‘سقوني وقالوا: لا تغنِّ ولو سقَوا جبال حُنينٍ ما سُقيتُ لَغنَّتِ’ (الحلّاج) لي إحساس سيسقي، لو أردتُ، عطِاش الحيّ والبلدْ. لكنّي لا أريد أن يشرب أكثر منّي من دمي أحد. فيا ساقيَ الحرف: أعِنِّي عليّ. *** أكتب، ولو قالوا لا تغنّي. لكنّ الأزمة هي في الفائض الأبديّ، رغم الكتابة، ممّا سُقيت. الغناء خمرٌ مصفّى باحتراف؛ نصفُ بكاء مصنوع مدروس، سليمٌ من بوحٍ آخره شطحٌ آخره حتفٌ قد يكسر زجاج الروح وربّما الجسد. على أنّ كلمات زادت عن حاجة نصّ لقلّة جمال أو وضوح، لها معان تبقى في صُلب حاجة مؤلّفه لبَجسِها من مسامّه. لهذا لا يكفي الغناء، بل أحياناً يزيد عليّ ما سُقِيتُ والنتيجة بئر يحفرها ماء لو سَقيتُ به جبالاً لما غنّت فقط. يحدث أن لا أحتمل، مهما تعدّدت مشاربُ لها سراب التراب أدعُها تمتصّ بعضي عن قصد، علّ الطوفان في البئر يرتدّ، ولو إنشاً واحداً، إلى ما خلف أطراف التردّد والحجاب الحاجز. كم حاولتُ لأهدأ، لكن سُدى، والسبب أنّني لا أمنح لسوى أوعيتي أبداً كلّ الوقت والقلب، وأنّني وإن بدأت، فسريعاً أهرب أو بطيئاً إليّ، حسب وزن الماء. ربّما لمحض غريزة حيوانيّة في البقاء، أو بشريّة في الجمال؛ في جمال ليس لبحرٍ، بل لقطر الندى. ما كان يستحق الفناء فيه سواك يا حلاّج؟ ثاني اثنين وتعرف تماماً أن ‘ليس مع الله أحد’؟ أنا مثلك، أشتهي حتفي، لكنّي أريده لذيذاً مرّاً مكرّراً أحسُّه وأَعيه ويكون أقصاه صحوٌ بكامل أناقته. وللاستحالة صرت أبحث عمّا يشبهه، عن مجازه. لست مثلك، وإن استلذذت مراراً دمك ودم الناصريّ أخيك. أنا من قطيع يستبدل بالدم عرقاً، دمعاً، مَنياً، وكلَّ ما لا يميت، وأزيِد عن بعضه رغبةً في أن أغازل تلك الحافة الخطرة بكأس أو اثنتين من دمي فقط، وما زلت من السذاجة لأعتقد أن بإمكانيَ كسرَ التضادّ خارج اللغة فأُوجَدَ بالقدر نفسه الذي فيه أفنى. كلام فارغ، هراء. الفناء عهر، بغاء، لا مبرر له سوى الكبت والماء. وبسبب الغباء، أبقى أحاول المستحيل، وأحفظ خطّ رجعة ما، خطَّ بقاء، ماديّ العناصر: جسدي وحيداً، وسقف، كتاب صعبٌ، وباب. عالم الغيب كما الشهادة يزيد الوحشة يا حلاّج، ومن هنا الخلاف البسيط، وهو ليس سيكولوجياً أبداً.