وقت لتفكير مختلف
إن أكثر الاوروبيين الذين يزورون اسرائيل يأتون في الحقيبة معهم برأي قد تشكل يؤمن بدولتين للشعبين ومعارضة المستوطنات وتأييد خطوط 1967، وانتقاد نصف مهذب ونصف غير مهذب لدولة اسرائيل. وتفضي هذه الحقيبة ايضا في بعض الحالات الى دعم منظمات متطرفة مشغولة بحركة المقاطعة مع اسرائيل.
قبل اللقاء بليلة واحدة تلقيت من منظمة إن.جي.أو مونيتر تقريرا يفصل المساعدة المالية التي تمنحها حكومة المانيا لهذه المنظمات. يمكن أن نجد هناك تحالف نساء لاجل السلام مع حملة المقاطعة مع شركات تستثمر في اسرائيل، ومنظمة ‘يتذكرن’ التي تدفع قدما بحق العودة وحل الدولة الواحدة. وحصلت المنظمتان معا على نحو من ربع مليون شيكل هذا العام وهذا ليس كثيرا، لكن المانيا ليست وحدها. إن أكثر دعم منظمات الـ بي.دي.إس في اسرائيل والسلطة الفلسطينية يأتي من اوروبا.
إن المنظمات التي تشغل نفسها بالصراع تحتاج الى مال، ويبحث الاوروبيون عن معلومات تلائم تصورهم العام. ويحافظ قليلون على العدالة. فالحقيقة هي وسيلة اخرى فقط في العمل الاقتصادي. هكذا اخطأ رئيس البرلمان الاوروبي مارتن شولتس قبل ثلاثة اسابيع في شأن قسمة الماء للفلسطينيين، وليس الشأن شأنه بل شأن الاصدقاء الذين اختارهم.
كان اللقاء الذي نظموه للمستشارة مختلفا، فقد جلس هناك اسرائيليون تحدثوا بلغة صهيونية. لم يكن يمين ويسار بل صهيونية عملية مع العسل ومع السُم. وأنصتت ميركل من المقعد الوثير، وكتب المستشارون وحاولت أن أتذكر متى جلس رئيس وزراء اسرائيلي في آخر مرة مدة ساعة كاملة وأصغى. وحينما حان دوري تحدثت عن معنى الدولة اليهودية وعن حقوق الانسان.
إن ميركل تعترف بالدولة اليهودية وقد قالت ذلك وتقوله علنا. وهم فيما بقي من اوروبا يخشون الالتزام بموقف كي لا يُفهم أنهم غير عادلين مع الفلسطينيين. فخوفهم هو خوفي لكن بالعكس. إنه لا يمكن أن تكون لهم صلة بالاجراءات التي تحدث هنا اذا لم يعترفوا بأن اسرائيل دولة الشعب اليهودي وبأنها ديمقراطية في الوقت نفسه. إن الصهيونية بُنيت على العدل وتواصل الدولة البحث عنه، ففي العدل ذاتية كبيرة وفيه ايضا موازنة سليمة بين القيم.
حول اليسار المتطرف في اوروبا في السنوات الاخيرة مصطلح حقوق الانسان الى سلاح مضاد للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. واسرائيل تخطيء اخطاءا وتعوزها سياسة تتعلق بارض اسرائيل والسامرة، ومع ذلك تنشيء هذه الديمقراطية جهاز قضاء مناسبا وجيشا يربي على طهارة السلاح. فتنشيء توازنات وكوابح. وقد جعل الخوف بين السياسة المعارضة لاسرائيل وبين حقوق الانسان، جعل الخطاب الاخلاقي هنا وفي اوروبا متناقضا من جهة منطقية. قلت ذلك وهزت ميركل رأسها، فهي ربما وافقت وربما حافظت على الأدب.
احتفلوا هذا الاسبوع باسبوع الفصل العنصري الاسرائيلي في 87 مدينة. والمبادرة جاءت من منظمات فلسطينية. وكان بين المشاركين ايضا اسرائيليون يؤمنون بما بعد الصهيونية. إن أكثر طلاب الجامعات لا يهتمون بذلك أما اولئك الذين يهتمون فينظرون الى اسرائيل مصبوغة باللون الاسود بصورة عجيبة. لا يوجد انتقاد لسيادة اسرائيل وحقوق الفلسطينيين بل يوجد انتقاد لحق دولة اليهود في البقاء. ويتسرب هذا الخطاب من حرم الجامعات الى أروقة الادارات وهو في اوروبا يؤثر في السياسة.
تظهر البلدة القديمة من نافذة غرفة ميركل. وحينما يزور رؤساء الدول الفندق يرون لكنهم لا يميزون. إن خطوط 1967 ما عادت موجودة ولا يوجد سلام مثالي يلائم الخطوط، وأقصى ما يمكن فعله احداث فصل براغماتي. قلت لها إنه حان الوقت لتفكير مختلف فأجابت بأنه ربما حان الوقت لتبادل اراض.
إن اوروبا مقطوعة عن الارض ومرتبطة بخطط في الورق. وما دامت اسرائيل لا تبادر وما دامت لا توجد عندنا سياسة خاصة تتعلق بارض اسرائيل والسامرة فان الاوراق باقية. ويكون ذلك احيانا بلا منطق وأفضل مثال على ذلك هضبة الجولان لأنه لا يوجد من تُعاد اليه الهضبة ولا يوجد هناك عدوان على حقوق المواطن ولا توجد حواجز ولا يوجد صراع فلسطيني. ويوجد من الجانب الآخر ايام العصور الوسطى. وبرغم ذلك تقاطع اوروبا هضبة الجولان ولا تبذل اسرائيل أي جهد لتحظى باعتراف بالضم العادل الذي حدث قبل ثلاثين سنة.
يقولون إن المستشارة ميركل امرأة صارمة لكنني لقيت في الأساس امرأة مهتمة. فقد سألت عن الحريديين والعرب وعن المساواة في عبء الخدمة العسكرية وعن الناخبين في شاعر هنيغف. بعد سنة ستكون قد مرت خمسون سنة على انشاء العلاقات بالمانيا وأنا من أبناء الجيل الثالث بعد المحرقة ما زال يصعب علي الامر حينما يتحدثون باللغة الالمانية بالقرب مني.
أنا أصدق أنها تريد أن تقوي العلاقة وتريد أن تستمع لنا بيد أن اوروبا مشغولة بأمورها. فالصراع الذي يجري هناك على صبغة القارة أكثر تأثيرا من الصراع هنا. فنحن في الطريق فقط وتذكير بما كان ومرآة لما هو موجود.
يديعوت 28/2/2014