مطاع صفدي
تنشغل هذه الأيام أوساط الرأي العام في فلسطين، وما يتعدّاها كذلك إلي محافل عربية رسمية وشعبية، وحتي إلي بعض المحيط الدولي المهتم بقضايا المنطقة، بتداعيات النجاح الانتخابي لحركة حماس والأسئلة الكثيرة والخطيرة التي تطرحها بشأن الخيارات التي لا بد في نهاية الأمر أن تحسم قيادة الحركة أمرها في تبّني أحدها والتخلي عن بقيتها. لكن لا يبدو أنها خيارات متروكة لحرية الإرادة التي قد ترفض ما ترفض أو تلتزم بما تشاء. إنها بالأحري إكراهات أكثر منها خيارات إرادوية بمعني الكلمة. فكل قرار قد تتخذه الحركة محفوف مقدماً بظروف معقدة، ويمارس علي أصحابه تناقضات الحوافز والموانع. خاصةً وأن الحسم يرقي إلي مستوي مصائر كلية تتعلق نتائجها القريبة أو المنتظرة بتحديد مستقبل المشروع الجهادي الذي ارتضته الحركة لذاتها، وقاد مسيرتها، وشكل شخصية مفهومية تخص تراثها النضالي، ومنحها امتيازاتها في عين مجتمعها داخل الوطن الصغير، وإلي أبعد حدود الوطن الأكبر.
إنها تلك النقلة النوعية الأخطر التي تواجه كل ثورة عندما توصلها إنجازاتها إلي عتبة السلطة، وتضعها مرة واحدة أمام مسؤوليات الدولة التي تصورتها ودعت إلي قيامها. فليس ثمة مشروع سياسي شعبي، ثورياً كان أو سلمياً، إلا وهو محمول علي أجنحة الأحلام الجماعية ببلوغ الكيان البديل عن الواقع الراهن المرفوض والمستهدف بنوايا التغيير وخططه. وتجارب التاريخ الإنساني العام ذاخرة بنماذج مشاريع التغيير بنجاحاتها وإحباطاتها. وقصة النهضة العربية، وعبر مرحلتها الثانية التي ما زلنا نعيش ربما فصول أفولها، حافلة حقاً بمآسي الإحباطات المتوالية، المسمّاة تارة بالانقلابات وتارة أخري بالثورات أو الانتفاضات. ولعلَّ فلسطين وحدها التي لا تزال تمثل عصر ونوع الثورة الشعبية المستديمة. بينما غلبت علي معظم التحولات السياسية في وطن العرب أمثلة الإنقلابات الفوقية من عسكرية أو عشائرية إلي شبه حزبية. فكانت في غالبيتها تحركات فئوية تستهدف الإستيلاء علي الحكم. أي أنها لم تكن طامحة إلي ما يتعدي مستوي السلطة نحو إنشاء الدولة البديلة المحققة لمشروع سياسي بنيوي متكامل كسلطة ومجتمع في آنٍ واحد، ومغاير حتماً لما سبقه. وفي حال (حماس) الراهنة فالظروف الإنتخابية تدعوها إلي مجرد الإمساك بسلطة في بلد محتل أصلاً. فهي لا تمثل نفسها إلا بالقدر المسموح به من قبل هذا المحتل. وكانت (سلطة) فتح قد قبلت بالحد الأدني من شؤون التسيير الإداري الذاتي كتعويض ـ وصفته بالمؤقت ـ عن اكتساب الاستقلال السياسي. وعبرت بذلك عن المنطوق الضمني والفعلي لاتفاقية أوسلو. فلم يكن في نية أحد أبداً من مخططي أوسلو الرئيسيين أن يتخطّي مصطلحُ (السلطة الوطنية) حدودَ الوضع الفعلي الذي بلغته الحالة المزرية لصيغة الحكم الإداري والمحلي من الاستنقاع والتفسخ وانشغال أولئك (الحكام) باستغلال المناصب والانخراط في صراعات التنافس الشخصي بين (الأبوات) وشراذمهم. كانت تلك السلطة الوطنية هي المطلوبة بكل ما كان متوقعاً لها من الانحدار والتهاوي السريع في شباك الانحراف والتفسخ الآيلة إلي هذا العجز المستفحل في إرساء أبسط الشروط الأولية لقيام كيان دولة في يوم ما. كان الحكم الممنوح أصلاً من قبل أعدائه وحُماته الدوليين. مصمماً ومصنوعاً كأفخاخ مفضوحة سلفاً، لاصطياد الثوار (التاريخيين) الذين بدورهم تقبلوا الخديعة وعملوا علي تسويقها لدي شعبهـــم، وأدلجتها كانتصارات وطنية وقومية، تغطي هويتها الأصلية كرشاوي زائفة، فارغة من كل محتوي كمصلحة عامة حقيقية، إلا ما ينفع قبضةً من سماسرة التفاوض مع العدو، المبني علي التكاذب الجامع بين أطرافه. هل يتكرر السيناريو عينه مع الصف الجديد من ثوار فلسطين. تلك هي المسألة المركزية حقاً. ما هي الضمانات الكفيلة بالفصل بين أكل تفاحة آدم والوقوع في الخطيئة الأصلية. فكيف لا تكون أسطورة الظروف و(السياسة الواقعية)، مؤدية، وغصباً عن النوايا الطيبة المعهودة، إلي أوسلو جديدة. كيف يمكن فهم معجزة الشعار الذي خرج به (خالد مشعل) رئيس المكتب السياسي لحماس علي الناس كخلاصة لمداولات أعضاء ذلك المكتب طيلة أيام وليالٍ في القاهرة، مع أنفسهم أحياناً، ومع كل من رئيس مصر وأمين عام الجامعة العربية ورجالهما. هذا الشعار الذي ينص علي العبارة السحرية: الجمع بين المقاومة والسلطة. واضح أن هناك أمثلة كثيرة سابقة لصيغة الجمع هذه بين البندقية المقاتلة وطاولة المفاوضات في وقت واحد، مارستها حركات ثورية وتحرر وطني، أشهرها ولا شك في تاريخنا العربي المعاصر الثورة الجزائرية، وبعدها ثورة الفيتكونغ الباسلة، وممارستها، سنوات طويلة، لأعنف مقاومة شعبية ضد أوحش عدوان استعماري أمريكي لهذا العصر، في غابات فييتنام المحترقة، والتفاوض السياسي في باريس مع ممثلي هذا العدوان نفسه. لكن لكل ثورة ظروفها الخاصة. وفلسطين تحديداً قد تكون فريدة في قصة التحرر الوطني العالمي. فهي لا تواجه احتلالاً من قبل عدو أجنبي فحسب، لكنه احتلال ممتد إلي استيطان طارد للشعب الأصلي، ويدَّعي تملكاً أسطورياً للأرض كلها. حتي أن الصهيونية الغازية لا تعترف بوجود هذا الشعب الأصلي، كيما تسمح لدولتها أن تقبله مجرد شريك. في الوقت الذي يطالب الغرب بأن تعترف حماس بإسرائيل و(حقها) في الوجود. بينما تنادي الصهيونية كإيديولوجيا دينية بإسرائيل الكبري، وقد تقبل مرحلياً بإسرائيل صغري شرط استيعابها لكل فلسطين. كثيرة هي المقترحات التي تنهال من مختلف الأطراف، عربية وإسرائيلية وأوروبية، علي قادة الحركة، لإيجاد مخارج من المأزق الأيديولوجي الذي لم يعد يخص الحركة ولا جمهورها فحسب، بل راحت تتحسسه تلك الأطراف الأخري، وكأنه مأزقها بمعني ما؛ فتترجمه كل منها وفق مواقفها السياسية من قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتطوراته المتناقضة. وبالرغم من أن ردّة الفعل الدولية الأولي علي الفوز الكاسح لحماس كانت أقرب إلي السلبية، إلا أن الإتحاد الأوروبي خاصةً لم يغلق أبوابه كلياً. فكانت روسيا السباقة إلي التغريد خارج السرب الأمريكي الإسرائيلي. وهي التي تحاشت سابقاً وصف الحركة بالإرهابية. وقد اختار الرئيس بوتين الإعلان عن ترحيبه بزيارة قادة حماس إلي موسكو، خلال وجوده في مدريد لكي يوحي بأن الإتحاد الأوروبي لن يكون بعيداً عن هذا الاختراق للحظر. وسريعاً وافقت باريس علي المبادرة الروسية. هكذا يمكن القول إن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية لن تستطيع عزل حماس ووضعها خارج الشرعية الدولية كما تبدي الأمر للوهلة الأولي، مما كان لولا هذا الاختراق، سوف يحبط كلياً مغزي التغيير الفلسطيني ونتائجه المأمولة. إذ في النهاية، وكما كان الأمر دائماً، هنالك دور رئيسي دولي، وقد يكون حاسماً، في تاريخ تحوّلات الصراع الشرق الأوسطي، ومركزيته الأولي المتعلقة بتطورات القضية الفلسطينية. ما تحتاجه هذه القضية في المرحلة الراهنة هو انبثاق قيادة جديدة مختلفة، تنقذها من هاوية التردّي المتفاقم التي انحدرت إليها في كل شؤونها الذاتية، إضافةً إلي أزمتها المصيرية المستفحلة إزاء عدو خبيث، دأب علي جني المغانم المتراكمة طيلة هذه المسيرة البائسة للتسوية الزائفة، في حين أنها (القضية) لم تحصد منها إلا أشكال المغارم كلها من ضياع الأرض ومضاعفة الاستيطان، والمزيد من قتل المناضلين والمسالمين، وتشريد السكان؛ وهذا الاصرار الاسرائيلي المستقوي أبداً بالمزيد من إضعاف المفاوض الفلسطيني، علي تفريغ كل حلٍ مطروح من أيِّ مكسب وطني جدي للقضية، مهما كان ملتبساً في أساسه ما بين ادعاءاته الخادعة وحصيلته التافهة علــي الأرض. إنقاذ فلسطين وطنياً أولاً. استعادتها إلي مسيرتها التاريخية كحركة تحرير، لا تزال هموم صراعها مع عدوها المتمادي دائماً في فنون عدوانه وتخريبه المدروس لمكونات مجتمعها وراءها، لا تزال هذه الهموم المصيرية تعلو بضروراتها ومبادئها، علي سواها من هموم التنافسات الفئوية علي الحكم. فإن كان ثمة مشروع لتجديد (السلطة الوطنية) في مبناها ومعناها، فهو في كونها أولاً وآخر هي سلطة لحركة تحرير، مكافحة قبل كل شيء، وفوق كل اعتبارٍ آخر، لتحقيق عوامل الاستقلال والسيادة، ما قبل إنشاء الدولة، ومن ثم التنافس علي حكمها. إنقاذ فلسطين وطنياً ليس له من أداة راهنة سوي أن يكون انتصار الديمقراطية فلسطينياً طريقاً نحو إعادة تشكيل السلطة كجبهة وطنية، كقيادة جديدة حقيقية لحركة تحرير شعبية، ذات مهمات مضاعفة بين إصلاح المجتمع من فساده وإفساده واستهلاك مقوماته الأخلاقية والإنسانية، وما بين استئناف فنون الصراع الواعية الذكية مع العدو، بأدوات المقاومة السلمية والمقاتلة في آنٍ واحد. ديمقراطية فلسطين هي الرافعة التاريخية والمنتظرة لاستئناف حركة التحرير المنسية للوطن والمجتمع معاً هذه المرّة.