الحداثة الخليحية: عيش الوهم في مدن التسلية
د. علي محمد فخروالحداثة الخليحية: عيش الوهم في مدن التسليةمنذ أسبوعين كتبت مقالاً عن مدن ما بعد الحداثة الخليجية وأبرزت أحد أهم ظواهرها كما يتمثل في بناء جنوني لمجمعات سكنية فارهة تفصل ساكنيها إنفصالاً شبه كلي عن حياة وساكني المدن التي تحيط بهم وتسلٍّمهم لإملاءات رأسمالية الخيال والوهم الجديدة:فلا فوضاء ولازحمة سير ولا لصوص منازل ولا اختلاط أطفال ساكنيها بأطفال الطبقات المتواضعة في مدرسة أو أماكن لهو ولا مشاهدة لمتسولين من الفقراء والمهمشين كل ذلك يحدث خارج أسوار المجمعات، بينما ينعم ساكنوها بالدفء والطمأنينة والسعادة، أي بأجواء الوهم بأن مدينتهم بخير ورخاء.غير أن مخطٍّطي ومديري مدن الخليج الكبري سيذهبون إلي أكثر من ذلك في تبنٍّيهم لصرعات رأسمالية الوهم الجديدة:1 ـ هناك أولاً تحرير المدنية من محدٍّدات المكان والزمان والثقافة. فالمدن تتوسع وتتوسًّع إلي مالا نهاية ذلك أن امتداداتها تقرره حاجات الأعمال ومضاربات الأراضي وليس حاجات ساكنيها من المواطنين. ومعالم المدن لا ترتبط بتاريخ تلك المدن وثقافة أهلها وإنما هي تقليد وهمي لمعالم مدن الآخرين: قنوات مائية اصطناعية مثل مافي مدينة البندقية، وبروج ناطحات سحاب مثل مافي نيويورك، ومجمعات لهو مثل مافي ديزني لاند، ومجمعات تجارية ومالية وفندقية مثل مافي فرانكفورت وهونغ كونغ ولندن وميلان، ووسائل رياضية بالغة التكلفة والضخامة لأنواع من الرياضة لا يوجد عشرة من ساكني المدن المواطنين يمارسونها إلخ..وشيئاً فشيئاً تخلو أواسط المدن من الحياة والفرح ويخيٍّم علي ليلها الظلام والسكون المرعب لتصبح تماماً كما هو الحال في وسط كبريات عواصم الغرب الرأسمالي العفنة.2 ـ أما المظهر الثاني الملفت في تخطيط وبناء تلك المدن فهو الإهتمام بكل ما سيريح زائريها وليس ساكنيها.ولما كان الهم الأكبر لجحافل السائحين هو المتعة والتسلية تنقلب مدننا إلي أماكن للتسلية في الدرجة الأولي.واقتصاد التسلية كما هو معروف يمثل روح وعقل رأسمالية الخيال والوهم. ولنتذكر بأن صناعة التسلية الأمريكية أصبحت أكبر حجماً من صناعة السلاح وأنها ستقود اقتصاد العالم في المستقبل المنظور.من هنا، وكمقلدين، نبني مدن التسلية بالتركيز علي أماكن التسكُّع وهدر الوقت، بتطوير هائل لأماكن اللقاءات للأكل وللشراب وتدخين النارجيلة وممارسة الثرثرة، بتوسع مذهل في أسابيع التسوق ورفيقه اليانصيب والتي ما إن تنتهي في عاصمة خليجية حتي تبدأ في عاصمة أخري.ونعزٍّز كل ذلك عبر تلفزيون يعرض ليل نهار برامج مسطحة ضحلة في الغناء والمسلسلات والمسرحيات وثرثرات النساء والرجال، وعبر صحف تخصٍّص للرياضة أضعاف الصفحات المخصًّصة للثقافة، وعبر إهمال للمسرح النقدي غير الهزلي ولثقافة الطفل ولمراكز النشر والدراسات الأهلية الجادة.وفي كل ذلك يخاطب عقل ووجدان ورغبات وأحلام الطفل في الإنسان العربي الخليجي ليبقي هذا الإنسان في مراحل المراهقة في كل شيء في حياته وليكره الإلتزام بمواقف مثل الكبار خصوصاً في السياسة وأماكن العمل والدراسة وإقتصاد الإنتاج لكن مالا يلاحظه المسؤولون عندنا أن اقتصاد التسلية في مدن الآخرين يسنده بقوة اقتصاد إنتاجي زراعي صناعي تكنولوجي بينما نبني اقتصاد التسلية عندنا علي حساب التنمية الإنتاجية معتمدين علي توفر ثروة هائلة مؤقتة ستنضب خلال بضعة عقود، كما أن الإنغماس في التسلية الآنيًّة يبني حاضراً منقطعاً عن الماضي، (وهو أمر خطير في حياة أمة لاتزال في طور التفتيش في ماضيها عن ذاتها) كما يولٍّد إنقطاعاً عن التفكير في المستقبل (وهو أمر كارثي في حياة أمة تعيش كل مكونات التخلف).إن هدف رأسمالية الوهم هو أن يعيش الناس في عالم تسلية دائمة تبعدهم عن الملل والضجر وعن سويعات صنعاء الذهن التي قد تقودهم الي التفكير في تصحيح مناهج حياتهم الخاطئة أو الثورة علي إحوال بلدانهم وشعوبهم السٍّيئة.ومع الأسف فاننا بإصرارنا علي بناء مدن عيش الأوهام والتسلية الطاغية علي ماعداها نساهم في إنجاح نظام اقتصادي أصبح منهكاً لنمط عيش الإنسانية كلها.9