الكرد وحق تقرير المصير… المبدأ والواقع والطموح

حجم الخط
0

وحدة الأوطان من أسمى المبادئ التي تعتز بها الشعوب وتقدم في سبيلها التضحيات.. ومع كل الاحترام للآراء والمقاربات المنادية بالفهم التقليدي للوحدة الوطنية العراقية، شعباً وتراباً ومصيراً، فمن الناحية العلمية والأخلاقية تتواتر المبادئ والنظريات الداعــــمة لحق الشعب الكردي في ممارسة حق تقــــرير المصير المنصوص عليه في القوانين والأعراف الدولية، وهو حق تدعمه القيم الانسانية والحقائـــق الجغرافية والثقافية والمعطيات التاريخية والتطورات الســــياسية العالمية والاقليمية.. كما ان التطور التنموي الذي يشهده اقليم كردستان يعضّد حق تقرير المصير، ذلك ان الانجاز الاقتصادي لا بد ان يترجم الى قوة وحق.. قوة في الارادة وحق في الادارة.. قوة في الارادة السياسية وحق في ادارة الــــذات وتقرير المستقبل، وحيث ان كردستان تتمتع بخصوصية ثقافية واضحة وواقع سياسي ومؤسسي ماثل فإن حق تقــــرير المصير يكون هو المطلب الطبيعي الذي يطرح نفسه على السطح كلما استشــعر الإدراك الســـياسي الكردي، مواطنياً ونخبوياً، تمايز الذات الكردية الثقافي ثم تقدمها التنموي عن بقية أجزاء العراق، وكلما استذكر الكرد مظلوميتهم التاريخية او انتابتهم هواجس القلق من المستقبل.
في الوقت نفسه يجد الإدراك السياسي الكردي ان الواقعية السياسية تفرض نفسها اليوم، فالشرق الاوسط في اللحظة الراهنة بحر متلاطم الامواج بفعل التحولات السياسية والتغيرات التي طالت الانظمة والدول، فلا يكون الابحار مباشرة الى حق تقرير المصير هو الخيار الأسلم، لأن الظرف الاقليمي وان كان يبدو في ظاهره فرصة مؤاتية للمضي نحو دولة كردية كبرى، لكنه في الحقيقة يشكل خطراً كبيراً على التجربة الكردستانية، لأنه يلقي بها في أتون الاضطراب الاقليمي ويزج بالاقليم الكردي بكل ما فيه من فرص واستقرار وأمن في خضم الصراع الدموي ذي الطابع الهوياتي الذي يعصف بالمنطقة. أما على الصعيد الوطني العراقي فتبقى المصلحة الكردية الاستراتيجية الاقتصادية والأمنية كامنة في البقاء ضمن الحالة الاتحادية العراقية، شريطة توافر عوامل الاطمئنان والثقة، وعلى رأسها التزام الاطراف كافة بقواعد العملية الديمقراطية والدستورية والتوافقية. يضاف الى ذلك المسائل التي تتعلق بالتدافع السياسي والتوازنات الحزبية القائمة داخل اقليم كردستان نفسه، التي لازالت في طور التبلور والمخاض، كل هذه العوامل ترجح مقاربة تأجيل ممارسة حق تقرير المصير في الوقت الراهن.. لكن السؤال هو: إلى متى التأجيل؟
وهل فكرة التأجيل والإرجاء والتلويح بتقرير المصير بين الحين والآخر، وإدخال هذا الحق ضمن لعبة الضغط والتفاوض يمكن أن تقود إلى تحقيق حالة الاستقرار والاطمئنان على مستوى الذات الكردستانية أو على مستوى العلاقة مع الآخر؟ أعتقد ان اعلان دولة كردية ينبغي أن يكون نتيجة لمقدمات تفرزها التطورات الطبيعية في المنطقة، متفاعـــلة مع تركيز الطرف الكردي على التقدم في اقليم كردستان على صعيد تكريــــس التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية الشاملة والرفاهية الاقتصادية المنصفة للجميع وحقوق الانسان والمساواة والحريات المدنية والمشاركة الديمقراطية والإدماج الاجتماعي والاستقرار السياسي في الداخل الكردستاني، وتفعيل العتلة السياسية الكردستانية في العلاقات الدولية على الصعيدين الاقليمي والعالمي، وفي منظومة العلاقات الوطنية على الصعيد العراقي.
إن لعبة الديمقراطية والحداثة والتنمية والتنوير السياسي والفكري في المنطقة هي التي ستقود إلى تبلور وإنضاج ظروف مستقبلية ملائمة لإعلان دولة كردية.. فالسياسة الحكيمة والحكم الرشيد والديمقراطية الفاعلة والعلاقات البناءة والحوار المثمر والتعاون التنموي والشراكة الاقليمية وسيادة قيم السلام واللاعنف والتعايش وتبادل المصالح وحقوق الانسان، ومن ضمنها حق تقرير المصير للشعوب، هي المبادئ التي كلما سادت بين دول المنطقة المعنية بالشأن الكردي ستقود إلى تقريب الكرد من فرص إعلان دولتهم كحصيلة لتوافق إقليمي بين أنظمة ديمقراطية حديثة تنشأ وتتطور في المنطقة على إيقاع إرادة شعوب تسعى للنماء والعدالة، فهذا هو الخيار الاستراتيجي البديل عن الدخول في لعبة المحاور أو التورط في نزاعات اقليمية دموية هوياتية بدائية لا تزيد المشهد إلا تعقيداً وعنفاً واستنزافاً للموارد وانتهاكاً لحقوق الانسان واضراراً بالقضية الكردية.
ليس صحيحاً أن يرتكب الطرف الكردي أخطاء الأطراف السنية أو الشيعية، فالسنة يريدون إعلان إقليم السنة على أساس فكرة القطيعة والمفاصلة والبغضاء مع الشيعة.. والشيعة يريدون إقامة حكم الشيعة المركزي على أساس جبروت الحديد والنار وقمع المكونات.. والوطنيون التقليديون ينادون بـ ‘انصهار’ المكونات لصالح نموذج يقمع التنوع لصالح وطنية أو مواطنة مفرغة من حق المواطنين في التعبير عن خصوصياتهم الهوياتية القومية أو الدينية أو المذهبية أو الثقافية.. إن مصلحة الطرف الكردي هي في نظام اتحادي عراقي يقوم على مبدأ المواطنة الحاضنة للتعددية الثقافية لا الكابتة لها .. المستثمرة للتنوع الاجتماعي وفيه لا القامعة للأنواع.. وهذا يستدعي ان يبني الكرد مشروعهم على أساس التواصل الفعال مع الشيعة والسنة، الامر الذي يتطلب التحرك لتفعيل الدور الكردي في السياسة العراقية والعودة إلى مشهد العملية السياسية كرعاة للتوافق وصناع للتسويات وآباء مؤسسين للديمقراطية في العراق مع شركائهم الآخرين. كلما تمكن الكرد من تقديم أنفسهم وطنياً وإقليمياً كطرف يتمتع بما يكفي من الرشد والعقلانية لادارة حوارات عراقية وطنية تحقن الدم وتجفف منابع العنف وتكرس السلام السياسي والتضامن الوطني، استطاعت كردستان أن تجني مزيداً من المكاسب لصالح القضية الكردية حاضراً ومستقبلاً، وصولاً إلى توفير بيئة اكثر استقراراً وملاءمة لطرح المطلبية الكردية بمختلف بنودها ومن ضمنها حق تقرير المصير.

‘كاتب عراقي مقيم في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية