يا عزيزي نحن ضحايا الخداع وليس المؤامرة

حجم الخط
0

في موسمٍ ممتدٍ مملٍ من التهريج في الوقت الضائع، نكتشف، وهو من ضمن منجزات الحراكات الثورية التنويرية بلا مراء، أن العبث كالحماقة بئرٌ بلا قرار هو الآخر، من ذلك مثلاً أننا نترقب ترشح المشير السيسي كنتيجة الثانوية العامة مع أننا على يقين من حدوثه ومن الفوز الحتمي، وحينذاك لا تملك سوى أن تسأل نفسك: علام كل هذا الضجيج؟ ولن أتطرق هنا للاختراع اللوذعي الذي سيعيد تدوير مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز إلى أصبع ‘كفتة’.
وكما أن القرآن حمال أوجه فكذلك هو الواقع، وكلٌ يراه بعينيه ويفسره على ضوء موقعه الطبقي وخلفيته الفكرية ورؤيته وانحيازه الاجتماعي… أبوسفيان لم ير في فتح مكة سوى تعاظم ملك النبي ‘صلى الله عليه وسلم’… كذلك حال قطاعاتٍ كثيرة من الجمهور في مصر ممن باتوا ينتظرون المخلص وقد صاروا لا يرون سوى تلك السردية الجديدة، ومفادها أن الجيش أنقذ البلاد من الإخوان الخونة العملاء وأن مصر بالتالي لا يصلح لها سوى رئيس من خلفية عسكرية، كأن كل من حكمونا من قبل طيلة ستين عاماً كانوا قصابين أو حدادين.
لكن الأكيد أيضاً أن تلك السردية الجديدة الآخذة في التشكل والتوطد، التي تخوفت وحذرت منها مراراً، تكتسب أبعاداً جديدة يوماً تلو الآخر مع كل تفصيلةٍ تضاف إليها أو حدثٍ يقرأ ويتم تفسيره وما يتفق معها، وقد اتضحت لها الآن قسماتٌ محورية: أسطورة المخلص- البطل الذي تقطَّر فيه الذكاء والعبقرية والوطنية فحاز كل المزايا، كآلهة الأوليمب وأفضل قليلاً، والمؤسسة الوطنية التي تمثل عماد الدولة التي أصبحنا نتغنى بكينوننتها الابدية، أو على الأقل منذ فجر التاريخ إذا شئنا التواضع.. بيد أن الحكاية المحبوكة لا تقف عند هذا الحد، فالإعلام المغرض لجأ إلى أهم سلاحٍ في جعبة أنظمتنا الرثة المتهالكة التي أكل عليها الدهر وشرب: الجنرال ‘مؤامرة’…و من خلال عملية تفكيك وتجريح تتم شيطنة كل من نادى بالثورة أو تحمس لها أو شارك فيها بصوتٍ عالٍ بعض الشيء، خاصةً من الشباب، وإذا بنا نكتشف أن الغرب الحاقد والصهيونية العالمية تآمرت على مبارك.. أعلم أن تلك قد تبدو للوهلة الأولى مزحةً كفيلةً بجعل أي شخصٍ يمتلك بقيةً باقية ولو بسيطة من قواه العقلية ينفجر ضحكاً، لكن الأمر يصبح كئيباً محبطاً حين تكتشف أن هذا الهذيان يكتسب أنصاراً يوماً بعد يوم، والحقيقة أن الناس تريد أن تصدق. ليست المرة الأولى التي يتآمر الأعادي علينا فيها، فقد تآمروا علينا في نكسة يونيو/حزيران.. نحن لا عيوب لدينا ولا تقصير… كما تآمروا علينا زمن السادات ومبارك.. مبارك لم يسقط نتيجة غبائه وعناده وانحطاط عهده وركوده وانفجار التناقضات الاجتماعية التي فاقمها بشكلٍ بشع، وإنما نالت منه المؤامرة، كأنه لم يقدم وطنه ومحيطها بخساً لأمريكا وإسرائيل.. وكأن نزول الملايين إلى الشارع مطالبين بإسقاطه لا ينفي بالقطع شبهة المؤامرة. أنا لن أنكر احتمال المؤامرات في السياسة بصفةٍ عامة، ولكن هذه هي السياسية، فالكل يتآمر على الكل، أمريكا تآمرت على الاتحاد السوفييتي وهو بدوره تآمر على أمريكا. أمريكا تآمرت وما تزال على كوبا وفيتنام والصين وكوريا الشمالية وخسرت في كل هذه الدول.. فقط تفلح المؤامرات في شرقنا البائس، وباستثناء العراق، تنقذ تلك المؤامرات هذه الأنظمة الصدئة من الانهيار بدعوى ألا صوت يعلو فوق التصدي للمؤامرة.
قال جورج دانتون الثوري الفرنسي الكبير ‘الحقيقة.. الحقيقة الخشنة’، وقد كانت من الخشونة بمكان أن أطارت المقصلة رأسه قبل أن نعرف تفسيره لما تبع الثورة من أحداث، كصعود بونابرت الكارثي بدوره.. وعلى نفس السياق علينا أن نواجه واقعنا وحقائقنا الخشنة. نحن لسنا ضحايا مؤامرة وإنما خديعة كبيرة نمونا في ظلها وما زلنا نعيش فيها، وما لم نواجه واقعنا على قبحه فلا خلاص لنا.
من قبيل الخداع ما يحاول النظام الترويج له الآن من أن سقوط مبارك ومرسي يعني أن النظام قد تغير.. وعلى من يتصور ذلك أن يجيب على سؤالٍ بسيط: من الذي يحكم مصر منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011؟ ومع تنامي العنف من قبل منظومة الأمن عودةً إلى ما قبل هذا التاريخ، هل ما زال يتشبث بوهم أن تغييراً جذرياً قد حدث؟
لا شك لدي في أن النظام، مستتراً وراء قناع تلك السردية الجديدة، يعيد ترميم نفسه.. ومستعيناً بخفة يدٍ مدهشة ذهب شوطاً بعيداً ونجح في قلب الحقائق واللعب بالمسميات.. أصبح الثوار خونة وعملاء متآمرين، وإعلاميو مبارك ولجنة سياسات حزبه المنحل الذين دافعوا عنه حتى الرمق الأخير، ثم بدلوا جلودهم كيداً للثورة، كالمجوس تماماً، هم الوطنيون الثائرون الشرفاء، وهم الآن يكرسون لخدعة أن الثورة انتصرت ونحن الآن ندشن مرحلة البناء، وليس أدل على ذلك من عينات الوزراء الذين ينقبون عنهم في مستودع حفريات نظام مبارك… لا تغيير مطلقاً في الانحيازات الاقتصادية والاجتماعية ولا مكاسب، وحين يضرب المواطنون طلباً لتحسين أوضاعهم تصبح تلك ‘المطالب الفئوية’ ‘عرقلةً غير مفيدة’ لمسيرة البناء والتحول الديمقراطي عوضاً عن توصيفها الصحيح كاستكمالٍ لثورةٍ منقوصةٍ مغدورة انضم الناس إليها في الأساس لهذه المطالب بالذات.
لكن المشكلة الكبرى أننا نخدع أنفسنا…حين نختار أن نصدق الحلم الوردي.. حين يصدق البعض بحتمية ثورة مقبلة في حال فشل الحكم المقبل في الإصلاح، مع العلم أن هؤلاء ‘البعض’ من المفترض أن يعلموا أن الثورة قد لا تقوم رغم سوء الأوضاع إذا ما افتقد الشرط الشخصي أو الذاتي والمتمثل في وعيٍ وإرادةٍ ثوريين.. نخدع أنفسنا حين لا نرى أن الحراك الأكبر في التاريخ تمخض عن لا شيء، ليس لأن الغرب تآمر علينا، وإنما لأن مبارك ورهطه تآمروا علينا طيلة ثلاثين عاماً، قمعاً وتجويعاً وتجهيلاً وتفتيتاً، فافقدونا التنظيم الطليعي وهذين ‘الشرطين الذاتيين’… نخدع أنفسنا حين لا ندرك أن ما لم يدرك عنوةً بالثورة قد لا يدرك أبداً عبر صناديق الاقتراع.
كما أننا والنظام نخدع بعضنا بعضا حين نرى في روسيا الرأسمالية الشرسة بقيادة قاطع طريق كـ’بوتين’، الاتحاد السوفييتي، ونستدعي كسر احتكار السلاح في الخمسينات.. بتمويل سعودي إماراتي…الحمد لله، أخيراً اكتشفت أن النظام السعودي ثوري تقدمي!
نردد كثيراً من دون تدبر (على عادتنا) أن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم… كذلك حالنا الآن. علينا أن نفيق من أوهامنا.. يتعين علينا أن نفيق على واقعنا المرير، أن ثورتنا لم تحرز تغييراً اجتماعياً او اقتصادياً حقيقياً.. أن القمع عائدٌ وبقوة… لست أدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وإنما إلى اليقظة وتنظيم الصفوف… يجب ألا نصدق كثيراً أغلب ما نسمع.. يجب أن نتخلص من شباك الخداع ونواجه الحقائق على خشونتها،على قبحها.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية