الوطن عزيز وغال مهما كانت المعاناة التي لم يكن الوطن هو منتجها لكنها نتاج بشري ممن سمحت لهم الظروف التي هي من صنع البشر أيضا ليتولوا أمور إدارة شؤون الوطن والمواطن فتجد من يشعر بالضياع وفقدان الأمل في وطنه ويهاجر بحثا عن حياة أخرى تتاح فيها الفرص لبناء ذاته من التعليم واكتساب الخبرات والإمكانيات العلمية أو المهنية أو الحصول على فرصة عمل تمكنه من بناء مستقبل له ولأولاده ويعيش عزيزا ومستور الحال واستثمار تلك الفرصة لصقل وتطوير مهاراته وملكاته العلمية أو المهنية والفنية والإبداعية لكن هذا المواطن مهما بلغ من مكانة اجتماعية وعلم وقدرات ومهارات أو مال لا بد أن يحن لوطنه، وطن الآباء والأجداد، وكذلك ممن أجبرتهم الظروف على مغادرة الوطن عنوة من المعارضين السياسيين أو التجار أو العلماء والمبدعين الذين ضاقت بهم الأحوال بسبب عدم توفر الفرص العادلة والمطلوبة لتطوير ذاتهم وإمكانيتهم لخدمة أوطانهم فكانت الفرص في غير أوطانهم أفضل. أما الفلسطينيون الذين هجروا من وطنهم بقوة السلاح فهم ضحايا الممارسات العنصرية والطائفية والحروب ولابد لهم من الحنين للوطن الأصلي لأن حب الوطن متأصل في الوجدان والروح التي لا تشعر بالانتماء إلا لوطنها الأصلي، لأن الوطن هو اقرب الأماكن إلى القلب والعقل، كالأرض وما تحتويه من سهول وأودية وجبال وصحار وآثار وتاريخ يعبر عن الأصالة والعرق البشري الذي ينتمي له الفرد وللعادات والتقاليد والقيم واللغة والدين التي هي جزء من تركيبته النفسية مهما حاول أن يتبرأ منها أو يندمج في المجتمع الذي اختاره في بلد الاغتراب ليكتسب صفاته الشخصية الجديدة منه. كل هذا إنما يدل على أن الوطن لا بديل عنه ولا عزة وكرامة من دون الوطن مهما توهم الفرد بأن يجدهما خارج وطنه في زمن شعر أنه افتقدهما في الوطن وفقد الأمل حتى في البحث عنها أو المساهمة في تحريرها من مغتصبيهما بل فضلهما بنسختهما غير الأصلية التي لا بد من أن تأتي ظروف على مر الزمن تسلبهما منه، إنما في الوطن، أن وجدتا، فهما نسخته الأصلية التي يستطيع أن يناضل من أجل الحفاظ عليها بل وتطويرها لان النضال في الوطن مشروع بل واجب وطني لا تجرمه التشريعات والقوانين أما النضال خارج الوطن الأصلي فيمكن أن تجد له مبررات تجريمه أو يصبح هو، شخصياً، مبررا للطرد أو الترحيل ولا ملجأ آمن سوى الوطن الأصلي. أي أن ما يطلق من مصطلح الوطن البديل هو وهم يعيشه الفرد فترة زمنية معينة إلى أن يصحو من حلمه ويحن لوطنه الأصلي لإحساسه بالغربة والاغتراب . نستنتج مما سبق أن النضال لإصلاح حال الوطن يحتاج لإصلاح أحوالنا وتحقيق طموحاتنا وآمالنا الذاتية والجماعية أفضل من محاولة إصلاحها خارجه . أي أن النضال الوطني هو واجب ذاتي و قومي وديني فرضته سنة الحياة وسنة الكون والإنسانية لما يحمله من قيم إنسانية نبيلة كالمساواة والعدالة والحرية التي هي أسس الحياة الكريمة والعزة والسعادة في استئصال الظلم والاستبداد والفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والمالي، بمعنى القضاء على منظومة الفساد كاملة ليصبح الوطن هو الوعاء القادر على استيعاب الكل وإشباع الكل ويحمي الكل لأنه ملك للكل من دون تمايز أو استحواذ أو إلغاء أو تهميش. أي أن الوطن بحاجة ماسة إلى أبنائه في الداخل والخارج لأنه أغلى شيء في حياتنا ويتوجب حمايته من الأخطار والأعداء، لأنه الملجأ الأمن عندما تضيق بنا الحياة. كثيرون ممن جربوا الاغتراب يفضلون الحياة فقراء في وطنهم ولا أغنياء مغتربين خارجه. لهذا عندما يصاب الوطن بنكبة تجد أبناءه المغتربين يهبون إلى نجدته ودعم مسار تصحيح اعوجاجه ونحن في اليمن لا ننكر إسهامات الإخوة المغتربين في دعم وطنهم الأم اليمن في كل المنعطفات إذ شاركوا في لجان الحوار وقدموا رؤاهم، واليوم يسهمون في دعم مخرجات الحوار والدفع بالدول التي يعيشون على أراضيها إلى مساعدة بلدهم بكل السبل وهذا الشعور الطيب والإحساس الوطني الكبير اتجاه الوطن يدلان على أن البلد بخير وقادر على تجاوز المحن بفضل رجاله الأوفياء والخيرين، في الداخل والخارج، ولكن من في الخارج عاشوا وواكبوا حضارات وثقافات مختلفة واكتسبوا تجارب أمم سبقتنا في التطور والبعض وصل إلى مستوى من العلم والثقافة والمهارة فاستفاد ثم أفاد هذه الدول وهو أكثرنا فائدة للبلد . اليمن، اليوم، بحاجة ماسة إلى كل من يمتلك إمكانيات علمية وقدرات ثقافية وسياسية وحتى مادية، ولو أحصينا المغتربين اليمنيين نجد أن عددهم سيكون كافيا لمساندة الخيرين من الوطن والوقوف صفا واحدا ضد قوى الظلام والظلم وقوى الاستبداد والتخلف حتى نصلح حال الوطن ونهيئ الأرضية المناسبة لبناء الدولة المدنية، دولة النظام والقانون، ليتمكن الكل من أن يعيش في كنفها حيث توفر الفرص للجميع ويستطيع كل فرد فيها من أن يبرز إمكانياته ومهاراته ويسهم بجد وعزيمة وحب في بناء الوطن العزيز الغالي، ويتخلص المغترب من حياة الذل والهوان التي يعيشها خارج وطنه، وخير مثال هو ما يحدث لإخواننا المغتربين في جارتنا المملكة السعودية التي تنكرت لجهودهم حيث بصمات اليمنيين على مدى زمن في بناء وعمران مدنها ومؤسساتها ونظامها وحتى اقتصادها، وحان الوقت لأن نبني وطننا ومؤسساتنا ونظامنا.. نبني وطناً ونعزه ونكرمه ليعزنا ويكرمنا.. وفق الله الجميع لما فيه خير الوطن والأمة. أحمد ناصر حميدان – صحافي يمني