يحتفظ التاريخ الأدبي في ذاكرته بفصل خاص بالشاعر البرتغالي الأشهر فرناندو بسوا (1888-1935)، الذي راجت كتاباته وأسطورته عربيا بدءا من ثمانينيات القرن الماضي. من عجائب هذه الشخصية العجائبية أنه في خلال سنوات عمره القصير كتب بثلاث لغات هي البرتغالية والإنجليزية والفرنسية، كما ترجم منها وإليها. الأكثر غرائبية هو أن بسوا وقّع أعماله، بالإضافة لاسمه، بما يزيد عن ثمانين اسما آخر بينها أسماء نساء ورجال ومن جنسيات مختلفة، كونت ترسانة غير مسبوقة ولا ملحوقة من الأقنعة التي توفرت لشاعر.
حين تكتب عن إبراهيم المصري، فلابد أن تتذكر بسوا، لأن إبراهيم المصري، هو الآخر، أكثر من شاعر واحد. لا يعمد المصري صاحب ما يقرب من العشرين كتابا أغلبها من الشعر كما تضم روايات ومقالات في أدب الرحلة والصحافة، لا يعمد إلى توزيع تعدده الشعري على أسماء وشخوص مختلقة كما يفعل بسوا، وإنما هو يكاد يصنع جنسا شعريا قائما بذاته وبزاوية رؤيته ونوعية أدواته، لكل ‘موتيفة’ شعرية تتناوب مع غيرها نقطة المركز في اهتمامه اللحظي.
نتلقف مندهشين وفرحين كعادتنا كتابين لإبراهيم المصري في أقل من بضعة شهور: (وجبة الماء، وجبة الكهرمان)، و(مترو الأنفاق). ليس الفاصل الوحيد بين الكتابين هو فاصل زمن الكتابة، فـ’الوجبة’ الصادرة عن دار النسيم في القاهرة في نهاية 2013، أعدها إبراهيم في الثمانينيات. أما نصوص (مترو الأنفاق) التي أصدرتها دار النسيم أيضا منذ أسابيع فقد كتبها المصري خلال العام الفائت 2013. الزمن ليس فاصلا حقيقيا لأن كتابة المصري تتحدى الزمن وتطالعك قصائده المعتقة منذ ثلاثين عاما بطزاجة الحاضر ووعد المستقبل، ولكن الفاصل الأهم هو بناء العالم اللغوي النصي الذي يشبه أنهارا متوازية لا تلتقي أبدا وتكاد لا تصنع دلتا حتى، مع استمرارها في التدفق والسريان والفيض منذ ما يشبه الأزل إلى ما يشبه الأبد.
‘الشطيرةُ من الليل
ذئبةٌ زاجلة
تنعش الرماد بخطاها الخفيفة
ألفةٌ بينها والرياح
وذهابُها النبيذ
تنهض من اليقين إلى غربة السؤال
وجبةُ الماء من يديها
ومن عينيها وجبةُ الكهرمان’
هكذا يتحدث إبراهيم في وجبة الماء. حين تكون الموتيفة هي الذات، والمرأة، يأخذنا المصري إلى عوالم غائرة في الخصوصية، تتخلص فيها اللغة من اصطلاحيتها الاعتباطية التراسلية لتصنع علاقات مبهرة جديدة وغير قابلة للتكرار، تماما كما أن السر غير قابل للتداول. هكذا يصبح الماء والكهرمان وجبتين، والذهاب نبيذا.
النهر/الموتيفة الذي ينتظم (وجبة الماء) هو ذاته الذي بنى إبراهيم المصري على ضفافه مدنا شاهقة كما فعل بلدياته الإسكندر الأكبر. هناك مدينة/كتاب جميل اسمه (الزهروردية)، وهناك (الروض العاطر) الذي ما يزال مخطوطا أتيح لي ولعدد من الأصدقاء الاطلاع عليه وعلى ما يقدمه من قصائد ‘نثر’ حقيقية يندر أن يوجد لها مثيل ‘نوعي’ في الساحة العربية من حيث تماسكها والتزامها المفهومي ببناء قصيدة النثر وجمالياتها.
لكنك حين تعيش مع نصوص (مترو الأنفاق) فأنت لا تنزل النهر مرتين فقط، بل إنك تنزل في نهر آخر تماما لا يجمعه بـ’وجبة الماء والكهرمان’ شيء سوى المنبع.
‘وعلى أي حال
هو مترو أنفاق’
يأنسُ للظلام بانطفاءِ مصابيحهِ الداخليةِ دائماً
وتعطَّل التكييف ومراوح التهوية
حيث يعمل كلُّ جسدٍ بمفرده’
على إنتاج شحنةِ العرق اللازمة’
لتلطيفِ المآسي’
حين تكون الموتيفة التي يشتغل عليها إبراهيم المصري هي موتيفة الوطن/المواطن، العالم/الإنسان، فإن اللغة تستعيد تلقائيا قدرا ضروريا من ‘تراسليتها’، إذ لا يكفي هنا أن يكون المحمول جماليا فقط، ولا يستطيع ‘الصوفي’ أن يكتب وثيقة لحقوق الإنسان مثلا. يدخل العالم بمكوناته بدءا من العنوان: مترو الأنفاق، وليس (أنفاق الرغبة) مثلا، أو (قطارات الوحشة)! لا يصنع المصري هنا عالما موازيا بعلاقات لغوية مبتكرة، قدر ما ‘يفضح’ العلاقات الفادحة الكائنة فعلا. لكن ريشة الشاعر ‘الخالقة’ لا تستطيع أن تنسى نفسها على طول الخط، وإنما تكتفي غالبا بضربة أخيرة تنصف الشياطين المكبلة:
‘إننا قد نصنع.. رجل الثلج… لنستمتع بغرائز اللهو مع المناخ مع أن كلاً منا يحملُ رجلَ ثلجِ فى داخله، وإلا لماذا تشيع فى مصر هذه الكلمة:
…بارد، ونحن باردون، تقودنا حكومةُ باردة، ونظامُ بارد، وأحلامُ باردة، ويبصق فى وجوهنا صباحَ مساء إعلامُ بارد، وصحافةُ باردة، وتلفنا من المهدِ إلى اللحد حياةُ باردة، كان ينقصها فقط أن.. يتغير المناخ، ويأتى لنا بما يُجسِّدُ الحقيقة… أن مصر تحت أى منخفضِ جوى قد تغوص إلى ركبتيها فى الطين، بشراً وشوارعَ ومنازل، وأنَّ ما نجهزه لاتقاءِ شرِّ الطبيعة، ليس أكثر من الدعواتِ والعدسِ والسحلب… والغمغمة’.
بدوره، يقع (مترو الأنفاق نصوص مصرية) على ضفاف نهر ممتد شقه إبراهيم المصري في تعاطيه مع موتيفتي الوطن والعالم، وتشريح مفاهيم المجتمع والفرد والمصرية والمواطنة إضافة إلى ممارسة ‘الحفريات الأخلاقية’. هناك تحديدا كتابه/مخطوطه (الديوان المصري) الذي كُتب في مرحلة ما قبل يناير 2011، وأَعُدّه سلفا جينيا بامتياز لمترو الأنفاق. هناك كتابه الجميل (الديوان العراقي) الذي رصد فيه شعريا تناقضات الواقع والحلم في المشهد العراقي الذي يشبه في تعقيده (جرنيكا) بيكاسو.
في قراءة إبراهيم المصري، الذي هو بكل حق شاعر مؤسس في الشعرية العربية المعاصرة والمصرية خصوصا منذ نهاية الثمانينيات حتى ولو لم يدرك ذلك الشعراء المصريون المعاصرون أنفسهم!- يجب أن نلفت النظر عبورا إلى خطين/نهرين شعريين آخرين يكملان عمله الشعري.
هناك القضية الوجودية الفلسفية التي سعى فيها الشاعر إلى تشكيل رؤيته إلى العالم منطلقا من منطقة التوتر بين وعي الذات وطلسم الوجود. ليس غريبا أن يكون كتابه الشعري الضخم المؤسس في هذا الخط حاملا لعنوان (الوعي والوجود). ونلمح في نصوص الوعي والوجود عناء سرد العالم الذي ينعكس حتى على البنية النحوية للغة التي تتشظى كأنك في قبو يجري فيه العمل على منحوتة ضخمة.
ثم هناك التأمل اللاهي، الواثق، الذي أنتج كراسات كاملة من الاسكتشات الجميلة التي التقطت مشاهد من جميع الزوايا لـ’موديل’ شعري واحد قد يكون ‘البيرة’ كما في كتابه الجميل (مقتطفات البيرة)، أو قد يكون الشعر نفسه كما في الكتاب الذي لا يقل جمالا (الشعر كائن بلا عمل).
إننا في النهاية أمام منجز شعري ضخم ومتنوع، رغم أنه ينتظم ذاته بكاملها في إطارين فنيين لا يتعداهما: قصيدة الشعر الحر FREE VERSE، وقصيدة النثر PROSE POEM، وهو يعطي لكل من النوعين الأدبيين حقه الفني كاملا.
من قصيدة (الشاعر) في وجبة الماء، وجبة الكهرمان:
‘الشاعر بجناحيه
في المقعد الأمامي للعاصفة
صاعدة
خلفها
غابة مبعثرة.
والريح
تنحني
لمطلقاته
هذا الذي ينفخ نارَ العالم
لخطواته حقولٌ كثيرة
وحذاءانِ
من الماء
والماء’.
‘ شاعر مصري