الحرية لا تطلب بل يتم انتزاعها

حجم الخط
0

كانت المرة الأولى التي قرأت فيها هذه العبارة على جدران مدينة تونس، وقد تركت ما تركت في النفس، وأثارت شجوناً ألحانها التوق إلى الحرية بكل تفاصيلها. أصابتها عيني بغتة، فتسمرت القدمان حيث وصلتا، وشرد الذهن لوهلة في حروفها، وقلبت حاضري ومستقبلي أرضاً على عقب؛ مبعثرة اللحظات كذرات تذروها الرياح في الأفق البعيد.
أذكر أني وقفت عندها مطولاً، وطالعتها بتمعن، وجحظت العين محاولة استيعاب ما ترمي إليه. أذهب يميناً، فأراها كتبت باللون الأحمر القاني. أغير موضعي، وأذهب يساراً فأراها متوهجة أكثر، متأنقة أكثر، متلألئة أكثر. كانت الكلمات تخاطبني، وتعنفني، وتأخذني بعيداً، وترميني خلف السحاب أسيراً وقتيلاً في آن واحد. أيقظت كل ما علمته من تضحيات في ثنايا الكتب، واستحضرت الثورات من أدنى الأرض إلى أقصاها، ومن قديم الأزل مروراً بالحاضر إلى المستقبل الذي ترنو الأبصار إليه، ومن شخص ‘هابيل’ ولد آدم إلى التونسي ‘بو عزيزي’ وتلك الشخصية الغامضة التي تحمل شعلة المستقبل وأمل الأجيال. تذكرت كلمات أحمد شوقي وكيف وصف الحرية الحمراء وبابها ومعالمها، واقتحم عالمي عبق دماء الشهداء وعبيرها، وذهبت الروح إلى فلسطين ومساجدها وكنائسها وناجت أهلها وأفضت إليهم حلو الكلام والفعل.
عدت إلى موطني، والجسد ينتفض سراً وعلانية؛ ظناً مني أن الثورة تبدأ في الميادين والشوارع والأزقة. بعثرت الكتب التي أحتفظ بها أمامي، وتركتها كريشة في مهب الريح تقلب صفحاتها كما يحلو لها، وجلست أتأمل في طياتها، وأعاين التاريخ عن كثب. وجدت أن الثورة الأولى على مر الأزمنة والعصور كانت بفعل هابيل الذي ثار على بواطن الشر في نفسه، ولم يسلمها رهينة لقيود الغدر.
مد قابيل يده وباشره الحقد، فرفض هابيل وأبى وترفع وثار. قد يظن بشر أنه استسلم، لكنه حقيقة قاوم النفس وانتصر، وخلده الزمن بطلاً لا ضحية، رمزاً مستمراً لا على هامش الأيام. ثم انتقلت إلى أمجاد الأمم، وبدايات الثورات الناجحة منها والفاشلة، فاكتشفت أن سر نجاحها كان يكمن دوماً في النفس وخباياها. فعندما حاصر الفرنسيون سجن الباستيل، توحدت مشاعرهم ضد الظلم والقهر، ولم تقف في وجههم لا قلعة ولا حصن، وكسروا حاجز النفس. فجماهير الثورات التي لم تنجح تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وتعتقد فيهم يداً واحدة وهم أياد موزعة متفرقة، كل يبادر إلى ما تصبو إليه تلك النفس البشرية. طلبوا الحرية من الباب الخاطئ، فأخطأت جهودهم وتاهت نتائجها وذهبت حيث انتهت إليه.
الحرية لا تطلب، بل يتم انتزاعها. والانتزاع لا يكون فقط من يد الحاكم والمستبد والظالم؛ فإنما يكون وجوباً لزاماً من النفس التي نحتويها في أجسادنا، والأفكار والفرضيات التي نحميها ظلماً في عقولنا، والمشاعر المتفرقة التي حافظنا عليها دون مقاومة. فالنفس لن ترق دون انتزاع من براثن الجهل، والعقل لن ينتقل إلى مرحلة فكرية أعلى دون صراع. وإن بقينا نحلل في ظواهر الأمور وترك كبدها وقلبها دون المساس بها، سنبقى حيث نحن، وقد نتراجع أكثر، مهما تعددت الثورات وترامت. يقول العالم المجتمعي علي الوردي: ‘الثائر أقرب إلى روح الإسلام من الخاضع’، وذلك لأن الثائر الحق اعتنق معتنق الديانات السماوية بالثورة على الباطن قبل الظاهر، ونفض الغبار المتراكم عن كتفه، وقام، وعلا، وسما في الآفاق. فهلا نفضنا قليلاً من غبار، وارتقينا، وانتزعنا جذور الظلم بحق؟! ظلم النفس للنفس، وهذا هو بيت القصيد.
حسام خطاب – الأردن
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية