قراءة في رسومات الوهيبي

حجم الخط
0

منذ عقدين من الزمن وبعض سنين وانا اقف امام لوحات الوهيبي التي جسدت شغفا غير مسبوق بالتراث، كانت ملامح المرأة بشكل عام تطغى على مجمل اللوحات التي يغالبها اللون البني الغامق قليلا ليصبح فيها وجه المرأة نور قنديل يضيء المكان بشكل يزاوج به بين بيئة تراثية تغرق بعيدا في القدم وروح انثى تكاد تكون مسبارا لا يكل في التطلع الى المستقبل تنازعه الرغبة والتصميم ليس على التخلص من قيود قد فرضتها ظروف عيش او تكيف في زمن غابر بل ايضا ذلك الاصرار الذي لا يهادن في بلوغ نجاح كلي لا تمنح فيه المرأة للزمن قدرا من الخذلان او فرصة للانكسار امام طوفانه، حتى تلك التي تبسط اهدابها بحياء او وجل فانها لا تخفي على محياها ذلك الشبق للحب وللحياة والرغبة في القفز عاليا فوق اي انكسار.
في رسومات الوهيبي يصعد الماعز رؤوس الجبال وان لم يبلغ القمم فيها الا انه يهز ذيوله لكل اولئك الذين يمكثون في بطون الوديان يستوطنون خياماً ويعتاشون على الطرئد الهزيلة. اما الزواحف في اسفل الرسم تكاد تجسد بطء الحياة في القبيلة لكنها تزاوج تعايشا فريدا مع البدوي الاول فنلمح ضبابا او دخانا لموقدة في الافق وكأنه فرغ الان من صناعة قهوته لم يسمح له الوهيبي في الظهور علنا وانما اخفاه عمدا خلف وشم القبيلة في اسفل اللوحة في ركن صغير خافت اللون تاركا جل المساحة لثوب تراثي غاية في الابداع مازجت زخارفه المتجانسة على يد الوهيبي بين عبق التراث الاصيل وبين مساحة من الضوء في اكف ومحيا امرأة يليق لان يكون وجهها قنديلا ابديا يضيء مساحات واسعة من روؤس الجبال.
لا زال الوهيبي يخفق ريشته في تربة تميل الى السمرة كسواعد الرجال استدل عليها في بيدر عتيق لتكون على لوحاته بعضا من قمح او وجه رغيف قست عليه النار قليلا.
يرحل الوهيبي في مجاهيل بعيدة الى عالم اللامرئي وربما الى المجرات البعيدة فينشأ عالم اخر لا يبقى به من العناصر الحسية التي ندركها في عالمنا الطبيعي الا عنصر واحد او اثنين لتبقى العناصر الحسية الاخرى في الكل المدرك من ابداعه.
الكائنات التي يجسدها في المجرات البعيدة وديعة ومسالمة تمتلك قدرات استثائية في الاتصال والانفتاح على مجرات اخرى وفق هندسة غاية في الدقة وبمهارته الرائعة ينشئ بيئة من الالوان التي تميل الى الوان المعادن مثل لون الفضة الاسمر ولا ينشئ في الاواني التي ندرك بالاحساس الطبيعي اي غرس او ثمار امراً يقودك بسلاسة للتعايش داخل اللوحة مع كائنات ليس لها صفات اهل الارض فتغدوا اللوحة مكانا مجسدا لواقع حي يمنحك فرص التجوال ومحاكاة كائنات مختلفة كما لو انك فعلاً تزور كوكبا اخر بنكهة حـــياة اخرى، لكن الوهيبي لا يمنحك فرصة البقاء هناك طويلا لانه جرد بيئة المشهد من مقومات حياة البشر.
وللوهيبي والزمن والتاريخ حكاية اخرى ففي العديد من لوحاته يحرص على وجود الساعة بشكل مجرد غير محدد تارة نجد الساعة منزوعة العقارب وتارة مطموسة في البعيد وتارة اخرى يكتب الارقام بلغة غير متداولة في هذا الزمن فلا تستطيع ان تحدد الزمن في اللوحة وكذك الامر ينسحب على التاريخ.
الوهيبي الاقدر على منح المستحثاث عنصرا حسيا واحدا يمكنك من رؤيتها تفيض حياة وبشكل يكاد يكون صادماً ومفاجئاً وانت تبصر عينا تطالعك بحب وسط كومة عظام فتخلق فيك فضول البحث والتقصي فتنسى الموت وتنشغل بالحياة.
اكاد اجزم ان الوهيبي جاء مع الخلق الاول اسطورة تحاكي كل الأزمنة وستبقى ما دامت عقارب الساعة تدور وما دام في هذه الدنيا نبض حياة سواء كان هنا على هذه الارض او يتعداها الى مجرات بعيدة..

امين الكلح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية