الأباتشي ليست قاضيا

حجم الخط
0

منذ بدء الحملة العسكرية في سيناء عقب حادثة رفح الأولى في أغسطس/اب 2012، تظهر البيانات العسكرية لتقول لنا انه تم قتل خمسين من الإرهابيين، ثم عشرين من الإرهابيين، وهكذا يتم الحكم عليهم وتنفيذه من دون أن يكون لهم حق الدفاع عن أنفسهم، ومن دون أن يكون لهم حق الاستئناف، ومن دون أن يعلنوا حتى الآن عن أسمائهم، ناهيك عن أن نعرف أدلة ادانتهم ومسوغات تنفيذ الأحكام فيهم من دون محاكمة.
وكلما تحدثت مع واحد من أنصار الدولة الباطشة قال لك: أتريدهم أن يستأذنوا الإرهابي قبل أن يدخلوا عليه، ويقولوا له (لو سمحت نريد أن نقبض عليك)؟ ونقول لهم: لقد افترضت ابتداء أن هؤلاء المستهدفين إرهابيون، وبنيت كل كلامك على ذلك، وهذا افتراض الدول الباطشة، أن كل متهم مدان إلى أن تثبت براءته، بينما الدول التي تحترم مواطنيها تفترض أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته، والإدانة لا تثبت بأقوال مسؤولين متهمين اصلا بالإرهاب تجاه شعبهم، ثم هم بعد ذلك لا يحددون أسماء المتهمين ولا تهمهم، وإنما أقوال مرسلة، قتلنا عشرين إرهابيًا، قتلنا ثلاثين إرهابيًا، بمثل هذه الأقوال من هؤلاء المدعين لا تثبت الإدانات، وبالتالي فهؤلاء القتلى عندي إبرياء إلى أن تثبت إدانتهم، وإذا كان هذا عندي فمن باب أولى أن يكون هذا هو الرأي عند اهلهم وذويهم، فهل تراهم يسكتون على مصارع أهلهم من دون محاكمة ومن دون ضوابط؟ وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول، ما هذا الذي تفعله المؤسسات الأمنية المصرية في سيناء؟
إن القلب ليدمى لكل جرح يصاب به جندي مصري من الجيش أو الشرطة، في سيناء أو في غيرها، ونحن أكثر تأثرًا به من الذين يتاجرون بهذا الدم، أو يستخدمونه ذريعة لجرائمهم، لكننا لا نريد لهذا الدم الطاهر أن يستخدم ذريعة لإراقة دماء طاهرة أخرى خطأ أو عمدًا، في غياب الإجراءات القانونية وفي غياب الرشد عن العهد الحالي، فيؤدي ذلك إلى مزيد من سفك الدماء الطاهرة من الناحيتين، والوطن هو الخاسر الوحيد، والعدو الرابض على الحدود هو الفائز الرئيسي، وكأننا نريد أن نلقي ببراثن جزء عزيز من أرض مصر إلى الإسرائيليين .
والذين يقارنون بمواقف الدول الأخرى مع الجماعات الإرهابية مقارنتهم باطلة أشد البطلان، فإن الدول الأخرى لا تفعل ذلك مطلقًا، ما سمعنا أن الجيش الاسباني يدك القرى بالأباتشي والدبابات ضد منظمة (إيتا) الانفصالية، أو أن إيطاليا فعلت هذا ضد منظمة (الألوية الحمراء)، أو أن بريطانيا استخدمت ذلك ضد (الجيش الجمهوري الأيرلندي)، الكل يستخدم الشرطة ومن خلال الضوابط، وأما طائرات أمريكا بدون طيار فضرباتها خارج اراضي الوطن وضد غير الأمريكيين، وعندما قصفت مرة متهما بالإرهاب يمنيا اسمه (الحوقلي) واتضح أن معه الجنسية الأمريكية قامت الدنيا ولم تقعد، مع أن الضربة كانت في اليمن، فكيف لو كانت في أمريكا .
وقبل عدة أسابيع حدث تطور آخر خطير يحمل الأمر برمته نحو الأسوأ، إذ لم تعد بيانات الجيش تتحدث عن عدد القتلى من (الإرهابيين)، بل بدأت تستبدلها بكلمة (التكفيريين)، فبدأت بيانات الجيش تصدر بهذا، في جريدة ‘المصري اليوم’ في 13 فبراير/شباط (مقتل 112 تكفيريًا خلال عمليات الجيش في اسبوع)، وجريدة ‘البديل’ في 21 فبراير (مقتل 58 عنصرا تكفيريًا خلال عمليات الجيش بشمال سيناء)، وجريدة ‘اليوم السابع’ في 22 فبراير (مقتل 10 تكفيريين على الأقل في قصف جوي للجيش شمال سيناء)…، وهذا تطور في منتهى الخطورة، فاستبدال كلمة (إرهابيين) بكلمة (تكفيريين) توسع وترخص واستهتار بالأرواح لا مثيل له، فبينما كان مسوغ استهداف (الإرهابيين) هو خطورتهم على حياة الجنود ووجود السلاح معهم، فإن كلمة تكفيريين تخلو من كل تلك المسوغات، فالتكفير تطرف فكري يواجه بالفكر والتوجيه، أو بالسجن في أسوأ الحالات، والإعدام ليس عقوبة التكفير لا في القانون المصري ولا في أي قانون في العالم، وبينما كلمة إرهابي يمكن وضع ضوابط لها بحمل السلاح أو حيازته فإن كلمة (تكفيري) كلمة نسبية وتحتاج للنقاش ابتداءً لتحديد من هو التكفيري من غيره، والفروق الفكرية دقيقة، ولا أظن الجيش المصري أجرى تلك النقاشات مع هؤلاء قبل استهدافهم ليعلم هل هم تكفيريون أم لا، والقتل ليس من عقوباتها بكل حال، وليت الذي ينشرون تلك البيانات كأنها عن قتل نمل وليس بشر يجيبون عن تلك الأسئلة
ـ ما هي أسماء هؤلاء القتلى؟
– ما هي أدلة إدانتهم؟
-هل التكفير تهمة في القانون المصري عقوبتها الإعدام؟
– لماذا يستهدفون جميعهم بالقتل وليس القبض عليهم لتقديمهم لمحاكمة يكون لهم فيها ضمانات الدفاع عن أنفسهم؟
-بأي مسوغ قضائي تستهدف هذه العمليات قتل مباشر؟
-لماذا لا يوجد جرحى؟
– كيف يتم استخلاص التكفيريين فقط بقصف من بعيد بالطائرات والدبابات من دون أن يقتل أو يصاب غيرهم، هل يجمع التكفيريون أنفسهم ويبتعدون في أماكن نائية استعدادًا للقصف والقتل ؟
وغيرها من الإسئلة الخطيرة تظل بلا إجابة، وقد كنا في أيام مبارك ومن بعده نعترض على المحاكمات العسكرية للمدنيين، فوصلنا إلى القتل العسكري للمدنيين من دون محاكمة، إن القلب لينفطر من المشاهد القليلة التي تبثها القنوات لقصف جوي على مساكن، وقصف بالدبابات لمناطق بعـــــيدة، حــرب شاملة وكاملة بالأسلحة الثقيلة ومن دون أي ضمانات لعدم استهداف الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، فما تأثيرات هذا على أهلنا في سيناء؟، وما تأثيرات هذا على الإنسان المصري الذي تضمن له نصوص الدستور البراقة حقوقًا مكفولة على الورق فقط أهمها الحق في حفظ النفس والنسل والمال، وهي من مقاصد الشريعة، وهي المقصد الرئيسي لأي دستور، والهدف الأول لأي دولة، وهي كلها مهددة بل مهدرة في مصر الآن.
يا سادة الأباتشي ليست قاضيًا، لأن قائدها الذي يدوس الزر فينطلق الصاروخ يقتل من يقتل لا يملك لا هو ولا رئيسه أدلة الأدانة، ولا هو قاضي تحقيق، ولا قيادته التي قتلت مواطنيها في القاهرة مؤتمنة على مواطنيها في سيناء، ولا صدقناها أن إخوتنا الذين قتلوا في قلب القاهرة إرهابيين حتى نصدقهم فيمن يقتلونه في سيناء .

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية