في اطار الانتفاضات الشعبية الموسومة بالربيع العربي كان اليمن على موعد مع انتفاضة 11 فبراير/شباط 2011 ضد نظام الرئيس صالح، الذي حكم اليمن لمدة 34 عاما وفق ادوات مناهضة للدولة وللقانون، تعزيزا لدور القبيلة الحاشدية التي ينتمي اليها ويستند الى قاعدتها الاجتماعية ووفق نزوات خاصة به جعلت من القرار السياسي اداة اعتباطية لا تخدم المواطن ولا تظهر مؤسسة الدولة حتى بابسط مظاهرها. ومع تزايد حدة السخط الشعبي والمظاهرات الفئوية خلال الفترة 2004-2011 وما ارتبط بها من حروب عبثية في شمال اليمن وظهور الحراك الجنوبي السلمي بدعواته المتدرجة من الحقوق المطلبية النقابية الى حقوق المواطنية التي خضعت للاقصاء، وصولا الى سقف مرتفع في المطالب متمثلا بالانفصال وعودة الجنوب الى دولته المعلنة عام 90 اي قبل دولة الوحدة. ووفقا للمسار الثوري في تونس ومصر وما خلقه من زخم حماسي لدى الشباب اليمني، تبلور استنادا الى عوامل موضوعية في الداخل القيام بحركة شبابية شعبية اظهرت فاعليتها في احتلال الميادين العامة، بدءا من ميدان الحرية بتعز وميدان بوابة جامعة صنعاء يوم الحادي عشر من فبراير وصولا الى سبع وثلاثين ساحة وميدانا في عموم المحافظات اليمنية. هنا كسر الشباب حاجز الخوف من الاجهزة القمعية وسرعان ما اظهر الشعب تأييدا لهذا الموقف، بل وتزايد الاصطفاف الشعبي من كل الفئات ومنها القبيلة والمرأة والحركات الاحتجاجية الجنوبية والشمالية ناهيك عن الاحزاب التقليدية. اظهر الربيع اليمني دهشة كبيرة للمراقب الخارجي والداخلي وحضورا غير مسبوق في التاريخ الحديث والمعاصر، حتى ان النظام نفسه لم يكن مصدقا ما يراه من فعل ثوري حاشد في عموم اليمن، وكان مندهشا ومستغربا في كيفية تحقيق الاصطفاف الشعبي الذي لم يكن النظام ذاته قادرا على تحقيقه. الانتفاضة الشعبية في اليمن وفي الدول الاخرى- لم تكن بتخطيط من الاحزاب ولا بقياداتها، فهي اضعف من ان تقود مثل هذه الانتفاضات الواسعة، وهذا ملمح ايجابي وجديد في حركية الشارع العربي، وان التحقت الاحزاب فيما بعد بالمسار الثوري لكن الشباب المتعدد في مكوناته السياسية ومرجعياته الاجتماعية ووفق تبلور وعي سياسي تجاه تراكم الازمات وحالات البؤس التي كان اليمن يعيشها تحت حكم نظام صالح، اظهر رغبة علنية في الانعتاق من اسر حكم معاد للنظام وللدولة وللشعب في آن واحد، بل ان اللانظام هو وصف حقيقي لطبيعة حكم الرئيس صالح طيلة ثلاثة عقود. ومع وطأة الفعل الثوري حدث انقسام في المؤسسة العسكرية والقبلية وتحولت المواقف للكثير من الاحزاب والشخصيات الاجتماعية، وبقدر ما كان يؤمل من هذا التحول ان يدفع المسار الثوري الى الامام، كان معيقا لاكمال المسار الثوري بل تم تجميد هذا المسار والهرولة نحو التوقيع على مبادرة شكلت وأدا له، حيث تضمنت القول بالازمة التي يعانيها اليمن ولم تعترف بالثورة كمسار او كانتفاضة شعبية، ومن هنا كان الموقعون على المبادرة هم من قبل بالمحاصصة كمنهجية مكنت الطرف الاخر من استعادة توازنه لبعض الوقت، ومكنت الطرف الثوري من دفع فاتورة التغيير ارواحا ودماء بدون الالتفات الى اهدافه وشعاراته، بزعم ان المبادرة كصلح سياسي وتحكيم اجتماعي تمثل الحكمة اليمانية التي لا اساس لها في ارض الواقع. وحين كان المشهد الثوري في اوج عنفوانه وكان الشباب يهتف باعلى صوته ويرفع سقف مطالبه في تغيير النظام ومحاكمة الفاسدين والمجرمين قاتلي الشباب في مظاهراتهم السلمية، صكت الاحزاب اولى مفارقاتها مع الساحات ومع الثورة عبارة المسارين الثوري في الساحات مع الشباب، والسياسي مع الاحزاب، وفي الحوار مع الخصم والوسطاء. وهنا كانت المبادرة التي اعلنت نسختها الاولى في ابريل/نيسان 2011 قد دخلت ورشة التعديل للمرة الثانية والثالثة حتى اذا جاء شهر نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته الا ونص المبادرة موافق عليه من الاحزاب التي كانت تدعي انها معارضة وبين نظام الرئيس صالح وبواسطة خليجية سعودية في الاساس . ولان نصوص المبادرة لا تتضمن اي اشارة الى الشعب وثورته او انتفاضته فانها سمت المشهد السياسي ‘بالازمة’ التي لابد ان يتم تجاوزها عبر اتفاق بين طرفي المعارضة والسلطة، وهو اول نفي للمسار الثوري في وثيقة رسمية، بل ودولية. وقد تضمنت الوثيقة الاتفاق بين الجانبين وبحضور الدول الراعية وهي عشر دول خمس خليجية وخمس دول غربية اهمها امريكا والمندوب الاممي جمال بن عمر. وقد نصت المبادرة على ‘الحفاظ على الاستقرار ووحدة اليمن وأمنه وانتقال السلطة بطريقة سلمية بما يلبي طموحات الشعب في التغيير والاصلاح وتجنيب اليمن منزلق الفوضى والعنف، باعتماد توافق وطني تلتزم به كل الاطراف يكون بازالة التوتر السياسي والامني ووقف كل اشكال المتابعة والملاحقة’. وهنا تم اعتماد منطق المحاصصة باقتسام حقائب الحكومة والمناصب الاخرى المتعددة مدنية وعسكرية وهنا تم اقصاء الشباب والثوار الحقيقيين رغم ان المبادرة لم يوقع عليها سوى احزاب محددة تتمثل في اللقاء المشترك (يضم ستة احزاب) والمؤتمر الشعبي وحلفائه (خمسة احزاب) ومع خروج الرئيس صالح وتسلم نائبه مقاليد السلطة بحفل رسمي وحضور اقليمي ودولي اعقبه استفتاء ولا نقول انتخابات لان التصويت كان بنعم أو لا لمرشح واحد . هذه المبادرة رغم انها جمدت الانهيار الكامل للدولة والمجتمع وارجأت الحرب الاهلية الى موعد قد يكون قادما في اي وقت، نظرا لان المشهد السياسي المأزوم مفتوح الاحتمالات، الا انها لم تلغ مشاهد الفوضى الامنية والعنف اللذين سادا كل ارجاء البلاد. هنا تشكلت حكومة وحدة وطنية باقتسام الحقائب بالمناصفة بين طرفي المبادرة وهو مدخل لعدم استقرار الحكومة وعدم فاعليتها فكل طرف فيها تفنن في اعاقة عمل الطرف الاخر. وخلال عامين من عمر هذه الحكومة لم يكن لها من نصيب في الانجازات سوى بقائها في موقعها دونما اثر ملموس على ارض الواقع. ولان عدم الثقة هو السائد بين مختلف مراكز القوى والاحزاب السياسية فقد شهدت اليمن تحركات مدنية وعسكرية لارباك المشهد السياسي وتصعيدا من كل طرف ضد الاخر ، هنا شهدنا مظاهرات للعسكر وللمدنيين من اتباع الفريقين ضد بعضهما في مختلف المدن، خاصة العاصمة. كما شهدت اليمن موجة من الاغتيالات للعسكريين والامنيين (70ضابط امن) والمدنيين، كان اخرها اغتيال اثنين من اعضاء مؤتمر الحوار ومحاولتي ااغتيال لامين الحزب الاشتراكي، ناهيك عن تخريب شبكة الكهرباء لتغرق البلاد في ظلام لمدة ثلاث سنوات يحصل المواطن فيها على ساعات محدودة من الاضاءة ليلا او نهارا . ومع تزايد سوء الاوضاع الاقتصادية وفقا لارتفاع الاسعار والاحتكار وضعف فاعلية الحكومة وعدم ايفاء اصدقاء اليمن بوعودهم المالية ظهرت ملامح البؤس والفاقة في عموم البلاد وتزايد السكان الفقراء الى نحو يزيد عن 60′ ممن يعيشون بدولارين في اليوم، اضافة الى ارتفاع معدلات البطالة 46′ من قوة العمل وتسرب الاطفال من المدارس مع انتشار للامراض والاوبئة (حمى الضنك، الملاريا..). في هذا السياق كان المشهد العام قلقا ينذر بتجدد دورات العنف التي كانت تظهر بين الحين والاخر، هنا تزايدت حالات الاختطاف لاجانب ويمنيين وقطع الطرق والاعتداء على المؤسسات العمومية وتزايد تهريب الاسلحة الى حركات وجماعات متعددة، كما صعدت الجماعات الارهابية والقاعدية هجماتها على منشآت اجنبية وحكومية وحاولت جماعات تكفيرية متشددة الاستيلاء على مدن واماكن تعتبرها بدايات لدولتها الاسلامية (محافظة ابين في الجنوب) . ولان المشهد السياسي اليمني ليس معطى محليا بل هو معطى اقليمي ودولي فكان للخارج صوت وكلمة مقررة في المشهد السياسي بدءا من التوقيع على المبادرة