طلاسم

حجم الخط
2

ها أنا ألبي الدعوة الكريمة للكتابة لـ ‘القدس العربي’، حيث أسعد بالانضمام لكوكبة فريدة من الكتاب المخضرمين ولربما أتشرف بمتابعة رقعة أوسع من القراء المهتمين في الوطن العربي ككل.
وكم كنت أتمنى لو أنني أكتب من ‘القدس العربي’ وليس فقط اليه، كم كنت أتمنى لو تجسد حلم الطفولة وتبلورت ثورة الشباب وتحققت أمنية النضوج بالوصول للقدس، أرضي ‘الموعودة’ التي وعدني بها كل كتاب تربية وطنية درسته، كل قصيدة ثورية حفظتها، كل مفكر عربي استمعت اليه، وكل حكاية دافئة حكاها لي والدي حول أرض العرب الجميلة التي أخذت على حين غرة وحول حلم العودة الذي بدا أنه قد يتحقق مع جمال عبد الناصر وبدا أنه قد يتمزق مع صدام حسين ثم بدا أنه قد يتبخر على نار السياسة التي لا ترى سوى مصالحها ولا تنتهج الا أسوأ الوسائل وصولاً لغاياتها.
فهل نفقد الأمل؟ وكيف نفعل والقضية سكين في الخاصرة تقض مضاجعنا وتتفشى طرقاً في رؤوسنا؟ كيف نفعل ونحن نبيت على كرامة منتهكة ونصبح على حقوق مسلوبة؟ كيف أفعل وأنا كويتية من جيل تربى على القضية، هي الأولى في حياتنا وحلها هو غاية آمالنا؟ توالت علينا القضايا، فنحن نعيش في منطقة لا تفتقر لألم أبداً، منطقة غنية بالأوجاع، ثرية بالمظالم، مقتدرة بتطرفاتها وتعصباتها، منطقة متسعة الموارد، ضيقة الأفق، شمولية الحكومات، بوليسية التعاملات، منطقة خلطتها خطيرة وتاريخها معقد، يساهم تعقيده في ارباك الحاضر وتضبيب رؤيته. ثم توالت علينا الثورات الربيعية التي ما زلت أراها في طور تكونها على أيادي شباب يختبرون خطواتهم، يجربون ويخطئون ثم يصححون مسارهم، ثورات، كما كل الثورات الانسانية، تحتاج لوقت ممدود وصبر لامحدود لتصل لمرحلة نضج نهائية وتؤتي ثمارها المرتجاه.
وفي بحر القضايا وفي ظلال أحلام الثورات، لم تغب القدس عن القلب، لم تخفت الأماني ولم يضعف الرجاء، بقيت القدس وتبقى ذاك الأمل البعيد القريب والحلم الذي أعتقد أنني أحتاجه أكثر مما يحتاجني. فاذا ما فقدت حلمي هذا، لربما فقدت هويتي كلها، فقدت كومة المشاعر التي راكمتها منذ نعومة أظفاري، فقدت حنيناً يبقي قلبي حياً. أحتاج أنا لهذا الحلم كما يحتاجنا جميعاً، كلنا في بلاد العرب نحتاجه، حلماً وعملاً وهدفاً، فدونه لربما اختلت بوصلة طريقنا (أكثر مما هي مختلة) وتاه منا آخر ما تبقى من المبادئ والمثل النبيلة التي قضينا سنواتنا نتغنى بها.
وماذا بعد؟ هل يمكن للتغيير أن يتحقق أم أنه ‘كلام انشا’ اعتدنا أن نسمعه ونكتبه؟ تقول الثورات إن زمن الرضوخ انتهى وإن الشباب انتفض وإن التغيير آخذ في التغيير، كل جديد يأتي جديد بعده ليغيره، فهذا ديدن وقتنا وتلك هي سرعة أجيالنا الجديدة، يغيرون ظروفهم كما يغيرون تلفوناتهم النقالة، ويتحملون عطب منظومات حياتهم بقدر ما يتحملون ضعف خدمات الانترنت، اي بدرجة صفر، هو جيل يواكب تغييرات الكترونية وتكنولوجية هائلة، فهل سيصبر على الأبواق القديمة التي لا تكنولوجيا فيها ولا لمحة تطور؟
لا تمتلك الأنظمة اليوم سوى أن تطئطئ لشعوبها، لا يمتلك الكبار سوى مجاراة الصغار، أو الابتعاد عن الطريق، فهو طريق لا يرحم، يأخذ في قدميه كل من يبطئ سيره أو يتلكأ أو يفكر، مجرد التفكير، بالسير عكس التيار.
وتبقى القدس، الطريق الأول، الحلم البعيد القريب، الأمل الأخير. ذات يوم، كنت مؤمنة تماماً أنني سأراها عائدة في زمني، اليوم أدعو أن يرى يوم عودتها أحفاد أحفادي. الآن، أنا سعيدة بالكتابة على ورق يحمل اسمها، ويضم مريديها، ويتبارك بقبابها وكنائسها وحائط مبكاها، ورق أتمناه محايداً في كل شيء، الا في حبها وطلب ودها.
آخر شي:
ارتفع عدد النازحين السوريين لأضعاف عدد النازحين الفلسطينيين على مر زمن القضية الفلسطينية. نحن أمام كارثة حقيقية ستطال كل من يعيش في جيرتها القريبة والبعيدة، والأهم أنها ستطال نفوسنا وقلوبنا وضمائرنا، فمتى ننجو من الأسر وتنجو سوريا؟ لسنا ندري*.

* تحويراً ل ايليا أبو ماضي
كاتبة كويتية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية