعدّها واحدة منذ أن عرفتُ فيه اهتماماً بالأدب ونقده ونظريته حتى انتهى إلى كتابة كتابين مميّزين في النقد هما (المجتمع اللااجتماعي: دراسة في أدب فؤاد التكرلي، 2011) و(الوقوف على حافة العالم: محمود البريكان وسركون بولص)، ومنذ أن شُغفتُ بالفلسفة، أيام كنتُ أحضر مع طلبة الفلسفة بعض محاضرات قسم الفلسفة المجاور لقسم اللغة العربية.
‘ إلى أي مدى تبقى العبارة المترجمة محملة بإرثها الثقافي للنص الأجنبي، وهل أنت مع نقل هذا الإرث الثقافي أو تعريبها بما يناسب الثقافة المنقول لها؟
‘ السؤال أساساً، لماذا نترجم نصاً ما؟ لماذا ننقلُ من لغة إلى أخرى؟ وما الهدف من الترجمة؟ وهل الترجمة قول الشيء نفسه؟ وهذا سؤال طرحه فالتر بنيامين، والجواب كلاّ، لأن النصّ المترجم يُلقى في محيط آخر، جديد، وهناك يبدأ رحلة جديدة، مختلفة عن رحلته الأصلية. النص الذي لا يفتح أفقاً جديداً في التفكير، يثير سؤالاً عن جدوى ترجمته، نحن نترجم لتطوير حقل علميّ نعمل فيه، ونرى أن الكتاب (س) مساهمة في تطوير هذا الحقل، ومن ثمّ نترجمه. وفي حالتنا هذه، من المناسب القول إننا طلعنا في عصر هيمنة الحزب الواحد إبان الثمانينيات والتسعينيات في العراق، فكانت ترجماتنا غير مستقطبة إلاّ للعمل الأكاديمي العلمي حسب، فقد فتحنا أعيننا حين كان ‘الرفاق’ قد أتمّوا مهمة تصفية مناوئيهم الثقافيين وغير الثقافيين، وانحسر فعل الترجمة إلاّ فيما لا يُغضب الدولة الدكتاتورية، ولم يكن تعريب الفكر البنيوي والتفكيكي يُغضبها، مثلما هو حال تعريب الكتب التي تختلف مع آيديولوجية الحزب. وبالعودة لسؤالك، ألاحظ أن النصوص التي تُرجمت إبان الثمانينات والتسعينيات في العالم العربي، لاسيما نصوص المناهج الحديثة والتيارات البنيوية، أدخلت رطانة، ليس على لغة الترجمة حسب، بل على لغة النقد العربي أيضاً. هذا إذا تجنّبنا الحديث عن بعض الترجمات الرديئة، وبعض المترجمين الذين يعرفون اللغة المنقول عنها حسب، دون الثقافة، والحساسية، والتقاليد.
ليس بالإمكان تنشيط الترجمة دون قبول التغيّر الذي تُحدثه، أو حتى قبول ما لا يُتوقع من تأثير على نظراتنا إلى كل شيء بدءاً من طبيعة حياتنا الراهنة (المعاصَرَة) إلى حياة أسلافنا وفكرهم (التراث)، فالترجمة تعريفاً وبمعنى ما هي أيضاً محاولة ‘خلخلة القيم’ بإبراز قيم الآخر، الآخر المتفوّق، وتناولها ترجمة حتى إذا سرى الظنّ أنها قيم غريبة لا تخلخل قيمنا المألوفة. أما إذا كان ما تقدّمه الترجمة ذا جديد يزعزع معارفنا ومألوفيتها، فذلك ينبع من الرغبة في تجديد معارفنا أو حتى تغييرها، ولذلك أفكّر في الهدف من وراء بعض الترجمات التي قام بها مترجمون يخالفون الرؤى المبثوثة في النصّ المترجم، بل ويرونها خطراً على الهوية والعقيدة وغير ذلك، ومثالي على ذلك قراءتي مثلاً لترجمة عبد المنعم الحفني لكتاب فرويد (النبي موسى ورسالة التوحيد)، وكيف أشبع الترجمةَ بهوامشَ طويلة تردُّ على آراء فرويد. والأمر يصدق على ترجمة النصوص العربية إلى اللغات الأخرى، ومثالي على ذلك ترجمات (ألف ليلة وليلة) إلى اللغات الغربية الإنكليزية والفرنسية مثلاً، وكيف جعل إدوارد لين وأنطوان غالان، من بين مترجمين آخرين، نفسيهما رقيبين على ما اعتقدا أنه دونيّة في الذوق حين ترد كلمات فحش عربية. بهذه الرؤية الرقابية في الترجمة يقلّل المترجم من إمكانية التأثير الحقيقي للنصّ المنقول إلى لغته، لأنه يقلّل من إمكانية فتح تيار جديد أو مجال جديد للنقاش والحوار بين اللغتين، والثقافتين، والعالمين، عالم النصّ الأصلي والنص المترجَم.
‘ وهل تتمّ الترجمة بناء على حاجة المجتمع ضمن حلقات ثقافية معينة، أو تنبع من رغبات شخصية؟
‘ قلتُ إنه حتى العامل الشخصي الذي تتشرّب به الترجمة إنما هو متداخل مع الوضع الثقافي العام، فمهما بدا بناءُ الترجمة نابعاً من رغبة شخصية فإن المحيط المعرفي موجود داخل هذه الرغبة الشخصية. فالمترجم يتفاعل مع المحيط، أو حتى يستجيب لضغطه، أو إنه أحياناً يعمل على ما هو متاح، فتلبية الحاجة أو الرغبة الشخصية تنضفر بتلبية الحاجة المجتمعية. لو فكّرنا مثلاً في بعض مؤسسات الترجمة التي بدأت في تكليف المترجمين بترجمة كتب تخضع لخطة المؤسسة نفسها وليس لرغبة المترجم، وتخصّص مكافأة مجزية جداً للمترجم، هنا تتحيّد رغبة المترجم، وحاجته لصالح حاجة مؤسسة الترجمة، وأغراضها، وستراتيجيتها. كذلك قد يُغلق الوضع السياسي أفق ترجمة أعمال بعينها لأسباب تتعلق بالتوجهات الفكرية أو الصراع السياسي. أو قد تنطفئ جذوة تيار فكري معين أو منهج معين فلا يعود شائعاً ترجمة آثاره أو مستجداته. هذه العوامل وغيرها تشكّل وضع الترجمة في العالم العربي. مع ذلك، ثمة احتراز هنا، حين نفكر في ترجمة أعمال ذات طابع علمي بحت، لأنها لا يمكن البرهنة على تلبيتها المباشرة لحاجة المجتمع، لأنها مخصّصة لتلبية حاجات علمية بحتة. ترجمة الروايات مثلاً تساهم في تلبية كلا الحاجتين، حاجة المجتمع وحاجة النقد الروائي مثلاً، لكن هذه مسألة معقدة في الواقع، فالمترجم باختياره عملاً للترجمة، والمؤسسة باختيارها أعمالاً للترجمة، ورقابة الدولة على الكتب ومنها المترجمة، والعامل الاقتصادي، وغير ذلك، كلّها تحجب أعمالاً بقدر ما تظهر أعمالاً أخرى، وذلك استجابة للقيود والأوضاع الضاغطة. ومن الواضح أن وضع الترجمة بالعراق مثلاً لن يكون بالصيغة التي كان عليها خلال العقود الثلاثة الأخيرة لولا الدكتاتورية التي كانت تُشرف إشرافاً مباشراً على الإنتاج الثقافي إجمالاً وتتحكم فيه، ومنه إنتاج الترجمة.
‘ هل هناك انتعاش في حقل الترجمة في العراق؟ وكيف يمكن بناء مؤسسة متخصصة في ترجمة الكتب التي يحتاجها مجتمع ما، كالعراق مثلاً؟
‘ أودّ أن أؤكد أنه حتى مؤسسات الترجمة الضخمة، حكومية وغير حكومية، تكون عرضة لأولويات تحدّ من قدرتها على إنتاج ترجمات جيدة كمّاً وكيفاً. فخطط الدولة وهواجس المؤسسة الترجمية في تنفيذ برامج الترجمة من ناحية اختيار الأعمال ونماذج المؤلفين، وغير ذلك من العوامل المحبطة، تعوّق حتى المشاريع الجادة التي بدت مؤثرة في واقع الترجمة في العالم العربي. انظر إلى النقد الموجّه إلى المشروع القومي للترجمة في مصر على ضخامة إنجازه، وانظر إلى (دار المأمون) كيف بدأت وكيف هي الآن، وانظر إلى مشروع (كلمة) للترجمة في أبو ظبي، أنجزوا 700 عنوان في خمس سنوات، ومثيله مشروع (ترجم) في دبي، وترجمات (عالم المعرفة) في الكويت، ومشروع (المنظمة العربية للترجمة) في بيروت، وترجمات وزارة الثقافة السورية، وما أنجزته بعض المؤسسات غير الحكومية مثل (معهد الدراسات الستراتيجية) في بيروت، وغيرها من الترجمات التي قدّمتها دور النشر العربية، كلّها تحاول أن تتكيّف مع الظروف الجديدة في وضع القراءة بين العرب، وكذلك العامل الاقتصادي وأثمان الكتب المترجمة، وطبيعة إدارة الدولة لمؤسسات الترجمة الحكومية. إنها تكيّف ستراتيجياتها في اختيار الأعمال بحسب السوق وهاجس المعرفة العامة التي تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء بتضحية بالتخصص والعمق وتطوير الحقول المعرفية لصالح تطوير معلومات القارئ وتعزيز عادة القراءة فيه، وهما هدفان على أهميتهما لا يرقيان إلى ضرورة ترجمة الأعمال التي تنشئ المعرفة وتطورها. الترجمة في خطتها الأولى لا تسد فراغاً لا في المكتبة ولا في الحقل العملي الذي يجب ملاحقته باستمرار، لكنها تسدّ نقصاً في وعي القارئ العادي. والترجمة بخطتها الثانية طموح عال لملاحقة ما يستجدّ في العالم لردم الفجوة المريعة بيننا وبين الآخر معرفة وثقافة وتقدماً.
بودي أن أشير أيضاً إلى الجهود الفردية في الترجمة التي يُعوَّل عليها كثيراً في العراق خاصة، وفي العالم العربي عامة، لا سيما إذا فكّرنا في مشاريع رصينة خطّط لها أفراد ونفّذوها. وعندنا في العراق نخبة من المترجمين البارزين الذين لا يلقون انتباهاً من مؤسسات الترجمة في العراق، وجُلُّ أعمالهم في الترجمة، بل كلّها تقريباً، رُعيتْ من مؤسسات ترجمة عربية وأجنبية. وإني لألفت النظر إلى هذا الإهمال الذي يُضعف حال الترجمة في العراق، فالأسماء الراهنة الأبرز من قبيل الأستاذ القدير عبد الواحد لؤلؤة، والدكتور عبد الواحد محمد، وسعيد الغانمي، وكاظم جهاد، وفلاح رحيم، ولطفية الدليمي، وياسين طه حافظ، ومحمد درويش، وشاكر لعيبي، وسهيل نجم، وقد تفوتني أسماءُ آخرين، هم مؤسسات ترجمة وحدَهم قدّموا عيونَ الكتب إلى اللغة العربية، وكانت ترجماتُهم مشاريعَ بكلّ ما في الكلمة من معنى، وليست نزهة لتحصيل سعادة عبر ‘ضيافة لغوية’ فقط. إنه العام 2013، وبغداد عاصمة للثقافة العربية، ومن دون إبراز جانب الترجمة لا تكتمل الثقافة ولا عاصمتُها، وهذه دعوة لمؤسسات الترجمة والجامعات في العراق لفتح قنوات تواصل مع خيرة مترجمي العراق للمساهمة في مشاريع الترجمة ودعمها، فإهمال العراق لهم لن يضيرَهم؛ لأن مؤسسات الترجمة العربية تتطلّع إلى أعمالهم وتلحّ في دعوتهم للتعاون معها، بل تُغريهم بالعمل معها عبر تقدير جهودهم ومكافأتها مادياً ومعنوياً مكافأة كبيرة، بينما بلدهم العراق ربما لا ‘يفكّ خطّ’ أسمائهم. المؤسسات الحكومية في عراق اليوم، ومنها الجامعات ومؤسسات الترجمة خاصة، تتمتع باستقلالية معقولة في إدارة ميزانياتها وتوجيه أنشطتها، وما ينقصها هو المبادرة لاستقاب أفضل المترجمين العراقيين للعمل على مشاريع الترجمة المقترحة.
‘ هل ما زالت مقولة ‘الترجمة خيانة للنصّ الأصلي’ قائمة في مناهج الترجمة الحديثة؟
‘ بالنسبة لي تتعلق هذه القضية بطبيعة ‘المواجهة’ بين لغتين في الأصل أكثر مما تتعلق بمترجم فرد له خيارات أن يخون الأمانة أو يحفظها. بول ريكور يرى أن الترجمة ‘ضيافة لغوية’، لكن عنصر ‘المواجهة’ هو المورّق بالنسبة للمترجم، أما الضيافة اللغوية فمردّها شعور المترجم بالسعادة وهو يقدم تأويلاته، أو قل ما يراه مقابلاً لـلنصّ الأصلي. في المواجهة تبرز الخيانة أو الأمانة. وأرى أن الأمانة لا تعني الالتزام لأن الترجمة بوصفها خيانة هي أيضاً التزامٌ، وما يحدّد الأمرين اختلاف الثقافتين المنقول منها والمنقول إليها. إذن ثمة خيانة هي التزام بأعراف الثقافة المستقبِلة وتقاليدها. الخيانة تمارس تحت وطأة ضغط متأتّ من ترجمة أعمال تعود إلى ثقافة قوية، يجد معها المترجم نفسه مجبراً على التمسّك بتقاليده. حدث هذا مع الثقافة العربية حين كانت أقوى ثقافة في العالم. وحدث أيضاً في الثقافة الغربية وهي في أوج نضجها، ومثالي على ذلك ترجمة إدوارد فتزجيرالد لرباعيات عمر الخيّام في منتصف القرن التاسع عشر، فبعض الباحثين لا يعدّها ترجمة، وبالمقابل يمكن طرح القضية نفسها على ترجمات مصطفى لطفي المنفلوطي لبعض الروايات الفرنسية وتطويعها للعربية الجليلة التي يقدّسها مترجم مثل المنفلوطي. فإذا كان المنفلوطي يكرّس تقاليد النثر العربي عبر الترجمة، فإن تطويع فتزجيرالد رباعيات عمر الخيّام إلى التقاليد الغربية جاء من نظرة استعلاء على الآخر الذي يترجم مأثرته.
‘ ما الفسحة التأويلية التي تتحرك بها بين النص بلغته الأصلية والنص المترجم؟
‘ كلّ كتاب ترجمناه أنا وعلي حاكم صالح، وكذلك الكتاب الوحيد الذي اشترك فيه عباس كاظم، إنما خضع لترجمتين في الحقيقة، فكان كلّ فصل يُمحَّص منّا كلينا، ثم بعد ذلك يخضع لقراءتين منّا نمارس فيها دور القارئ الحرّ الذي يواصل القراءة دون كبير اهتمام بالأصل، أي يعامل النصّ وكأنه كُتب بالعربية أصلاً، وهنا تأتي ما سمّيتَه أنت ‘الفسحة التأويلية’، إنما هو في الحقيقة اجتراح لغة ترجمة خاصة توفّي النصّ الأصلي حقَّه من المعنى، وتوفّي العربية صفاءَها البلوريّ الذي نحسّه كمترجمين ومؤلفين سواء بسواء. ولذلك لم نكن نتلقّى إشادة من الأصدقاء والقراء بطبيعة موضوعات الكتب التي نترجمها أكثر مما نتلقّى إشادة بلغة الترجمة نفسها، وفي ظني أن المِراس الذي تحصّلنا عليه أدّى إلى لغة ترجمة واحدة لمترجمين اثنين.