وتشكيل الحكومة واعتماد المواجهة نحو تعقب الجماعات التكفيرية والقاعدية، وكذلك تجاه التسوية السياسية التي اتجهت خطواتها قدما نحو الحوار الوطني من خلال تشكيل اللجنة الفنية للحوار ومهمتها اعداد منهجية الحوار وقضاياه الرئيسية وتحديد حجم اعضاء مؤتمر الحوار وكيفية تمثيلهم للاحزاب والمكونات السياسية والشبابية والمرأة والمجتمع المدني باجمالي 565 عضوا. ومن حيث الشكل والمظهر كان هناك تمثيل غير مسبوق للشباب والمرأة والمجتمع المدني فكان للمرأة حضور بعدد 159 سيدة بنسبة تصل الى 30′ وكان 20′ للشباب. لكن اللجنة الفنية المشكلة من امناء عموم الاحزاب وبرئاسة الرئيس هادي وضمت اخرين مثلها مثل لجان المؤتمر كانت الفاعلية لمراكز القوى عبر ممثليها واتباعها. وبدلا من ان يتجه الحوار نحو أس الازمة بتعبير الوثيقة او أس الاشكالية وفق اهداف الانتفاضة، وهي بناء الدولة وحل القضية الجنوبية تم اعتماد 13 قضية يتم تقسيم المتحاورين الى لجان بعدد القضايا، ومنها لجنة واحدة تهتم بمسألة بناء الدولة، مما ادخل المؤتمر في تعويم مقصود وممنهج خلال عام تخلله عنف ومقاطعات وانسحاب للبعض وتجميد عمل لبعض اللجان، ثم سرعان ما يتم التدخل من المندوب الاممي وسفارات الدول الراعية للمبادرة. وفي نهاية المطاف يتم الاعلان عن وثيقة المؤتمر التي تم الاحتفاء بها رسميا ونقدها شعبيا، لانها لم تتضمن الصيغة المطلوبة والمتوقعة لانهاء كل مظاهر الفوضى والاختلالات، خاصة انها لم تتضمن اي ضمانات حقيقية للتنفيذ، بل أوكل تنفيذ بعض من مقرراتها للحكومة التي هي محل نقد شعبي واسع لاخفاقها في تحقيق اي انجاز خلال عامين. لكن الوثيقة والرئيس هادي دفعوا بقضية واحدة الى الواجهة الاعلامية وهي ذات اهمية وخطورة تلقفها المجتمع، وكان القصد منها نقل جزء من الصراع السياسي من دوائر الدولة والحكومة الى قاع المجتمع، ونعني بها قضية الاقاليم والحكم الفيدرالي التي شكلت مجالا لحوارات متجددة داخل الشارع اليمني. الجدير بالذكر ان جميع مخرجات الحوار ليست اكثر من توصيات او مقترحات التزم الجميع بالعمل بها لكن الضمانات الحقيقية لتنفيذها غائبة والدليل على ذلك ان اطرافا ثلاثة رئيسية اعترضت، بل رفضت التقسيم المقترح بعدد الاقاليم الستة، وهو مقترح الرئيس ولجنة الاقاليم . ومجمل القرارات تشير الى مجالات الحوار الخاصة بالدولة والتنمية والعدالة الانتقالية وحقوق الانسان والقضية الجنوبية وقضية صعدة وتمكين المرأة والمهمشين وتعزيز الحوكمة والنزاهة في ادارة الدولة والحكومة واستكمال هيكلة مؤسسة الجيش والامن، لكن في الاهمية والصدارة يأتي قرار اعلان اليمن دولة اتحادية مكونة من ستة اقاليم، ثم تلى ذلك التأكيد على اهمية الدولة اليمنية الحديثة في اطار وحدة الارض والانسان، وضرورة تفعيل دور الدولة بآلياتها المؤسسية والقانونية وسيطرتها على جميع اراضي البلاد، وانهاء العنف والفوضى الامنية والعمل الدؤوب لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والاسراع بملف العدالة الانتقالية بالتأكيد على عملية المصالحة والتسامح تعزيزا للاستقرار والوحدة الوطنية اخيرا يدرك ابناء اليمن جميعا النخبة والعامة ان الحوار هو الفرصة الاخيرة لانقاذ الدولة والمجتمع ومنع تمدد الفوضى وتعميمها ورغبة من الجميع بالخروج من الازمة واعادة الاعتبار للدولة وتحقيق تطلعات المجتمع بالاستقرار والتنمية، وهو امر محل مساومات من مراكز القوى حزبيا وقبليا وعسكريا، وهنا مكمن الخطر الرئيسي على البلاد وعلى فشل الوثيقة ومقررات الحوار الوطني. هذا ان لم تبرز دورة جديدة من العنف والمواجهات العسكرية او اتجاه احد الاطراف استنادا الى القوة العسكرية والقبلية بالتنسيق مع حلفائه بالخارج الاقليمي بتنفيذ انقلاب لفرض امر واقع يعيد اليمن الى مربع العنف وبداياته الاولى.