بين امارة قره قوينلو السنية وفيدرالية آق وينلو الشيعية: العملية السياسية ماتت فلا أهلها دفنوها ولا أعداؤها أنجبوا بديلا حيا لها!

حجم الخط
0

علاء اللامي

جثة بين أصدقاء وأعداء: ماتت العملية السياسية التي أنجبها الاحتلالُ وربعُهُ المحليون وشبعت موتا باعترافهم الا من أدمن العناد والمكابرة. غير أن أهل العملية السياسية، أو أغلبهم في قول أدق، ورغم أن رائحة الجثة فاحت وبلغت عنان السماء، يرفضون أن يصدقوا أنها ماتت.. نعم، رفضوا أن يصدقوا، وها هم يلوبون حولها كالدراويش ويرفضون التخلي عنها أو حتي مراجعتها أو تقليبها وجس نبضها للتأكد وسنحاول أن نفسر ونعلل هذا السلوك بعد قليل.. أما أعداء وخصوم العملية السياسية فهم يرقصون بدورهم وقد أخذ منهم الطرب كل مأخذ، ولهم الحق في ذلك ولكنهم عجزوا صراحة عن اجتراح بديل حي وحقيقي وممكن لهذه العملية السياسية المرحومة، فهم يرفعون عقيرتهم بالنداء في كل حين من أن العملية السياسية فشلت أو ماتت ويطالبون فعلا بدفنها ولكن ان سألهم سائل عن البديل لقالوا له نحن البديل بوصفنا الممثل الشرعي والوحيد والملثم للشعب العراقي وعلي الاحتلال أن يعترف بنا وبنا فقط طرفا في الصراع والمفاوضات فيما بعد.

والطريف في هذه المطالبة من قبل بعض المجموعات المسلحة مع احترامنا لنضالها وقتالها للمحتلين هو أنها تنسي أن الاعتراف المهم والثمين هو اعتراف العراقيين بها وليس اعتراف جورج بوش الذي تحلم به ليل نهار، أما ان تصورت ـ هذه المجموعات ـ أن اعتراف العراقيين تحصيل حاصل وسيأتي فيما بعد بواسطة القرباج السلطوي وعلي طريقة صدام حسين التي أوصلت العراق والعراقيين الي ما هم عليه اليوم فهي مخطئة كل الخطأ.. بين هذين السلوكين أو الموقفين لأهل وأعداء العملية السياسية يسيل دم العراقيــــين مدرارا وتتساقط جثث الأبرياء سواء كان ذلك برصاص وقنـــابل المحتلين أو برصاص ومفخخات التكفيريين المتسللين وحلفائهم المحليين أو برصاص فرق الموت الطائفية الرجعية. لأهل الميت أسبابهم:

تري، لماذا يرفض أهل العملية السياسية تصديق موتها ومن ثم دفنها؟ الجواب هو لأنهم لا يصدقون ولا يستطيعون أن يصدقوا أن كل المسرحيات البائخة التي خطط لها الاحتلال وشاركوا فيها بحماس قد وصلت الي طريق مسدود. وهم لا يصدقون ولا يمكنهم أن يصدقوا أن البرنامج السياسي للاحتلال قد انهار كما توقع الكثيرون لأنه قام أساسا علي جملة مبادئ مناقضة في الصميم للطبيعة المجتمعية والتاريخية والحضارية للمجتمع العراقي. لقد قامت عمليتهم السياسية علي المحاصصة الطائفية والتحالف مع غزاة أجانب لبناء دولة فوقية خنثي ومقطوعة الجذور: فلا هي ديمقراطية حقيقية لأن الديموقراطية الحقيقية تتناقض مع الطائفية والأحزاب الرجعية أصلا، ولا هي حالة مستعمرة (بفتح الراء) معلنة يسري عليها وفيها ما يسري في البلد المستعمرِ لأن الاحتلال والحكومة الصنيعة أعلن وعبر أوراق أنيقة موقعة ومسجلة لدي الأمم المتحدة أن العراق دولة مستقلة وأن بقاء القوات الأجنبية رهن بارادة السلطات المحلية! الأساس الثاني الذي قامت عليه العملية السياسية وهيئاتها هو الدولة الاتحادية الفيدرالية والتي استقرت أخيرا وبعد حفلة التمرير البرلمانية اللصوصية علي نوع من القانون الذي (يسمح للجميع بالنوم تحت جسور نهر السين) كما يقال في الأدب السياسي الفرنسي يوم أعلن أحدهم ساخرا: نعم، القانون يمنع جميع المواطنين من النوم تحت جسور نهر السين في باريس ولكن الممنوعين الحقيقيين هم المشردون والشحاذون وليس أصحاب المصانع والبنوك!! وعلي هذا الأساس الخاص بالدولة الاتحادية تمكن التحالف الطائفي العرقي بين الحكيم والبارزاني والطالباني بمساعدة بضعة من سياسيي الربع الساعة الأخير من تحويله الي ممر لتقسيم العراق الي ثلاثة أقاليم تتشكل علي الأساس الطائفي والعرقي.. لقد حقق الطائفيون والعنصريون ولصوص الوزارات وعديمو المواهب والامكانات وذوو الأحقاد والثارات في الحكومات التي قامت في ظلال الاحتلال انجازات كثيرة وكبيرة ولكنها كلها ضد مصلحة الشعب والبلاد، ولهذا السبب فان الاعلان عن انتهاء العرس والاستعداد لدفن جثة العملية السياسية سيسحب البساط من تحت أقدام هؤلاء ويسقط عن عوراتهم أوراق التوت ولهذا فهم يرفضون أن يصدقوا بأن المرحومة قد ماتت وان من الواجب دفنها غير مأسوف عليها.. بدائل أكثر موتا من المرحومة: في الجهة المقابلة تعلو طبول الفرح بموت وسقوط العملية السياسية والطبول كما نعلم جميعا فارغة والا لما كان لها صوت هادر.. والواقع فاذا كانت العملية السياسية قد ماتت فعلا فانها لم تمت بسبب ما قام به أعداؤها فحسب رغم أن ما قامت به فصائل المقاومة الحقيقية والتي تستهدف المحتلين قد كان له دور فعال بل والأرجح أن ما قام به أهلها من حماقات كان له نصيب لا يقل أهمية عن ذلك الدور.. ومع ذلك فمن حق أعداء العملية السياسية الميتة أن يفرحوا ولكن من واجبهم أن يقدموا بديلا حيا وممكن التطبيق ويحقق اجماعا أو غلبة جماهيرية لها.. دعـــونا نخرج من حسبة البدائل دولة أبو عمر البغدادي وحلفائه من جماعة القاعدة وأخواتها في عدد من محافظات أهل السنة فهي دويلة طائفية تقسيمية لا تقل رجعية وخطرا علي العراق من الفيدرالية الطائفية التي يركض خلفها حزب عبد العزيز الحكيم. الي درجة يمكن القول معها: ان امارة قرة قوينلو السنية وفيدرالية آقوينلو الشيعية * هما وجهان لعملة طائفية رجعية واحدة، وعدا عن هذه العملة ماذا يمكن أن نجد من بدائل؟ ثمة البيانات والتصريحات لبعض المشاركين في العملية السياسية التي تطالب بحل المليشيات وفرق الموت مثل الحزب الاسلامي وباقي أطراف جبهة التوافق وهذه المطالب فات أوانها فليس الحل الأمثل والوحيد في حل مليشيات هذا الطرف والابقاء علي مليشيات الطرف المقابل بل والاعتراف به ممثلا شرعيا.. المطلوب هو طرح بديل سياسي شامل وممكن التحقيق. أما في بيانات وتصريحات الأطراف التي تدرج نفسها تحت عنوان المقاومة العراقية فالأمر ذاته يتكرر ولكن بوضوح أشد، فالبديل المطروح من قبل أحد الأطراف للعملية السياسية الميتة هو نموذج أكثر موتا وخرابا منها، وهو نموذج في الحكم الدموي المركزي كما جسدته ثلاثة عقود ونصف العقد من حكم الطاغية صدام وعصابته الدموية المتخلفة. صحيح أن هناك بعض المراجعات والتراجعات الجزئية التي بدأت تطفو علي السطح في بيانات البعثيين الصداميين ولكنها تظل أسيرة الطبيعة التوتاليتارية الشمولية لذلك النظام، ويبدو أن الأطروحات التي نشرت مؤخرا لما سميت بالقيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث والتي تهدم أسس هذا النظام البربري عبر تبني الديمقراطية وادانة التجربة الصدامية أشخاصا وسياسة وسلوكا هي الأقرب الي روح العصر وطبيعة المرحلة.. لقد عجزت الأطراف المعادية أو المتخاصمة مع العملية السياسية وأهلها عن ايجاد بديل حي وممكن وواقعي لها لعدة أسباب منها:

ـ ان هذا العداء كان من ذات الطبيعة المجتمعية فاذا كان أهل العملية السياسية يتوسلون ويمتحون رحيقهم من الطائفية الفلانية فخصومها لا يخلو رحيقهم من الطائفية المقابلة والمضادة لها.

ـ ان هذا العداء لم يكن مؤسسا علي بديل وطني ديموقراطي معاد للطائفية جملة وتفصيلا (كي لا نقول علمانيا فنثير حساسية البعض) لا بل انه يرفع شعارات معادية للديمقراطية علنا وينادي باقامة دولة دينية ثيوقراطية في جزء معين من البلاد.

ـ ان هذا العداء محصور جغرافيا وسكانيا كنتيجة لانحصار وانحشار المقاومة العراقية لأسباب تناولناها بالتعليق والمناقشة في مناسبات كثيرة خلت، وهو بهذا المعني لا يمكن أن يقدم بديلا عراقيا شاملا ووطنيا علي الصعيدين السياسي والجغراسكاني.

بدائل أخري من خارج الدائرة:

ولكن أي نوع من البدائل المختلفة يمكن اجتراحه خارج هذه الدائرة وفي الظروف المأساوية التي يعيشها العراق الحبيب؟ هل يمكن الكلام فعلا عن اعلان موت العملية السياسية رسميا وطرد القائمين عليها الي خارج العراق أو تقديمهم للمحاكم بوصفهم خونه وعملاء للمحتلين كما يطالب بعض المتعجرفين والصياحين الذين جاءت بهم الي السياسة نزوات التاريخ وزمان قلة الخيل؟ وهل سيدفع هؤلاء الأبطال الذين تجمد وعيهم عند الستينات من القرن الماضي بملايين العراقيين الذين شاركوا في الانتخابات ناقصة الشرعية الي المشانق أيضا؟ هل هذا فعلا بديل ممكن وحقيقي وقابل للتطبيق؟ وهل سيتفرج أولئك الخونة والعملاء ويستسلمون للذبح كالخراف؟ واذا ما حدث ما هو متوقع وخاضوا معركة حياة أو موت مع خصومهم أفليس معني ذلك اننا استبدلنا الطاعون بالكوليرا وأغرقنا البلاد والعباد في حرب أهلية مفتوحة قد تستمر لعقود وتنتهي باندثار العراق ومجتمعه؟

وما دمنا في مناقشة وتقليب البدائل هل يمكن الكلام عن بديل يضمن سحب العناصر المدمرة في العملية السياسية والتي أدت الي موتها وسقوط البلد في هوة الظلام والدماء من قبيل رفـــــع والغاء جميع القوانين والمواد الدستورية التي أدت وتؤدي الي الاستقطاب الطائفي والعرقي ورفض أي سند دستوري قد يؤدي الي السماح بنشوء اقليم أو عدة أقاليم في العراق علي أساس طائفي مع اعطاء الاقليم الكردي وضعا خاصا.

هل يمكن الدعوة الي انتخابات مبكرة خلال عام بعد تشكيل حكومة من ذوي الكفاءات (التكنو قراط) تقطع مع الاحتلال أو ترتبط معه باتفاقية للجلاء التام في سقف زمني محدد وتشرف علي تلك الانتخابات وحل مفوضية بريمر للانتخابات واستبـــدالها بهيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية ومرتبطة بالسلطة التشريعية؟ هل يمكن التفكير باعداد قانون جديد للأحزاب يمنع قيام أو تشكيل الأحزاب علي الأسس الدينية والطائفية ويسمح بقيام الأحزاب ذات التوجهات الدينية كما هي الحال في الجزائر واليمن وغيرهما؟

تبقي كل هذه الأفكار والاقتراحات جزئية وقابلة للنقاش طالما تناسي أصحابها العلة الأساسية في الموضوع والمسبب الأول لكل ما جري ألا وهو الاحتلال، وطالما حاولت أن تحل مشكلة مكون مجتمعي واحد علي حساب المكونات العراقية الأخري بما يؤدي الي استبدال دكتاتورية طائفية متخلفة بأخري لا تقل عنها تخلفا ورجعية.. رافضة ونواصب وشتائم أخري: أما ان أصرت بعض الأطراف علي خرافاتها الشمولية القديمة من قبيل فليخرج منها الصفويون فتصفو الأمور فسوف تجابه بذات المنطق الخرافي والساذج فليخرج منها البعثوهابيون فتهدأ الأحوال (مع الاعتذار للقارئ لإيراد هذه الشتائم العنصرية والطائفية السائدة في النثر السياسي العراقي الراهن من قبيل الصفويين والرافضة والنواصب والبعثوهابيين). لقد طرح التيار الوطني الديمقراطي بعد احتلال العراق بأمد قصير مشروع برنامج هو برنامج المؤتمر التأسيسي العام القائم علي حضور توافقي لممثلي كافة المكونات والفعاليات العراقية دون استثناء أو شطب في مؤتمر تأسيسي مستقل عن الاحتلال الأجنبي وعن أية أطراف اقليمية، يحل فيه الحاضرون مشاكل المجتمع ويطرحون تصوراتهم ورؤاهم لاقامة دولتهم الوطنية ونوع الحكم الذي يرتضونه، قد تكرر طرح شرح هذا المشروع.. ونحن انما نذكر به في هذه الفترة العصيبة بعد أن أهمله المهملون وحاول بعض محترفي القرصنة السياسية سرقته وغرسه في مزرعة خاصة بهم وبأسرتهم فلم يجنوا منه سوي الاسم علي الورق والسمعة غير الرائعة.. هامش:

قره قوينلو الخروف الأسود وآقووينلو الخروف الأبيض وهما عشيرتان تركمانيتان تقاسمتا النفوذ والحكم في العراق بعد سقوط الامبراطورية العربية الاسلامية العباسية وسيادة ما اصطلح علي تسميته تأريخيا بعصور الظلام في حدود القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي.. وهذه نبذة تاريخية حول الموضوع من دراسة للأستاذ صنعان أحمد أغا بعنوان أصالة التركمان زيادة في الاطلاع: امارتي قره قوينلو وآق قوينلو: توفي تيمور لنك سنة 807هـ/1405م اثناء زحفه لغزو الصين وهذا ما تسبب في اندلاع الاضطرابات في أرجاء مملكته مما شجع السلطان احمد وقره يوسف علي ترك الشام لاستئناف نشاطهما في بغداد وأذربيجان مرة أخري وفي محرم 808هـ/1405م استعاد سلطان أحمد بغداد بعد ان فر حاكمها التيموري دولة خواجة ايناق الي فارس كما ذهب قره يوسف الي تبريز لكن الخلاف بين أحمد وقره يوسف كان بين السلطان واعادة تنظيم البلاد واشاعة الاستقرار لذا قرر السلطان حسم الموقف فهاجم تبريز سنة 813هـ/1410 م بجيش كبير الا انه اندحر ولقي مصرعه وهو يحاول الفرار وتقدم جيش قره يوسف بقيادة ابنه محمد شاه الي بغداد ودخلها في جمادي الأولي عام 814هـ/1411م وكان ذلك خاتمة الحكم الجلائري وبداية لدولة الخروف الأسود التركماني (قره قوينلو). وبذلك أصبح العراق جزءا من دولة عاصمتها تبريز عرفت في التاريخ باسم دولة الخروف السود وكما كانت تسمي بـ (البارانية) نسبة الي القبائل الغز التركمانية التي نزحت من تركستان الغربية الي جهات اذربيجان وسيواس في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، وشاع اسمها (قره قوينلو) لاشتهارها باقتناء الشياه السود أو لان رايتها تحمل شارة خروف اسود. لكن ازدياد قوة امارة الاق قوينلو التي أقامتها العشائر التركمانية النازحة من تركستان الغربية الي اذربيجان والأناضول في أواخر القرن الثالث مكن من تثبيت أقدامهم في ديار بكر بسبب اتباعهم لسياسة مؤيدة لتيمورلنك وامتلكوا قوة ونفوذا في عهد زعيمهم قرة عثمان وحفيده أوزون حسن (حسن الطويل) وبذلك نافسوا غريمهم امارة الآق قوينلو لحين القضاء عليها في معركة حاسمة التي دارت في ديار بكر عام 872هـ/1467 م وعندما قتل جهان شاه تم ضم امارة قرة قوينلو بما فيها العراق الي ممتلكات امارة الاق قوينلو ـ الخروف الابيض. واثر وفاة اوزون حسن (حسن الطويل) في عام 882هـ/1477م شاعت الفوضي والارتباك في الولاية وعمت المنازعات والحروب الأهلية ما شجع اسماعيل بن حيدر الصفوي علي مهاجمة نخجوان وبالتالي الدخول الي تبريز في مطلع القرن السادس عشر معلنا نفسه شاها.

كاتب من العراق يقيم في جنيفwww.albadeeliraq.com8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية